محمد محمود الزبيري (2-2): قوة الصدق تسقط دسائس الكهنوت

  

بلال الطيب

بلال الطيب يكتب حول محمد محمود الزبيري (2-2): قوة الصدق تسقط دسائس الكهنوت


لا أحد كالشهيد محمد محمود الزبيري ناهض الإمامة، وكشف مَثالبها، وتنبأ بمآلاتها الكارثية، قائلاً بأنَّ معارك المستقبل وأحداثه، ستدور حول هذه الكارثة المُسماة الإمامة، وأنَّ مشاكل كثيرة ستنبعث منها، وستستغلها القوى الدولية، وأنَّ اليمنَ ستتعرض بسببها لأخطار لا نهاية لها.

 

كان القاضي الزبيري – كما أفاد الدكتور عبدالعزيز المقالح – شاعرًا يستوعب التحول الموضوعي للواقع، ويبشر بالثورة الكاملة، وذلك على الرغم من نشأته الصوفية الدينية، وعلى الرغم كذلك من مُحاولاته الدائبة على أن لا يتجاوز المألوف – مُسايرة منه لعقلية الغالبية العظمى من أبناء شعبه، حتى ينفذ إلى أعماقهم، ويكشف مواطن الداء فيها قبل أن ينفروا من دعوته لتحرر الوطن من الطغيان، وحتى لا يستجيبوا لدعاة التخلف الذين يرون في كل اتجاه نحو العدل الاجتماعي خروجًا عن الدين، ومُروقًا على مبادئه الأساسية.

 

«عليك أن تقي أسرتك والشعب من خطر الانفجار الذي لا يُؤخره غير انتظار فترة قصيرة من الزمن، تظل فيها منجحرًا في قمقم التاريخ الهاشمي المُظلم»، هكذا خاطب سيف الحق إبراهيم والده الإمام يحيى ذات مقال في صحيفة «صوت اليمن»، ويُعتقد أن تلك البشارة الثورية كتبها القاضي الزبيري على لسان ذلك الأمير الثائر.

 

وبالفعل حصل الانفجار، وحسم الثوار أمرهم بثورة دستورية 18فبراير 1948م، إلا أنَّ ولي العهد أحمد نجح في إخمادها، وقد بدأ الطاغية أحمد حُكمه بسلسلة من المجازر البشرية الرهيبة، وكانت النتيجة آلافا من القتلى، وأتم جرائمه بأنْ ساق 37 من الأحرار المُخلصين إلى ساحات الإعدام، ودس السم لشقيقه إبراهيم، وزج بعشرات الأحرار في سجن نافع – حجة، كان الأستاذ النعمان أحدهم. أما القاضي الزبيري فقد طرده الإنجليز من عدن، وآثر الاستقرار في الباكستان، بعد أنْ رفضت عدد من الدول العربية استقباله.

 

وتحدث القاضي الزبيري عن أوجاع غُربته تلك قائلًا: «وما كادت تقوم حركة عام 1948م وتنتكس، حتى اُصبت بإغماءة، قطعت الصلة بيني وبين وطني وتاريخي، وخرجت إلى أهل الأرض، فكنت أجزع حين لا أرى وطني في مسرح الزحف التاريخي للبشر، ولا أرى الناس يعرفونه، ولا يشهدون له وجودًا إلا اسمه الأسطوري الذي تناقلته كتبهم، وأقاصيص أسلافهم؛ ومن ثَمَّ أنكروا أنَّ له وجودًا حقيقيًا؛ ولذلك كابدت المرارة الرهيبة، ودخلت في نقاش مع الناس كأنني مجنون بين عقلاء، أو عاقل بين المجانين».

 

مع مُنتصف العام 1955م احتضنت القاهرة القاضي الزبيري، ثم الأستاذ النعمان، ليتحول «الاتحاد اليمني» – كيان الأحرار الدستوريين الثالث، وبعد سبع سنوات من تأسيسه – من إطار جامد إلى جهاز عامل صحفيًا، وإذاعيًا، وسياسيًا، وطلابيًا، وذلك بعد ستة أيام فقط من وصول الأستاذ النعمان عاودت صحيفة «صوت اليمن» الصدور، وفتحت إذاعة «صوت العرب» أبوابها للزعيمين المُلهمين، وبدأت الدعوات لقيام نظام جمهوري عادل، وطي صفحة الحكم الإمامي وإلى الأبد.

 

سحبت السلطات المصرية في العام التالي تصريح صحيفة «صوت اليمن»، وأغلقت إذاعة «صوت العرب» أبوابها في وجه الأحرار؛ بفعل التقارب الذي حدث حينها بين الزعيم جمال عبدالناصر، والإمام أحمد إبريل 1956م؛ لترتفع بذلك وتيرة الخلافات البينية، والتهكم على الزبيري والنعمان، وقد نشط جواسيس الإمام في صب الزيت على النار.

 

أصدر محسن العيني كتاب «معارك ومؤامرات ضد اليمن»، دافع فيه عن الزعيمين، وقال فيه: «لولا هذان الاسمان ما عرفنا الوطن والوطنية»، وأضاف: «نعمان والزبيري آباء القضية اليمنية وصانعاها.. لقد عملا ونحن جميعًا نيام، عملا وأشعلا الدنيا لهيبًا، ولم نكن قد وجدنا.. إنَّه لصعب عسير على المرء أنْ يتحدث، وأنْ يدافع عنهما عند الطبقة الواعية المهذبة المثقفة المتعلمة الجامعية.. اذكروا أنَّ الدفاع عن نعمان والزبيري في هذه الظروف دفاع عن صميم القضية اليمنية المقدسة المفداة.. إنَّ نعمان والزبيري هما الممثلان الحقيقيان للشعب، هما زعيما حركته النقية الصافية الخالصة».

 

كما سارع القاضي الزبيري بإصدار كتاب «نعمان الصانع الأول لقضية الأحرار»، تحدث فيه عن حقيقة الإخاء الثابتة بينهما، وأنَّها ليست قائمة على العاطفة أو المنفعة، بدليل صمودها وسط الأعاصير، والأهوال، والدماء، وأضاف: «فلتسترح الإشاعات، ولتهدأ، ولتنصرف إلى ضروب أخرى من ألوان الدس والكيد، قد تكون أجدى عليها من النفخ في الهواء، ومن الضرب في حديدٍ بارد».

 

وفي شوارع القاهرة المُزدحمة، شوهد الرجلان وهما يعيشان مع الشعب، يأكلان الفول والطعمية؛ ويستقلان الأوتوبيس، وحين مرَّ من جانبهما صديقهم القديم أحمد محمد الشامي، سفير الإمام أحمد، أنزل زجاج سيارته الفارهة، وخاطبهم بلكنة دارجة ساخرة: «عيشوا مع الشعب يا أبطال»!

 

لم يستسلم الثائران العظيمان لليأس والاحباط، فقد توجه الأستاذ النعمان مع نهاية العام 1959م من القاهرة إلى عدد من دول المهجر بغرض التعرف على أحوال المهاجرين فيها، وجمع تبرعات لإنشاء كلية بلقيس في مدينة عدن، كصرح تعليمي يلم شتاتهم، ويربط أولادهم بوطنهم الأم، وهو ما كان.

 

فيما نشط رفيق دربه القاضي الزبيري في فضح وتعرية نظام الحكم الإمامي، وتفرغ لتأليف عدد من الكتب، والكتيبات، وكان كتابه «الإمامة وخطرها على وحدة اليمن» أشهرها على الإطلاق، خلص فيه أنَّ الإمامة مُشكلة اليمن الكبرى، وعرَّفها: بأنَّها فكرة مذهبية طائفية يعتنقها من القديم شطر من الشعب، وهم الزّيدِيّة – أي الهادوية – سكان اليمن الأعلى، وأنَّ باقي اليمنيين لا يدينون بها، ولا يرون لها حقا في السيطرة عليهم، مُشيرًا إلى أنَّ التَحكم الإمامي خلق شعورًا مريرًا لدى الغالبية، وأبقى الانقسام ظلًا قاتمًا رهيبا يخيم على البلاد.

 

وتنبأ في ذات الكتاب بأنَّ مَعارك المستقبل وأحداثه ستدور حول هذه الكارثة المُسماة الإمامة، وأنَّ مشاكل كثيرة ستنبعث منها، وستستغلها القوى العربية والدولية شئنا ذلك أم أبينا، وأنَّ اليمن ستتعرض بسببها لأخطارٍ لا نهاية لها، وللخروج من هذه المُعضلة، وهذه اللعنة الأزلية قال ناصحًا: «فإذا أراد اليمنيون أنْ يجنبوا بلادهم كل هذه الاحتمالاتِ الرهيبة، ويحتفظوا باستقلاليتها، وسيادتها، ووحدتها، وبقاء اسمها على الخريطة، فليشطبُوا على هذه الخرافة، التي تُعطي لنفسها حقًا مُقدسًا في الحكم لفئةٍ معينة من الناس، وليُتيحوا لكافة فئات الشعب فُرصًا مُتساوية في الحكم، ذلك هو الحق الواضح المستقيم، لا نذكره تعصبًا لفريق من اليمنيين دون فريق، وإنَّما نذكره حرصًا على وحدة الشعب بأسره، وعلى حريته واستقلاله».

 

كما دافع في ذات الكتاب عن أقرانه من الثوار الأوائل قائلًا: «إنَّ من الخطأ الكبير، والمنطق المقلوب، أن يُظن بالذين يُنادون بالحكم الشعبي أنَّهم يُثيرون عصبية عنصرية – فالواقع أنَّهم على العكس من ذلك، يُنادون بوحدة الشعب، الوحدة الصحيحة السليمة التي تستند إلى ضمانات بقائها في المستقبل دون عواصف».

 

وأضاف: «إنَّ الذين يؤمنون بالعنصرية هم الذين يُدافعون عن الفوارق والامتيازات التي تفصل بينهم وبين سائر فئات الشعب وطبقاته، ويصرون على أنْ يتميزوا على الشعب وينفردوا عنه بحقوق سياسية واجتماعية كأنَّهم لا يقبلون أنْ يكونوا في عداد أبنائه، ولا في مُستوى إنساني كمستوى إنسانيته»، مُعتبرًا تلك النزعة العُنصرية أخطر شيء على الهاشميين أنفسهم، وعلى مُستقبلهم.

 

قامت ثورة 26 سبتمبر 1962م، وتصدر الضباط الأحرار المدعومون من مصر العروبة – مصر الزعيم جمال عبدالناصر المشهد، وتحقق على يد هؤلاء الأبطال وعد القائد العراقي الرئيس الشهيد جمال جميل الذي قال قبل 14 عامًا في وجه قاتليه: «حَبّلناها وستلد». وكانت تلك الثورة بحق أعظم إنجاز في تاريخ اليمن القديم والحديث والمعاصر، ولولاها ما كان لمسار حياتنا المُتحجر المُنغلق أنْ يتغير نحو التحرر والتحول والانطلاق.

 

وفي حكومة الثورة الأولى عُين القاضي الزبيري وزيرًا للمعارف، ومن مقر إقامته في القاهرة رفض ذلك المنصب، ورفض أيضًا العودة إلى الداخل؛ لسببين رئيسيين هما: أنَّ اسم رفيق دربه الأستاذ النعمان لم يكن ضمن أعضاء تلك الحكومة، ولم يكن أيضًا ضمن قائمة اليمنيين المسموح لهم بالعودة، إلا أنَّ الأخير تدخل وأقنعه بالعدول عن قراره؛ لأنَّ وجوده في الدخل، وفي ظل ذلك الظرف الصعب أمرٌ في غاية الأهمية.

 

وهكذا عاد القاضي الزبيري إلى الوطن، عاد ليعيش فرحة ذلك الإنجاز العظيم، ويجني ثمرة نضاله الكبير، ويستنهض الذاتية اليمنية، ويُقدم نصائحه الصادقة للثوار المُتحمسين. كما عمل على تقريب وجهات نظر القوى الجمهورية المُتصارعة، كمرجعية صادقة، وأب للجميع، وحاول جاهدًا ومعه عدد كبير من الأحرار المُخلصين، أنْ يقودوا سفينة الجمهورية الوليدة إلى بر الأمان.

 

النظرة الإيجابية تجاه القبيلة

 

خمسة وعشرون عامًا وأكثر، قضاها القاضي الزبيري مُتنقلًا من منفى إلى آخر؛ جَعلته لا يرى في القبيلة إلا إيجابياتها، عدَّها جيش الثورة المُنقذ، ولأجل تسليحها أختلف مع الرئيس عبدالله السلال، والمصريين، ليسقط في النهاية شهيدًا في 1 إبريل 1965م، عبر قاتلين مأجورين من فلول الإمامة. وبجانبه رفيق دربه الأستاذ النعمان، وقد رثاه الأخير بعد عامين من سجنه في القاهرة قائلًا:

 

عامان مُذ غيل الرفيق أمامي

شُلت يد الجاني الأثيم الرامي

ما دار في خلدي ولا في خاطري

أني أراه جثمانه قُدامي

ومُضرجًا فوق الثرى بدمائه

في منظرٍ أدمى فُؤادي الدامي

ذكراه لا تنفك بين جوارحي

تحيا معي في يقظتي ومنامي

 

كان الشهيد محمد محمود الزبيري بشهادة الأستاذ النُعمان نفسه أطهر مخلوق عرفته الأرض، لديه روح نقية، وقلب كبير قال إنَّه سيهبه لوطنه؛ فكان له ما أراد، أليس هو القائل:

 

بَحَثتُ عن هِبَةٍ أَحبُوكَ يا وطني

فلم أجد لك إلا قلبيَ الدامي