محمد محمود الزبيري (1-2): المفاتيح الأولى للخطاب الثوري

  

بلال الطيب

بلال الطيب يكتب حول محمد محمود الزبيري (1-2): المفاتيح الأولى للخطاب الثوري


نشأت حركة الأحرار اليمنيين أول ما نشأت وهي تزخر بالخلافات الفكرية نتيجة لعوامل عديدة؛ لعل أبرزها انحصار انفعالات المُستنيرين في مدينة تعز بالمظالم التي كانت تنصب على الرعوي المسكين، فيما لم تتجاوز انفعالات أقرانهم في مدينة صنعاء التضايق من الكبت الفكري القائم، غير أنَّ جلال المحاولة الأولى، ورهبة الحكم القاسي فرض على الجميع تقبل بعضهم بعضا، والانخراط في كيان مُوحد كان الأستاذ أحمد محمد النعمان، والقاضي محمد محمود الزبيري دعامته الأساسية؛ بل وأساس وحدته ووحدتنا الوطنية.

عمل الرجلان على كسر كافة الحواجز المُعيقة، وحاولا جاهدين إصلاح النظام الإمامي من الداخل، وخلقا من مدينة تعز قضية جامعة، وقدما وباقي الأحرار للإمام يحيى حميد الدين مطالبهم الإصلاحية، كان رفع الظلم عن الرعية المساكين البند الأول فيها، ليتعمق الأستاذ النعمان في ذات الأوجاع والمطالب في رسالة شهيرة أسماها «الأنة الأولى»، مُوجهة لولي العهد أحمد حميد الدين 1937م.

وفي بداية العام 1941م ذهب القاضي الزبيري إلى صنعاء لتقديم برنامج «جمعية الأمر بالمعروف»، وهو برنامج إصلاحي شامل يقع في 22 صفحة من القطع الصغير، ومقدمة كتبها بنفسه، متبوعة ب 37 مادة تحت عنوان: «ماذا نريد أنْ نفعل»، وكانت جميع المواد تدور حول التمسك بالإسلام الصحيح، والدعوة إلى تطوير جميع مرافق البلاد المالية، والصناعية، والإدارية؛ الأمر الذي أغضب الإمام الطاغية، فوجه بحبسه وعدد من الأحرار في سجون جبال الأهنوم المُوحشة.

بعد تسعة أشهر من المُعاناة، وبعد عدد من المُناشدات الاستعطافية شعرًا، ونثرًا، أفرج الطاغية يحيى عن القاضي الزبيري وأقرانه ديسمبر 1941م، فتوجه الأخير إلى مدينة تعز، وهناك حاول ورفيق دربه الأستاذ النعمان وعدد من الأحرار المُستنيرين التقرب أكثر من أمير اللواء، وولي العهد أحمد يحيى حميد الدين، لا حبًا في الأخير؛ بل أملًا في إصلاحه، بعد أنْ يئسوا من إصلاح والده.

كان ولي العهد أحمد قد بدأ بالتقرب من رجالات ذلك العهد المُستنيرين، والذين توافدوا إلى مقر إقامته من كل أنحاء اليمن؛ لهذا السبب، ولسبب آخر تمثل بأنَّ تعز كانت حينها – كما أفاد عبدالله البردوني – شديدة الاختلاف عن صنعاء بنزوعها التجاري، وكثرة خيوط اتصالها بعدن المُحتلة آنذاك، وبسائر الأقطار المنتجة للبضائع أو المصدرة لها، فَوُجِدت فيها المكتبات، وتوافدت إليها الكتب والصحف والمجلات، وأصبحت تبعًا لذلك أصح مناخًا من غيرها لتتبع جديد الأخبار، وكان الوافدون إليها أكثر ميولًا إلى ما فيها من حداثة مهما كان نوعها؛ وهو الأمر الذي عجل بسرعة تلقي مُعظمهم للأفكار التحررية.

وعن تلك المحاولة قال القاضي الزبيري مُوضحًا: «ولقد ولدت القضية الوطنية هناك في تعز، في صورة قصائد كنا نلقيها على الجماهير في محافل الأعياد الضخمة لولي العهد، لقد كان عملنا يُعتبر تقدمية ونهضة وجرأة على تطور الأساليب القديمة في الأدب والشعر، وجرأة على الظهور والطموح والتبشير بوجود عصر حديث لم يكن للناس به علم في بلدنا».

وأضاف مُتحدثًا عن محاولاتهم الإصلاحية بشكل عام: «لقد كانت تجربة خصبة عميقة، كسبنا منها الأساس الأول للثورة، وهو اليقين باستحالة تغيير الإمام يحيى عن غير طريق القوة، ولم يكن هذا اليقين الثوري ليحصل إلا بعد المرور على كل هذه التجارب، وأهمها في رأيي استعطاف الشعر بكل ما فيه من تأثير عاطفي شديد».

واستدرك مُتحدثًا عن محاولتهم الأولى: «إنَّ محاولة إقناع الإمام يحيى بواسطة الفكر الديني، ثم المدائح الشعرية التي قُدمت إليه في هذه المرحلة التجريبية كلها تعتبر وثائق تاريخية، تدل على المُحاولات الجادة لإقناع الإمام بالحكمة، وبأرق الوسائل الودية كي يسمح بالتطور الإصلاحي المنشود، ولا يستطيع أحد في المُستقبل القريب أو البعيد أنْ يزعم بأنَّ الإمام يحيى عارض الإصلاح خوفًا على الدين، فإنَّ التجربة قدمت نفسها كدين..».

هناك وفي مدينة تعز تعرف القاضي الزبيري والأستاذ النعمان على الشيخ جازم محمد الحروي، استضافهما الأخير في منزله أكثر من مرة، وأعجب بهما، واستشعر صدقهما ونقاء سريرتهما وحُبِهما الفياض للوطن المُنهك، ورغبتهما العارمة في تخليصه من براثن الظلم والطغيان، وحين رآهما يترددان على ولي العهد أحمد يحيى حميد الدين كما سبق وأشرنا، قال لهم: «بدلًا من أنْ تظلوا تُبعثروا أدبكم وأفكاركم في تقديس الحُكام، اخرجوا نحو الشعب».

لم يكتفِ الشيخ جازم بالتحفيز المعنوي؛ بل تكفل بالدعم المادي، وبالفعل نجح بعد جُهد جهيد في تهريبهما ذات ليلة مُمطرة إلى عدن 4 يونيو 1944م، وذلك بعد أنْ توفرت الأسباب الموضوعية لذلك الهروب، والمتمثلة بتهديد ولي العهد ل”العصريين” بشكل عام بالقتل، ووعده بأنْ يلقى الله تعالى ويده مُخضبة بدمائهم.

بدأت من عدن المُعارضة الفعلية لحكم الطا غية يحيى بقيام «حزب الأحرار الدستوريين»، وقد انتخب الأستاذ النعمان رئيسًا، والقاضي الزبيري أمينًا عامًا، ليبادر الأول بكتابة أول رسالة استعطافية إلى الإمام، وقعها قادة الحزب، ناشد فيها الإمام ب «إعلان الهدنة بين العسكري والرعوي»، وما هي إلا عشرة أشهر حتى حل ذلك الحزب بضغط من الإنجليز، ولسبب آخر تمثل بخلاف الأحرار أنفسهم.

مع نهاية الحرب العالمية الثانية سمح الإنجليز في عدن في إيجاد كيان يمني جديد مُعارض لنظام يحيى حميد الدين؛ وذلك بعد أنْ زال تخوفهم من تحالف الأخير مع الإيطاليين، ولم يحل العام 1946م إلا وذلك الكيان المُتمثل ب «الجمعية اليمنية الكبرى» يتصدر المشهد، وبرؤى ناضجة، وبمطالب شاملة تهم كل اليمنيين، وقد تولى القاضي الزبيري رئاستها، فيما شغل الأستاذ النعمان منصب سكرتيرها العام. ضمت الجمعية كوكبة من الأحرار الأوائل، كان إبراهيم بن الإمام يحيى أبرزهم؛ وبذلك صار صوتهم مسموعًا، وصارت أنظار أحرار العالم تتجه إليهم.

دُعمت الجمعية بمطبعة حديثة مُستعملة، سميت ب «مطبعة النهضة اليمانية»، بذل «تجار تعز» وعلى رأسهم المناضل جازم الحروي الأموال الطائلة في سبيل شرائها وتشغيلها، وصدرت عنها صحيفة «صوت اليمن» بصورة مُنتظمة، وقد طبع أول أعدادها يوم 31 أكتوبر 1946م، في الوقت الذي كانت صحيفة «الإيمان» المُتوكلية شبه متوقفة عن الصدور.

«صوت اليمن» صحيفة المُعارضة الحزبية الأولى في اليمن، ومُتنفس الأحرار الأوحد خلال تلك الفترة، وصوتهم المُعبر عن آمال الشعب والأمة، أطلوا من خلالها على العالم، وكانت بحق الدليل الفعلي لمعرفة تفكيرهم، ونشاطهم، وتوجههم، وعلى صدر صفحاتها نشروا الرسائل، والنداءات، والمقالات الشارحة لمُعاناة الشعب اليماني الأصيل.

كانت تلك الصحيفة مدرسة في الصحافة الوطنية، أقضت على مدى عام وأربعة أشهر مضاجع الطغاة، وهدَّت كيانهم، وقامت بدور فعال على طريق الإعداد للثورة، وذلك من خلال الدعوة إلى الإصلاح، ونشر الوعي بين الشباب، وخلق توجه فكري ذي نزعة وطنية مُنجذبة – ولو عاطفيًا – نحو الهوية والخصوصية اليمنية، بموازاة النزعة السلالية المذهبية المُنغلقة على ذاتها، والمُتحكمة آنذاك بالقرار السياسي.

لم تأت تسمية تلك الصحيفة ب «صوت اليمن» من فراغ؛ بل اختيرت – كما أفاد الباحث أمين محمد علي البحر – بوعي بالغ، وإدراك عميق، ويُؤكد ذلك مقال القاضي الزبيري التعريفي، والذي نُشر في عددها الأول تحت عنوان «ها هي صوت اليمن»، وفيه تحدث عن الشعب اليمني العظيم، وارث الحضارة، وحفيد الأقيال، وسليل الملوك، وأرومة العرب الأولى.

وانتقل القاضي الزبيري بعد ذلك إلى الحاضر المُؤلم، وتساءل بحسرة كيف أصبح هذا الشعب الذي يُعد من أعرق الشعوب في الحضارة والسؤدد، أيام كانت الأقطار مجاهل غافلة، والأمم أطفالًا سادرة، كيف أصبح في عصر الثقافة والعلم والعمران طلمسًا مُشكلًا، ولغزًا غامضًا، مُوضحًا أنَّه – أي هذا الشعب – لن يبقى مُهمشًا خانعًا مهما تكالبت عليه الظروف، واستبد به طارئ يعمل على مُصادرة هويته.

واستدرك القاضي الزبيري أنَّ جو العالم الجديد ساعد الشعب اليمني على الحركة والتنفس والانطلاق، وأنَّ أرواح التبابعة والأقيال خفقت تنفخ الحياة في أشباح أحفادها، وأنَّ «صوت اليمن» الداوي انبعث من أعماق التاريخ يسوق اليمانيين إلى مجدهم سوقا، ويفرض عليهم أعباء الكفاح فرضا، ويضرب أسماعهم بهذه الأسواط الروحية الناطقة.

وجاء نشيد الأحرار المنشور في العدد 15 من ذات الصحيفة للشاعر إبراهيم الحضراني، ليعبر أكثر عن ذلك التوجه، وجاء في مطلعه:

إن يكن باد مجدنا
وهوى ركنه المشيدْ
وانقضى عز حمير
وخبا بأسها الشديدْ
قسمًا لن نكلّ أو
نرفع الصوت من جديدْ

وقال القاضي الزبيري في مقال افتتاحي آخر، نُشر في العدد 23 من ذات الصحيفة: «إنَّ قوة الاستعداد كامنة فيك أيها اليمني منذ آلاف السنين، منذ كانت اليمن مصدر الحضارة، وأم المدنية والرقي، إن دم أجدادك الأمجاد لا يزال يجري في عروقك حارًا مُتدفقًا، فلماذا لا تستخدمه في إنقاذ نفسك وأمتك من هوة العدم.. إنَّ وطنك يستنجد بك، فهل تلبي نداء ضميرك؟».

وهو ما عبر عنه أيضًا ذات قصيدة، حيث قال مُحفزًا ومُتسائلًا:

أين السعيدة أن فيها جنَّةٌ
خضرا، نماها الدهر وهو غلامُ؟
أين القصور الشم أين بناتها
الأقيال، أين ملوكها الأعلامُ؟

وعلى ذات الأسلوب الاستنهاضي توالت في ذات الصحيفة المُناشدات الداعية لبعث الروح اليمنية الغائرة في أعماق الماضي التليد، واستحضارها من جديد؛ ردًا على التغول الإمامي الطامس للهوية، والضارب بيد من حديد. وكتب المُؤرخ إسماعيل الأكوع سلسلة مقالات طويلة تحت عنوان «عش لحظة مع أجدادك»، غاص فيها بدقة في أعماق التاريخ، واستحضر النقاط المضيئة المُحفزة على الحرية والانعتاق، وعلق أحدهم ذات مقال افتتاحي: «بلادكم أيها اليمنيون عظيمة، فاحرصوا عليها، ولا تقدسوا من كان سببًا في شقائها».

القاضي الزبيري من جهته لم يكتفِ باستنهاض الهمم فقط؛ بل صَعَّدَ من خطاباته الموجهة، وكتب مقالًا فاضحًا لحكم الأئمة، واصفًا إياه بأنَّه حكمٌ مُطلق من كل القيود، حتى من قيود الاعتبارات الدكتاتورية نفسها، وأنَّ الإمام يعتقد أنَّ سلطته من السماء، وأنَّ اللهَ هو الذي اختاره ليحكم هذا الشعب، وألهمه أنْ يعمل، وأنْ لا يعمل، وأنَّ الله هو الذي جعل من تصرفاته شرائع تنسخ الشرائع، ودينًا ينسخ الأديان.

وأضاف: «حسب الواحد منهم – أي من الأئمة – أنْ يتربع على العرش، ثم يقول للناس إنَّ الله هو الذي ولاه، أنَّ الله هو الذي أمر الناس أنْ يطيعوه، وأنْ يخدموه، وأنْ يُقدسوه، وأنْ يموتوا في سبيل نُصرته، وأنَّ حكمه ليس مُستمدًا من الشعب، ولا من فضل الشعب؛ بل هو منحة من السماء، إنَّه ظل الله، ونائب الله وخليفته»، ولا ضير أنْ يتحول أبناءُ الشعب إلى مُجرمين، ولصوص، وقطاع طرق، تُباح دماؤهم، وأموالهم، وأعراضهم بمجرد أنْ يغضب الإمام أو يغضبوا عليه.

كما جعل القاضي الزبيري من الأدب والشعر، وعبر تلك الصحيفة وسيلة مُثلى لإيصال أفكاره، وقال عن ذلك: «كنت أحس إحساسًا أسطوريًا بأنني قادر بالأدب وحده على أن أقوض ألف عام من الفساد والظلم والطغيان»، وخاطب الإمام يحيى في إحدى قصائده قائلًا:

أيها الظالم الذي يتباهى
أنَّه ابنُ الوحي أو سبطُ طهَ
تشهد الناس يركعون حواليك
دهورًا ويخفضون الجباها
تتوخى بأن تكون شريك الله
فيهم أو أن تكون اللهَ
وإذا جئت للمصلى رأيناك
نِفاقا مُوحدًا أوّاها
إن تكن أنت مُؤمنًا بإله
فلماذا تكون أنت الإلهَ