القومية اليمنية في شعر البردّوني (2-2)

حسام السعيدي

حسام السعيدي يكتب حول: القومية اليمنية في شعر البردّوني (2-2)


يقولون قبل النجوم ابتديت
تضيئ وتجتاز لولا وليت

وكنت ضحى (مارب) فاستحلت
لكل بعيد سراجا وزيت

فأين ألاقيك هذا الزمان
وفي أيّ حقل؟ وفي أيّ بيت؟

هذه أبيات منتقاة من قصيدة عتاب وتبشير بالوجه السبئي، باليمني الغائب عن ركب الحضارة، اليمني الذي صنع حضارته قبل آلاف السنين، وقهر الطبيعة، بجبالها، وصحرائها، وما تزال آثاره حاضرة حتى اليوم، أنت أيها اليمني الذي سبقت النجوم بكورا، وغلبتها ضياء، ما الذي حل بك؟! لماذا صرت للغرباء سراجا، وزيتا، لماذا صرت جنديا في صفوف الغرباء، وجائعا على أبواب المتوردين.

أيها السبئي أين ألاقيك اليوم، في أي حقل وفي أي بيت؟ هكذا ينادي شاعرنا في قصيدته “الوجه السبئي، وبزوغه الجديد” وإن كانت القصيدة تعاتب اليمني كثيرا، إلا أنها أيضا تفتش عنه، عن ثورته، وعن بزوغ فجره بعد أن طال الليل كثيرا، إنه نداء الشاعر، بل نداء من قلب الشاعر، نداء وأمنية ونبوءة.

يدرك البردّوني كيف أصبح اليمني غريبا في بلاده، لذلك فهو يفتش عنه دائما في قصائده، يبحث عن أمجاد حمير وسبأ، عن الأذواء والأقيال، فنجده يقول في قصيدة أخرى أسماها ب “مواطن بلا وطن”:

مواطن بلا وطنْ
لأنه من اليمنْ

تباع أرض شعبه
وتشترى بلا ثمن

يبكي إذا سألته
من أين أنت؟ أنت من؟

لأنه من لا هنا
أو من مزائد العلن

مواطن كان حماه
من “قبا” إلى “عدن”

واليوم لم تعد له
مزارع ولا سكن

ولاظلال حائط
ولا بقايا من فنن

هذا هو حال اليمني اليوم، غريب في موطنه، سرق المتوردون خبزه والماء، وبات في مزارعه المحروقة، يرثي بيوته التي فجروها، وأولاده الذين قتلوا أمام عينيه، يرقب صور الغرباء المعلقة في مدنه وقراه.

لندع شاعرنا يحكي عنه أيضا:

بلاده سطر على
كتاب “عبرة الزمن”

رواية عن “أسعد”
أسطورة عن “ذي يزن”

حكاية من هدهد
كان عميلا مؤتمن

وعن ملوك استبَوا
أو سبأوا مليون دن

الملك كان ملكهم
سواه “قعب من لبن”

وماهو حاضر اليمني اليوم؟ يجيب شاعرنا:

واليوم طفل “حميرٍ”
بلا أب بلا صبا

بلا مدينة … بلا
مخابئ بلا رُبى

يغزوه ألف هدهدٍ
وتنثني بلا نبا

هذه هي الحكاية، هذا اليمني سليل الملوك، الذين ماتزال الروايات والأساطير تتداول عنهم باستمرار، وملك سواهم مجرد “قعب من لبن” يعيش غريبا.

الطفل اليمني الحميري بلا أب، فقد قتل المتوردون أباه، بلا صبا، فقد حولوا صباه إلى معركة كبيرة، وحياته إلى جحيم، بلا مدينة فقد أحرقوها وهجروه، بلا مخابئ بلا ربى، لقد دمروا كل جميل، ولا أخبار عن اليمني وحضارته بعد الآن يمكن للهدهد أن ينقل منها شيئا!

ويخاطب شاعرنا القاتل والغريب، الذي أسماه سفاح العمران وهي تسمية ليست عشوائية فيقول:

ياقاتل العمران أخجلت المعاول والمكينة
ألأنّ في فمك النفوذ وفي يديك دم الخزينة
جرّحت مجتمع الأسى وخنقت في فمه أنينه
وأحلت مزدحم الحياة خرائبا، ثكلى، حزينة
ومضيت من هدم إلى هدم، كعاصفة هجينة

أنت ايها السفاح القاتل، لقد أحلت الحياة إلى خراب ودمار، وزرعت الموت وأحلت الضحكات إلى بكاء ونواح، وهدمت كل شيء، ومن غير الإمامة سحقت حياة اليمنيين ودمرت كل جميل في بلادهم؟! ويواصل شاعرنا وصف السفاح قائلا:

سل ألف بيت عطلت كفاك مهنتها الضنينة
كانت لأهليها متاجر مثلهم صغرى أمينة
كانوا أحق بها كما كانت لمثلهم قمينة
فطحنتها ونفيتهم من للضحايا المستكينة؟
أخرجتهم كاللاجئين بلا معين أو معينة
وكنستهم تحت النهار كطينة تجتر طينة
فمشوا بلا هدف بلا زاد سوى الذكرى المهينة
يستصرخون الله والإنسان والشمس الحزينة
وعيون أم النور خجلى والضحى يدمي جبينه
والريح تنسج من عصير الوحل قصتك المشينة

يا وارثاً عن فأر (مأرب) خطة الهدم اللعينة
حتى المساجد رُعت فيها الطهر أقلقت السكينة
يا سارق اللقمات من أفواه أطفال المدينة
يا ناهب الغفوات من أجفان صنعاء السجينة
من ذا يكف يديك عن عصر الجراحات الثخينة
من ذا يلبي لو دعت هذي المناصات الدفينة
من ذا يلقن طفرة الإعصار أخلاقاً رزينة
نأت الشواطئ يا رياح فأين من ينجي السفينة؟!

ولعل اليمنيين اليوم يرون هذه الصفات في الإماميين الجدد كما رآها البردّوني في الذين سبقوهم، ولعل اليمنيين أيضا يسألون نفس السؤال: أين من ينجي السفينة؟! والإجابة حتما ليست بجديدة بل فيك أنت أيها اليمني، ضع ثياب الضعف والاستكانة بعيدا، واعرف عدوك جيدا، وقاتله حتى تنتصر، لا تخدعك القداسات الكاذبة، ولا الروايات الملفقة.

تأمل معي ما يقوله شاعرنا:

شوطُنا فوقَ احتمالِ الاحتمالْ
فوقَ صبرِ الصبرِ.. لكن لا انخذالْ

نغتلي.. نبكي.. على من سقطوا
إنما نمضي لإتمام المَجالْ

دمُنا يهمي على أوتارنا
ونغنّي للأماني بانفعالْ

مُرةٌ أحزانُنا.. لكنها
-يا عذاب الصبرِ- أحزانُ الرجالْ

نبلعُ الأحجار.. ندمى إنما
نعزفُ الأشواق نشدو للجمالْ

ندفنُ الأحبابَ.. نأسى إنما
نتحدّى.. نحتذي وجهَ المحالْ
* * *
مذْ بدأنا الشوطَ.. جوهرنا الحصَى
بالدمِ الغالي وفردسنا الرمالْ

وإلى أينَ…؟ عزفنا المبتدى
والمسافاتُ – كما ندري – طوالْ

* * *
نحن هذي الأرض.. فيها نلتظي
وهيَ فينا عنفوانٌ واقتتال

من روابي لحمنا هذي الربا
من ربا أعظمنا هذي الجبالْ
* * *
ليس ذا بدء التلاقي بالردى
قد عشقناه وأضنانا وصِالْ

وانتقى منْ دمنا عمَّتَهُ
واتخذنا وجهَهُ الناريْ نِعالْ

نعرفُ الموتَ الذي يعرفُنا
مَسّنا قَتْلاَ.. ودسناهُ قتالْ

وتقحمنا الدوّاهي صورَاً
أكلتْ منّا.. أكلناها نضالْ

موتُ بعضِ الشّعب يُحيي كلّهُ
إنّ بعض النقص روح الاكتمالْ
* * *
هاهنا بعضُ النجومِ انطفأتْ
كي تزيدَ الأنجمُ الأخرى اشتعالْ

تفقدُ الأشجار منْ أغصانها
ثمّ تزدادُ اخضراراً واخضلالْ

 

عناوين ذات صلة:

القومية اليمنية في شعر البردوني

موقع البردوني