أوراق اعتماد للثورة القادمة

  

رمز كاتب قلم

عمار بن سيف القعطبي يكتب: أوراق اعتماد للثورة القادمة


ليست سوى نقطة لا أكثر، ولتُسموها أنتم بما يطيب لكم، نقطة انطلاق أو نقطة ارتكاز أو سمّوها نقطة تحولٍ إن شئتم.

بالنسبةِ لي لا يُهمني من أمر النقطة مُسمياتها بقدر ما يُعنيني أن نقف عليها نحن، أن نقف عليها كيمنيّين أولاً وثانياً، كيمنيّين ندرك تماماً معنى أن نكون يمنيين، ونعي جيداً أن مجرد كوننا يمنيين هو أمر يحتم علينا الإلمام التام بكل جزئية من جزيئات المعنى، والإحاطة الكاملة بدقائقه وتفاصيله بحيث لا يبقى انتساب الواحد منا إلى اليمن مجرد ياء نسب يضاف إليها كلما سُئل اليمني من أنت.

فالبطاقة الشخصية، في هذا المنعطف المفصلي الذي نمر به، لم تعد كافية لإثبات يمنيتنا ولا حتى جواز السفر. كما أن أجسادنا النحيلة وقاماتنا القصيرة ونبرات أصواتنا المتهدجة وما تبوح به أعيننا من الحزن العميق وما تظهره قسمات وجوهنا الشاحبة من البؤس (مع أن ما ذكرت لم تكن في الحقيقة إلا عوارض طبيعية لمرض عضال تعايشنا معه مجبرين فأصبح علامتنا الاجتماعية التي تميزنا عن غيرنا).. كل ذلك لم يعد كافياً في أي حال من الأحوال لإثباتِ يمنيتنا بالمعنى الحقيقي.

وصحيح أننا ربما بقينا ردحاً من الزمن نعتمد على ما ذكرت في إثبات يمنيتنا، لكننا اليوم مضطرون لإثبات يمنيتنا بالأسلوب الصحيح وبالطريقة التي تتجاوز السطح إلى عمق أعماق المعنى انطلاقاً من هذه النقطة.

عندئذ يمكننا القول بأننا أصبحنا مهيئين تماماً للشروع في خوض أكثر المراحل النضالية اليمنية أهمية في مشوارنا الطويل، مشوار عودتنا الكاملة إلى ذاتنا اليمنية وعودة ذاتنا إلينا اعتماداً على وعينا الكامل غير المنقوص بحقيقة مشكلتنا المزمنة التي أودت بنا إلى شقاء الحياة ومطاوي البؤس الدائم، فما هي مُشكلتنا الحقيقية!

ما من شكٍ في أن كل ما تحت السماء يدرك، كما ندرك نحن، بأننا نعيش أسوأ حالاتنا الصحية على الإطلاق، ولكننا وحدنا مطالبون بمزيد من الإدراك، فكوننا نعرف أننا مصابون بالمرض أمر مهم لن يحد من استشراء المرض في جسدنا المتعب، ولابد أن نسعى لمعرفة أسباب ذلك المرض ونوعية الميكروب المسبب له، وكيف أُصبنا به حتى ننجح في إيجاد العلاج المناسب للقضاء عليه واستعادة عافيتنا بالتخلص النهائي منه، وقبل كل ذلك لابد لنا من معرفة شاملة بحقيقة جسدنا المصاب، تاريخه الصحي، جيناته الوراثية، مناعته الذاتية والمكتسبة، ومدى استجابته ورفضه لعقار ما، ومن ثم يمكننا البدء في إجراء المعالجة السريرية بعناية وفي غرفة عناية فائقة السرية والتنظيم.

المرض عدوٌّ لدود والوقاية منه خير من استهلاك الطاقة والجهد والوقت في معالجته، وبما أننا قد فوَّتنا فرصة الوقاية وأُصبنا بالفعل، فلم يعد لنا من خيار للعيش بسلام سوى المُضيُّ قدما في مواجهته كحقيقة واقعة استناداً، كما اسلفت، على معرفة شاملة بطبيعته وإحاطة تامة بحيثياته، على أن تكون معرفتنا، أيضاً، بحقيقة جسدنا شاملة وتامة بحيث لا يبقى جهلنا عائقاً يصدنا عن بلوغ الغاية ويفضي بنا إلى انتكاسة مرضية تكون أشد فتكاً بنا، وما أكثر انتكاساتنا تلك.

***

إن عدم معرفتنا بطبيعة المرض المستفحل في خلايا جسدنا الهزيل منذ أكثر من ألف عام، كان ولايزال أحد أهم الأسباب في فشل تجاربنا العلاجية المتعاقبة، منذ قيس بن مكشوح المرادي مرورا بنشوان بن سعيد الحميري وحتى علي عبدالمغني ورفاقه.

وبما أن الأخطاء واردة في كل عمل نضالي أو علاجي، وأن لكل خطأ ما يبرره، فليس علينا الآن أن نشغل أنفسنا بالخوض في مناقشة تفاصيل التجارب العلاجية السابقة بين خطأٍ نبحث له عن مبرر وصوابٍ نتوقف عند نقطة الإشادة والتغني به، بل يجب علينا أن نمر عليها مرور المتفحصِ الدارسِ، ليس للتغني أو التحسر، بل للاستفادة القصوى باستلهام الدروس المهمة فيها ليتسنى لنا السير في مسالك صوابها وتجنب مسالك الخطأ فيها.

فعلى سبيل المثال”يتبين لنا” ونحن نستعرض ملفات تجاربنا العلاجية السابقة بحثاً عن مواضع الخلل فيها، يتبين لنا أن أسلافنا جميعهم شرعوا في خوض معاركهم ضد ذلك الداء دون وعي شامل بطبيعته، متجاهلين حقيقة أن العتاد الفكري (المعرفي) لا يقل أهمية عن العتاد العسكري (العقار الدوائي)، وأن العقار قد يصبح سماً زعافاً ما لم يقع اختياره وفق معلوماتٍ دقيقة بطبيعة البكتيريا المستدهفة ومعرفة أدق بمقادير الجرعة الفعالة وبميكانيكية عملها فيَ الخلاياء المصابة.

لقد كان همهم القضاء على المرض، لكن ذلك لم يكن بالأمر اليسير عليهم، إذ ليس باستطاعة الطبيب أن يعطي دواءً شافياً لمرض لم يتسنَّ له تشخيصه تشخيصاً دقيقاً، لذلك اكتفوا بصرف جرعات الدواء المسكنة للأم، وحددوا الجرعة بـ(قرص عند الحاجة) فكان أن اختفت الأعراض المرضية بينما ظل المرض يتسلل بصمت إلى كل خلية من خلايا الجسد.

وهم كلما انتهى مفعول القرص المسكن في الجسم ألحقوه بقرصٍ آخر.

ونحن هُنا لا نقلل من عظيم بذلهم ولا نسعى لذلك، فما بذلوه أعظم من أن يُجحد، والأخطاء، كما قلناـ واردة ولها مبرراتها، لكن الخطأ الذي يستحال أن نجد له مبرراته، هو ذلك الخطأ الذي سنقترفه نحن في حال أننا لم نستفد من تجارب أسلافنا السابقة، للخروج بالنتيجة المأمولة كاملة.

هذا هو الخطأ الذي لايمكن أن يغفره لنا التاريخ وإن استغفرناهُ سبعين مرةً فلن يُغفر لنا.

وإذا كان أسلافنا قد أخطأوا في فهم طبيعة العدوى، فجدير بنا اليوم أن لا نكرر ذات الخطأ، جدير بنا أن ندرك أولاً أن هذا الشعب المنهك بالمرض، المُغَرَّبُ في وطنه وعَنه، المشتتُ في بقاع الأرض، هذا الشعب الذي نمثل كيانه نحن، جدير بنا أن ندرك بأنه لم يُخلق مشرداً، ولم يولد مشوهاً خلقياً، بل خُلق بكامل صحته البدنية والنفسية والعقلية، جدير بنا أن نكون على وعي تام بأنه خُلق مجيداً عتيداً جباراً، وعاش متميزاً لآلاف السنين، حضارات شاهقة، ومناراتٍ سامقةٍ، وعزاً لا يضاهيه عز.

ملكُ عظيم وبأس شديد يأتي بأعناق جبابرة الأرض متى شاء، ولا يستهلك بذلك مثقال ذرةٍ من طاقة.
يشهد له بذلك سور الصين العظيم وقصور فارس ومنارات بابل ومعابد شمقيق وسمرقند.

سلطان لا يقهر وحضارات لا تُجارى، وعزم لا يلين. يُعذِّبُ إن شاء أو يتخذ حُسناً إن أراد.

شعب قوامه مهندس بارع، وصانع محترف وشاعر فحل وفنان مبدع وفارس مغوار.. وفوق كل ذلك مليكة حازمة أو تبّعٌ محنك.

هذه حقائق ينبغي لها أن تكون راسخة أذهاننا قبل كل شيء، كونها تمثل العناوين الرئيسة لماضٍ كُنا أسياده مجداً وعزة.

تلك هي العناوين التي يتوجب علينا الاهتمام باستقراء جوانبها بدقةٍ لنعرف من نحن وأين يليق بنا أن نكون. ولنعطي لنفوسنا حقها في الشعور الصادق بالانتماء الذي بدونه لا يمكننا الاستمرار في نضالنا حتى بلوغ النصر، فالنصر ابن الهوية الوطنية والهوية ابنة الانتماء والانتماء ابن التاريخ، وبدون ذلك كله لن يكون بوسعنا بلوغ النصر الكامل، وإن بلغناه نحن فلن يرثه أجيالانا عنا إلا نصراً منقوصاً تماماً كما أُورثناهُ نحن عن أسلافنا نصراً هشاً لم يلبث أن تحول إلى هزيمةٍ قاصمة.

وإذا كان العدو قد تمكن منا، فإن ذلك لم يكن لضعف بأسنا أو ركاكة ساسنا، بل لأن العدو قرأنا قراءةً دقيقة، وعرفنا أكثر من معرفتنا إنفسنا.

عرف أننا أكفاء حرب ورجال سلاح، فتجنب خطأ مواجهتنا بالقوة، وعرف أننا أصلب من أن يُكسر حاجزنا، فلم يفكر في مناطحتنا، عرف أن كل من جاءنا عبر التاريخ غازياً من أباطرة الحرب وملوك القوة عاد خائباً منكسراً يجر خلفه أذناب الهزيمة، وبمقابل كل ذلك عرف أيضاً أننا قوم مترفون بالعاطفة الدينية ميالون إلى كل ما يتعلق بالله وما يأتي منه، شديدو القابلية للارتباط بالسماء، وفكّر كثيراً وقدّر فكان أن ارتدى عمامة الدين وأطلق لحيته ليظهر بهيئة الزاهد الناسِكِ الداعي إلى الله!

خلع رداء أبي لهب وارتدى عباءة علي، وأقبل علينا باسم رسول الله، فخرجنا مرحبين فكان له منا ما أراد، ونال منا بذلك ما عجزت عن نيله أعتى امبراطوريات الأرض.

ولقد كان مجيء الغازي الرسي لعنة الظلام الأبدية التي حلت بنا كأطول غزو على وجه الأرض خلّف أبشع كارثة حلت بشعب.

فهل صار بوسعنا أن نفهم هذه الحقيقة كما هي لا كما أُريد لنا أن نفهمها، هل أصبحنا بعد ألف عام من البؤس مستعدين لإعادة قراءة التاريخ كخطوة أولى نحو الانعتاق.. أم أننا سنظل على اعتقادنا الخاطئ بأن بؤسنا المديد ما هو إلا قدر الله علينا، ولابد لنا من الصبر والتحمل وإن ضاق بنا الصبر على الألم تناولنا جرعتنا المعتادة من المسكنات الوقتية!!

وإلى متى سنظل جبناء عن مواجهة الحقيقة باعتبار أن سبب ما نحن فيه من البؤس والشقاء هو نفسه الذي خُدع الكثيرون منا بمن ادعى بأنه خير من يقربهم إلى الله زلفا!

وحتى القليل ممن لم يُخدعوا وقرروا مواجهته تعاملوا معه كجزء منا، يقترف آثاما ومذابح، لا كأبشع غازٍ شرب من دمائنا طوال قرون أكثر مما شربت الأرض من الماء بعد طوفان نوح.

لقد تعاملوا معه دون وعي شامل به وبطبيعته فلم يفلحوا في انتزاع النصر الذي يجب أن يكون، فكان لكل نصرٍ بلغوه انتكاسة.

لقد جهلوا أن تضميد الجرح دون تطهيره وتعقيمه من شأنه أن يزيد مساحة الجرح ويعمقه، فيصعب السيطرة عليه وإيقاف توسعه إلا ببتر العضو المصاب، هذه هي النتائج الحتمية للمعالجة دون وعي مسبق و معرفة كاملة وشاملة.

لهذا نقول مراراً وتكراراً بأهمية العودة لقراءة كل ما يتعلق بتاريخنا وبتاريخ العدو أيضاً، وطالما أننا ننشد الحياة بمعناها الحقيقي، وطالما أننا نسعى إلى الانعتاق، لابد لنا أولاً من انعتاق فكري.

لابد لنا أن نكون على قدر من المعرفة بحيث ننظر للمرض بعين الحقيقة باعتبار أنه ليس مرضاً خُلقياً ولا اضطراباً هرمونياً نشأ من أصل جسدنا، بل كان نتاج لعدوى خارجية اخترقتهُ بطريقة ما، وتمكنت من إنهاك خلاياه المناعية بطريقة محسوبة بدقة، ولأننا تجاهلنا ذلك فقد فشلنا في استعادة عافية جسدنا فشلاً تلو آخر وسيظل الفشل يرافقنا جيلاً بعد جيل طالما تمسكنا بجهلنا للحقائق.

أما الآن فلم يعد لدينا متسع من الوقت لنكرر الأخطاء ذاتها، إذ هي فرصة واحدة وأخيرة على ما يبدو، فإما أن نقضي على الداء أو يقضي علينا، وما من خيار آخر. فهل يا ترى لدينا من الثقة بقدراتنا ما يجعلنا نتخذ القرار بإنجاز نصرٍ نهائي دائم.

***

إذن فالبداية من حيث نشير، لا من حيث كانت بدايات أسلافنا، بداية خطواتنا نحو النصر يجب أن تكون مدفوعة بفهم عميق ناتج عن قراءة مستفيضة للحقائق التاريخية، الخاصة بنا نحن، والعودة إلى قراءة التاريخ اليمني كفيلة بتزويدنا بالإجابات الصائبة لكل الأسئلة التي قد تعترضنا في مشوارنا النضالي بحيث لا يصعب علينا تجاوز المعوقات فلا نجد انفسنا تائهين في منتصف الطريق فنكتشف أن كل حساباتنا كانت خاطئة.

وما من شكِ في أن العودة إلى قراءة التاريخ من مصادره الأصيلة، تمثل النقطة المحورية في الطريق نحو استعادة هويتنا الوطنية التي جُردنا منها تماما حين أدرنا ظهورنا للتاريخ اليمني واتجهنا بعيداً.

ولا ينبغي أبداً أن نكتفي بمعرفة ذاتنا اليمنية فقط، فتكون معرفتنا منقوصة تفضي إلى نصر معاق. بل يجب أن تكون معرفتنا بذاتنا موازية لمعرفتنا بذات العدو وبطبيعتهِ نشأةً وتطوراً. وبما أن المشاكل في حقيقتها عبارة عن أسئلة لم تطرح بعد، فإن الشرط الأساسي للوصول للحلول الشافية هو فهم تلك الأسئلة ومن ثم طرحها ومناقشتها مناقشة واعية.

وفي اعتقادي أننا حتى اليوم لم يكن لنا أن واجهنا مشكلتنا بهذه الطريقة. لم نطرح على أنفسنا سؤالاً واحداً ولم نسع يوماً إلى حلٍ يعتمد بالأساس على الفهم والمعرفة بل كانت محاولاتنا مجرد مغامرات لا أكثر أخذت منا الكثير ولم نُعط منها إلا الريش.

جملة من الأسئلة ظلت طي النسيان كان طرحها كفيل بتوجيهنا إلى المسار الصحيح ولم تُطرح.

جملة من الحقائق ظلت محجوبة عنا خلف جدران الجهل كان بإمكاننا في حالة الوصول إليها أن نُعَمِّد نصراً سرمدياً لا ينتهي، ولكننا لم نفكر في السعي لكشفها، كانت نوايانا طاهرة، وكان الخطأ الذي اقترفناه أن سلمنا عقولنا لغزاة ماكرٍين استغلوا عاطفتنا الروحية موهمين إيانا بأنهم أبناء الله وأحباؤه وأحفاد رسوله الأمين فصدقناهُم وآمن بعضنا بزيف دعواهم.

تظاهروا لنا بالزهد بالدنيا والرغبة بالجنة في الدار الآخرة فوهبناهُم في الدنيا داراً وجنتين عن يمين وشمال.

افتروا علينا باسم الله وأوهمونا بأن قدسيتهم من قدسية الله فأقمنا لهم مراسيم الإجلالِ والتقديس عن طيب خاطر.

قالوا لنا بأن الله خلقهم من سمن ولبن وخلقنا من ماء وطين فقلنا بأن تكريمهم من تكريم الله فكرمناهُم ليرضى الله!!

رمينا عقولنا وألقينا إرثنا الإنساني والثقافي وراء ظهورنا وسخرنا أنفسنا للذود عن مصالحهم وتنفيذ أحكامهم العقابية على كل جماعة منا تحاول التشكيك في صدق دعاويهم أو حتى تصرح بالاعتداد بهويتها الوطنية وتاريخها العريق.

بهذه الطريقة استطاعوا الولوج إلى عمق أعماقنا بيسر منقطع النظير، لكن ذلك لم يكن نهاية الأمر، بالنسبة لهم، لقد عرفوا أنهم إن تمكنوا من أغواء جيل منا فلابد أن يأتي جيل في يوم ما وينقض بنيانهم على رؤوسهم، فكان أن حسبوا حساباتهم الدقيقة لكل أمر يمكن أن يكون سبباً في الوقوف أمام مشروعهم الاستعماري.

لقد فكروا ملياً في طريقة تمنع ظهور ذلك الجيل، وكان أن وجدوا أن أفضل ما يحقق لهم ذلك هو أن يزرعوا الفرقة بيننا، ولم يكن من سبيل لهم إلى ذلك إلا بأن استخدموا الدين أيضاً، وقد نجحوا من خلاله في الوصول إلى كل مراميهم وأهدافهم، ولقد عرفوا جيداً أن شعباً متمسكاً بهويته الوطنية، معتداً بتاريخه العريق، شديد الانتماء إليه، لا يمكن بأي حال من الأحوال السيطرة عليه وتطويعه، وأنه لكي يتسنى لهم ذلك فلابد أولاً من عملية تغريب ممنهجة وتجريف منظم للثقافة الوطنية لهذا الشعب ومحو معالم تاريخه وتزييف الحقائق المتعلقة بماضيه العريق وتشويه سير رموزه الوطنية وتغييبه تغييباً كلياً عن إرثه التاريخي الحضاري، وطرح ثقافة بديلة تدعو لتقديس العدو وتقديم قربان الطاعة والولاء له باعتبار أن طاعته من طاعة الله ومعصيته كفر وارتداد عن دين الله!!

لكنهم لم يقفوا عند هذه النقطة، فبعد أن تمكنوا من تغريبنا وطمس هويتنا وتشويه رموزنا اليمنية، رأوا بضرورة تمزيق نسيجنا إلى فئاتِ متناحرة فكان أن اخترعوا لنا مذهباً زيدياً و آخر شافعياً. ولأنه ذلك الأفيون، ولأنه الدين فقد مضينا نحن بدورنا ننفذ مخططهم دون وعي منقسمَين بين زيدي وشافعي لا علم لنا بأن كِلا الفريقين يتزعمهم كهنة غزاة من ذات السلالة!

وبعد أن كنا شعباً واحداً بهوية وطنية واحدة وانتماء واحد، انحرف بنا الانتماء منقسماً بين المذاهب المصطنعة، فكان أن صرنا فريقين يعاديان بعضهما ويُسيرهما كاهن واحد، وهكذا نجحت خطاهم في تمزيق نسيجنا الاجتماعي القومي في خلق صراع مذهبي مستديم لا نهاية له.

وبعد أن كان اليمني ينجب يميناً، أصبح الزيدي ينجب زيدياً والشافعي ينجب شافعياً بمعنى أنهم تمكنوا من جعل الصراع بيننا أبدياً نتناسله أجيالاً متتابعة، في حين ظل السلالي شافعياً كان أو زيدياً، لا ينجب إلا سلالياً محضاً لا يعترف بالمذهب إلا من جهة كونه طريقة اليمني في تقديسه وتقديم الولاء له حيث أنه ابن الله وحبيبه المصطفى، فمن والاه فقد والى الله ومن عصاهُ فقد باء بالخسران وأُحل دمه وماله وعرضه!

ومن هذا المنطلق الذي اتخذوا منه ركيزة أساسية في الإيمان بالله، وصلوا إلى عرش الحكم وانتهت آخر فصول اليمن العظيم، يمن الحضارة والمجد والتاريخ.

لقد أصبحت السلالة الغازية في اليمن صاحبة الملك وبوتقة الدين، فلا طاعة لملك ما لم يكن منها، ولا حق في دين ما لم تكن تعاليمه تؤكد ضرورة تقديسها ويوجب علينا مقاسمتها مالنا وثمارنا عن طيب نفس..

تلك هي مأساتنا التي حلت بنا منذ ألف عام ولم يحدث منا أن تعاملنا معها كمأساة شاملة لابد أن تنتهي، بل كمشكلة عرضية، أو نظام حكم يمكن إسقاطه بمجرد ثورة مسلحة يتقدمها مجموعة رجال أشداء، غير أن كل ثوراتنا التي انطلقت بناء على هذا الفهم السطحي كانت أعجز من أن تنهي مأساة بهذا الحجم.

وتبين لنا أن هذا الداء لم يكن مجرد نظام حكم كنهوتي فحسب، بل خلية استيطان سرطانية متوالدة تفرز سموم المرض في جسدنا متنامية متمددة في كل عضو، إذ لم تقتصر على إعلال عضو معين ولم يقف طموحها عند الاستحواذ على الحكم أو السيطرة على البلاط السياسي فقط حتى يمكننا القول بأنه من السهل أزاحتها بثورة عابرة.

إن مأساتنا اجتماعية معرفية ثقافية قومية عقائدية بالدرجة الأولى كما انها سياسية أيضاً، وإن كان لابد من ثورة للتخلص من هذه المأساة فلتكن ثورة شاملة تنطلق في كل صوب وتصل إلى أبعد مدى، لا ثورة تقتصر على إشفاء الشق السياسي فقط،
لا بد أن نعي، كما اسلفت، أن الشعور بالانتماء للمذهب لا يمكن أن يصنع في نفوسنا إلا مزيدا من الفرقة والاختلاف.

وكما استخدمت السلالة المذاهب التي صنعتها لتمزيقنا، فقد استغلت أيضاً دخول التعددية السياسية الحزبية لنفس الغرض، إذ كان لها أن وزعت أفرادها لتتغلغل في صفوف الأحزاب لتصل إلى مراكز القرار فيها واستطاعت بذلك تسخير الحزبية لإذكاء الصراعات السياسية بين أبناء اليمن الواحد متحكمة بمواقف الأحزاب كافة، بينما بقينا نحن نهتف كلٌّ منا لحزبه ونتصارع حاملين رؤى أحزابنا التي وضعتها لنا يد سلالية واحدة دون وعي منا بما يدور.

وإذا نظرنا إلى مواقف أحزابنا من السلالة على مر السنين فلن نجد موقفاً واحداً يشير إلى الخطر الذي تمثله السلالة على كيانا وكينونتنا، بل أننا إذا ما دققنا النظر في مناهج تلك الأحزاب وبرامجها، لا نجد فيها ما يشير إلى ارتباط ولو يسير بالهوية اليمنية الخالصة ولا نكاد نجد للتاريخ اليمني فيها ذكر، بل أننا نجد في أغلبها تماهياً واضحاً مع الفكر السلالي إلى حد كبير.

إذن لا حزبية لنا ولا مذهبية، لا انتماء إلا لليمن، للهوية، للذات، هذا إذا أردنا أن نتخلص من مأساتنا إلى الأبد، ما لم فيسظل الفرد السلالي يسير الحزب والمذهب ويحاربنا بنا من خلال هذه الأدوات، وسيبقى المؤتمري اليمني عدواً للإصلاحي اليمني، والسلاليون أخوة وإن كان أحدهم ليكودياً والآخر في حزب الله!

وخلاصة القول هي أن فرصتنا سانحة لتدارك الأمر وفهم ما دار وما يدور والإحاطة بكل ما يلزمنا الإحاطة به، لنكتب معاً نهاية مأساتنا إلى أبد الدهر.