ثورة سبتمبر المكانة والمستقبل

  

رمز كاتب قلم

د. لمياء الكندي تكتب حول ثورة سبتمبر في اليمن المكانة والمستقبل


يقترب العيد ال58 لثورة السادس والعشرين من سبتمبر الخالدة، مع احتدام الصراع السبتمبري الإمامي، وما حمله ذلك الصراع من تداعيات وضعت الشعب وكل الأحرار، في موضع الشرف المدافع عن كل القيم السبتمبرية والمبادئ الثورية والدستورية التي ضمنت حق الحياة الكريمة لنا كيمنيين، والدخول في مرحلة مهمة من مراحل التحرر والاستقلال.

وعلى الرغم من تجاوز الأحرار السبتمبريين في العقد الأول للثورة، مسألة تثبيت النظام الجمهوري وتحديد أهدافه ومبادئه ودستوره العام، وإنهاء المعركة العسكرية مع فلول ومدعي الإمامة، إلا أن السنوات التي أعقبت هذا الانتصار الثوري لم تكن خالية أيضا من التحديات الداخلية والخارجية التي ناصبت قادة الثورة وحماتها، ومبادئها وثقافتها وفكرها العداء.

لقد كان لتشرذم القوى الجمهورية، تحت راية الاستقطابات السياسية والإيديولوجيات الفكرية والدينية أكبر الأثر في إضعاف الصف الجمهوري، وإضعاف الدولة الحامية والممثلة له، وقد كان لبروز التنافس حول السلطة، وتعدد القوى المتنافسة عليها، وتوزعها بين قوى قبلية وعسكرية ومدنية وإمامية أيضا، دورها في تشتيت دور الدولة واضمحلال حضورها السبتمبري، في حشد كل طاقاتها لبناء سياج سياسي وعسكري وثقافي وتعليمي وتربوي واجتماعي حامٍ لأهداف الثورة، يتم من خلاله تحصين الأجيال المتعاقبة ضد كافة أشكال التجهيل والسطو الإمامية على الحقوق الطبيعية والطليعية التي ضمنتها لنا، ثورة السادس والعشرين من سبتمبر الخالدة.

إن التحول الذي رافق ظهور الدولة في فترة المصالحة الوطنية، التي أعقبت حصار السبعين، والذي اعتبر تحولا تاريخيا كان يفترض أن يعزز من المكانة والحالة الثورية الداخلية نحو العمل بروح ثورية عادلة في شمال الوطن، تتبنى كافة أهداف ومشاريع سبتمبر الخالدة، وتسعى إلى خلق فترة من البناء الجاد والتنمية الجادة لصالح الشعب، لكنها لم تؤدِ الى تجاوز كافة التشوهات والمؤامرات التي تعرضت لها الثورة منذ قيامها وحتى ذلك التاريخ، بل تكرست في تلك الفترة جملة من السياسات التي تحولت إلى نشوء قواعد سياسية ابتعدت عن مشروع الثورة وسهلت اختراق مخلفات الإمامة، كما عززت بطبيعتها الانقسام الداخلي وبالتالي تغلغلت الأيادي من خارج الدولة واستفحل أمرها حتى صارت تسهم في صناعة هوية ومهام الدولة، مغايرة لروح الأهداف السبتمبرية الستة.

وعلى عاتق الاختراقات الإمامية، نشأت تشوهات جانبية منها تعزيز مكانة الأشخاص والولاءات الحزبية على حساب المشاريع الوطنية الجامعة، واحتدمت المنافسة بين أطياف الصف الجمهوري بشكل جعل بأسهم بينهم شديد وأتاح للمافيا الكهنوتية المزيد من الإفساد والمزيد من التغلغل وشيئا فشيئا عملت هذه المافيا على طمس ثقافة الثورة وتهشيم كافة القيم الثورية التي ورثتها جمهوريتنا من ثوارها الأحرار.

وعلى الرغم بأن استعادة الوحدة بين شطري البلاد، كان من أهم الانجازات التي تحققت لليمن بعد عظمة ثورة سبتمبر وأكتوبر، إلا أن حالة مشابهة من الأخطاء والإغفال للمشاريع الثورية والتحديات التي واجهتها الدولة سابقا، واجهها المشروع الوحدوي ايضا، بل وأضيف الى ما سبق، الدخول في أتون تنافس حزبي أكبر من طاقة البلد حديثة التجربة بالتعددية العلنية، على أن التعددية ذاتها مثلت غطاء جديدا تنفست من خلاله مخلفات الإمامة.

كان لكل تلك التطورات والانحرافات، أثرها في إحداث هزات وتشققات في البيت الجمهوري، وعكف الجمهوريون على حساب عدد مقاعدهم وأصوات ناخبيهم في مجلس الشعب “مجلس النواب” ومدى حصد أي طرف منهم لأكبر عدد من أصوات الناخبين، بينما كانت الماكينة الإمامية تعمل في الخفاء وتنسج خيوط المؤامرة، في ظل غياب أي دور فكري ثقافي وتربوي سياسي واجتماعي ثوري ووحدوي موجه يرعى المصالح والمبادئ الثورية التي تعزز مناعة الأجيال ضد أية محاولة اختراق إمامية.

لقد توقف وعي القادة السياسيين عند مسالة السلطة والتنازع عليها. وفي ذلك الوقت كانت فلول الإمامة البغيضة، تواصل توسيع الشرخ بين القوى الوطنية وعسكرة بعض المناطق القبلية مستظلة بأهداف وعقيدة الثورة والوحدة ذاتها، فكانت التعددية الحزبية، رغم فشل الهاشمية السياسية بعد إقرارها في أوائل التسعينيات من حشد أي رقم نسبي يضعها في دائرة التنافس مع الأحزاب الأخرى، إلا أنها استثمرت حالة الضعف والشتات الجمهوري وسط النخب الحاكمة والمتنافسة، في تحشيد عصبياتها السياسية والمذهبية والمناطقية، والبحث عن مصادر دعمها وتقويتها، ليكتمل من خلالها إحكام الطوق على عنق جمهوريتنا، ومحاصرتها بعد أن تقوُت من لبن الجمهورية والدولة.

وعلى هذا المنوال العدمي المطّرد، أصبح للاماميين الجدد منابر وأصوات ورصاص يعلو فوق صوت الشعب والوطن والدولة، ومهد لتحشيد جميع قواهم فيما بعد للسطو على مؤسسات الدولة، وسط خطايا ارتكبها القادة المعنيون بالحفظ على العاصمة والدولة والجمهورية. وهاهو الشعب يقدم تضحيات كبيرة لاستعادة ما تم فقده بعد أن سقط القناع وانكشف المخطط وتكشفت خيوط اللعبة الكهنوتية القذرة.

والواجب اليوم على كل أحرار اليمن أن يقفوا صفا واحدا في الدفاع عن حصن الجمهورية الأمجد مأرب الشامخة، والانطلاق من ثم لتحرير بقية مدن الشمال. وهو ما يتطلب نبذ المصالح الضيقة والثارات البلهاء والانضواء تحت راية المبادئ التي رفرفت في وجداننا مجددا منذ أول رصاصة أطلق فيها هذا المشروع التدميري صوب أول يمني سقط شهيدا في مواجهتهم من 2004 وما قبلها، وحتى اليوم، ومشرق هو المستقبل الذي ينتظر اليمنيين بعد إزالة هذه العصابة الإمامية وتنظيف حياتنا من كل رواسبها العفنة.