للإصلاح في ذكراه الثلاثين

  

عادل الأحمدي

عادل الأحمدي في ذكرى تاسيس الإصلاح يكتب: للإصلاح في ذكراه الثلاثين


التجمع اليمني للإصلاح حزب جمهوري وطني فاعل ومتماسك، يجهله منافسوه في الساحة، ويجهلهم هو بالمقابل، نتيجة لتراكم عقود من التصورات الخاطئة عن الآخر، لم يُبذل إزاءها مجهودٌ كافٍ للتعمق والتصحيح.

من هنا نجد الاصلاح في هذه اللحظة اليمنية الفاصلة، يعجز الى حد ما، عن بناء تحالفات لازمة، ويلاقي صعوبة في تجاوز مراحل سابقة فيها بعض الجراحات التي تؤخر الموكب اليمني الذي يقف بشكل إجباري في صف واحد للدفاع عن الجمهورية واستعادة مؤسسات الدولة.

لدى الاصلاح قاعدة نوعية يُحسد عليها، كثمرة طبيعية لتركيز استقطاباته في العقدين الاخيرين داخل الجامعات، ولذا فهو يضم الآن لفيفاً مؤثراً من الشرائح الشابة الفاعلة في كافة مناحي التأثير، ولقد حاول الحزب دراسة نقاط ضعفه السابقة بشفافية فتجاوز بعضها وظل عالقاً في البعض الآخر، كما استجدت منعطفات لم يكن لديه سابق خبرة في التعامل مع نتائجها، وبالتالي خرج منها بنقاط ضعف جديدة.

أمام الإصلاح في ذكرى تأسيسه الثلاثين، ملفات مهمة ينبغي الحسم فيها حتي يتناغم مع المعركة الوطنية الحالية بشكل لا يتصادم مع متطلبات النصر ويتضارب مع جهود مكونات أخرى، ولا يتماهى معها بطبيعة الحال، ومن تلك الملفات من وجهة نظري ما يلي:

– المضي في الاستقلال النهائي عن التنظيم الدولي للإخوان، وذلك حتى لا تنهكه عداوات وثارات وحسابات ذلك التنظيم، ولا تستنزفه بعض المعارك الجانبية التي قد ينزلق اليها جزء من منتسبيه انسياقاً مع عاطفة، أو وقوعاً في مرمى قوى إقليمية ودولية لديها صراع مع الإخوان.

– من بين الملفات أيضا ملف 2011، الذي ينبغي أن يتحول لذكرى قابلة لشكل من أشكال المراجعة والنقد، وليس مادة للخلاف المتجدد مع قوى وطنية أخرى كانت تقف يومها على النقيض منه، وهي اليوم معه في ذات المترس ونفس الخندق أمام عدو يهدد وجود الإنسان اليمني وليس فقط الحياة السياسية والحزبية.

– الملف الثالث هو محاولة ضبط إيقاع الأداء الإعلامي لمنتسبي الحزب الذي يغرد العديد منهم في وديان مناقضة للتوجه الرسمي ما يشي أن هذا التناقض إما تعبير عن “تجنحات وانشقاقات” غير معلنة، أو أنه “تبادل أدوار” يصبح الإصلاح بموجبها على أكثر من وجه، وليس على أكثر من رأي، أو أنه انعكاس لفقدان السيطرة، وهو أمر مقدور على تداركه وتلافيه.

– الملف الرابع: مطلوب من الإصلاح أن يبذل جهداً مسلّحاً بالتواضع، لدراسة الظاهرة المجتمعية، وسبر أغوار التاريخ اليمني، ليكون نضاله السياسي مبنياً على تثمين أدوار من سبقوه ومن عاصروه، وليس بخسها أو التقليل من شأنها. وحين يحقق ذلك سيكون قوة سياسية وطنية تنافس على ريادة وقيادة العمل الوطني ككل.

– خامسا، لا بد من مراجعة أداء بعض فروع الإصلاح في بعض المحافظات وخاصة في محافظة تعز، إذ أن التعثر السياسي للإصلاح في تلك المحافظة الهامة يكلّف اليمن الكثير، ويعد أحد المضار الجانبية للتطبيق المفرط لقاعدة اللامركزية التنظيمية التي تفاخر بإنجازها الحزب في سنوات سابقة.

– سادسا: هناك صراع اقليمي عنيف بين عواصم شقيقة، وهذا الصراع ليس من مصلحة اليمن ولا من مصلحة أي من مكوناته، أياً كانت أسبابه أو نتائجه، بالتالي أرى أن يحرص الاصلاح على النأي بنفسه عن ذلك الصراع، وألا يسمح لبعض منتسبيه أن يكونوا بيادق بيد هذه العاصمة أو تلك، خصوصا في ظل هذا التناغم والتخادم الرهيب للخطر الإيراني الإسرائيلي على الأمة العربية والإسلامية.

سابعا: الإصلاح يُفترض أنه حزب وليس جمعية خيرية، ولا هو لوبي وظيفي ملزم باستيعاب أغلب كوادره في هياكل المؤسسات المتاحة في مرحلة تقتضي المشاركة بل والإيثار، لأن الشكاوى مما يمكن وصفه ب”المنحى الاستحواذي”، عديدة.

– ثامنا، وهو الأهم: على حزب الإصلاح أن يطيل الوقوف أمام استحقاقات المعركة الوطنية الراهنة وألا يستعجل حصد الثمار قبل تَبَرعُم عناقيد النصر، لأن من يدرك إدراكاً حقيقياً، حجم الخطر الوجودي الذي تمثله عودة فلول الإمامة، يصبح على استعداد كامل ليس فقط لتقديم التضحيات في ميادين الشرف والبطولة -والإصلاح يبذل الكثير في ذلك- بل أيضا لتقديم التنازلات للقوى الوطنية الأخرى التي تقع في نفس الخندق الجمهوري، أيّاً كانت حزازات التزاحم الحزبي في المرحلة التنافسية السوية.

وإضافة لما سبق، لدي قناعة أرجو أن تتقبلوها بصدر رحب: لم يكن الإصلاح على قدر تبعات المجازفة التي شارك بثقلها الأكبر في ٢٠١١، ولم يكن لديه، وهذا أيضاً حال غيره من الأحزاب، قرون استشعار للمخاطر النائمة والمترصدة والمحتملة، وها هو اليوم يدفع الثمن ولكن من دون شجاعة الاعتراف بهذه الحقيقة إلا تلميحاً أو بتصريحات فردية يتيمة، وأعتقد أن عوائق عديدة ستنزاح من طريقه حين يمتلك تلك الشجاعة.

لقد تخلّص الإصلاح من أخطاء الخطاب الديني، ولكنه لم يتسلّح في تقديري إلى الآن بشكل كاف، بتقنيات الخطاب السياسي والوطني على الوجه الذي يحقق له الريادة، ويجعل مكاسبه الحزبية موازية لبذله في الميدان، والبذل برهان كبير ولا ريب، إنما قد يبعثره الاستخدام الخاطئ للكلمة.

وأيضاً، لقد تخلص الإصلاح من الكثير من القيود التقليدية التي كانت تعيق اندماجه بالأمس، بوجدان وتراث المجتمع، لكنه حسب ظني لايزال أسيراً لبعض مظاهر ما يطلق عليه “احتكار الطهر الثوري”، والتخلص من ذلك الأسر، شرط لازم لاستكمال الانتقال من مرحلة الجماعة النورانية الى مرحلة الحزب.

أخيراً؛ يتوقف على الأداء الراشد للإصلاح في الخمس السنوات القادمة، مستقبل هذا الحزب الكبير سلباً أو إيجابا، وأظن أن أولى دلائل الاقتدار في المرحلة المقبلة، هو أن يتقبّل الإصلاح نقد الآخرين، والكف عن شن الحملات على الأقلام التي تنتقد الحزب أو حتى التي كرّست لمهاجمته، أما النقد البنّاء فمن الحكمة أخذه على محمل حسن المقصد، ومحاولة الاستفادة منه. وأزعم أن مقالي هذا يندرج ضمن النوع البنّاء من النقد.

أبارك للإصلاحيين صمودهم 30 عاما في وجه العواصف، وأدعوهم ألا يعتبروا ذلك إنجازاً كبيراً لأنه وبرغم كونه كذلك، إلا أن التحديات الهائلة والوضع الصعب الذي تعيشه البلاد، يجعل من أي احتفاء حزبي أمراً فاقداً للوهج، ومؤجَّلاً نوعاً ما، إلى حين يكون الوطن بأكلمه مهيّئاً للاحتفاء والابتهاج، وذلك بعد دفن المحاولة الإمامية الأخيرة، وتشييعها لمزبلة التاريخ.