موكا كافيه.. قهوة العالم

  

فيصل علي

فيصل علي يكتب: موكا كافيه.. قهوة العالم


أحبك سمراء غامقة اللون ، لا طعم لك ولا رائحة بدون سيد الألوان. لست مجرد حب عابر. أو حب أستدعيه من أرشيف الذاكرة. لست حب بدل فاقد. ولست مجرد نزوة.

عندما غنى صاحبنا “أترك البيض جملة وأعشق الأسمر” كان يعني ما يقول، فما هو بغاوٍ يغني قول شاعر، بل معبراً عن ذاته التي وقعت أسيرة عشق اللون فغنى.

لونك والليل والأرق والسفر، وأنا المُتيم بك نشكل لوحتنا المعلقة بين جدران الروح وخلايا الذاكرة المتعبة. هناك حيث أختلي بك شرعية وعرفية وخرافية حنين لا يزول. كلما نظرتُ في مُقلتيك – وكليهما واحدة – لا أرى وجهي فقط بل أرى روحي المُنهَكة خلف المحطات البعيدة. “يا الله يا صانع الألوان والأرواح والوجدان أسألك الرفق بي، واللطف بما أبقيت لي من أحلام أراها كما أراك.”

في عصر الشبكات الرقمية يجلس عاشقان كاذبان هناك على ربوة مُشرفة على البحر، لا يقولان شيئاً ولا يتبادلان الحنين كما هو معروف في كتب العشق. يُطرق كل منهما في لوح الضوء، يتحدث مع أخريات فالشرع أحلَّ لهم أربعاً، وهنّ العِناد أحلَّ لهن عشرة، وأربعة، واثنان آخران.

الكل يبيع الكلمات في سوق ما كان يسمى حباً في عصر الجاهلية. وأنا الآن معك أحدث أخرى، علّك تغارين فيحترق ما تبقى فيك من كافيين، فأستنشق الرائحة قبل أن أنال منك ارتشافة سريعة. أنا مثلهم لا تروقني القٌبل الخاطفة. فكلنا سواء في عصر الأرقام والحسابات المعقدة وضياع المعنى وتواري الرمز.

هناك على مقعدي الخشبي في ركن “الشغف” تركتُك وحيدة منسية تذوبين وتبردين ويلفك النسيان، سرحتُ بعيداً عنك أقلب الدفاتر القديمة، وأتلمس ما أبقت الحرب من درعي ومن ترسي وأقرأ ما خط (المقرمي*) بدمي:” عَلى جدارٍ يُواري ظلَّه خرِبِ… أسندتُ رأسي.. وفي قلبي جراحُ نبي” وفاض الشوق بي والدمع يهمي، فنسيتُ طعمك الخرافي المعجون بسحر حُيي عن هاروت وأخيه. اسودت الدنيا في وجهي وأنوار المقهى الخافتة تحيط بي. وما أن وصلت إلى “ويُنكروني.. وإن اللهَ يشهد لي سبحانه.. وصلاةُ الحِبرِ في الكتب”. توقف قلبي تنفست آهات كثيرة. ما أقسى العبارة حينما قال الطارق أنها بلدي!

لماذا لا أجرب ارتشافك بيضاء؟! مُضحك هذا اللون المُحدَث الذي لا يليق بك سيدتي، وهو يشبه قول نبي القهوة درويش ” وثمة قهوة لها مذاق الهال الطاغي ذلك يعني أن السيدة مُحدثة النعمة” لا الهال، ولا الكريمة ومشتقاتها تناسبك، هذه من أعمال مُحدثي النعمة، الذين لا يعرفون المغزى من لونك سمراء غامقة. ربما يبيضون ما أسود من أيامهم، أو يحبون العودة للطفولة على حين غرة من الزمان.

“ليت من سايرك وإلا يشمك شم” وشم هنا يعني بها “الشعبويين” الرائحة، قائلها يقصد صاحبته، والشم هنا لا يعني “للعميقين” سوى الرائحة المنبعثة من فنجان القهوة.

لا فرق بين القهوة والأنثى!! وفي ذلك يقول درويش “القهوةُ أنثى” وهنا يكمن سر انجذاب الرجال للقهوة. حسناً: “وبعض النساء أيضا يعشقن القهوة” يقول مار بجوار محطتنا الأخيرة. لا بأس فهن يُعطرنَّ أنفاسهن إِغواء للمحبوب لا أكثر. “لطالما عشقت طعم القهوة ورائحة القهوة من فمك” تقول فتاة من الأرشيف.

أن تتنفس البن في عصر الروائح المزيفة فأنت مازلت حياً. لا روائح للورد، ولا للجنار، والفاوانيا السوداء الحزينة هي الأخرى بلا رائحة، لم يتبق لنا من رائحة أمنا الأرض الممزوجة بماء المُزن سوى رائحة البن.

“شربتُ من القهوة الكثير ولم يتغير شيء، جدتي تحتسي أربع صياني بن ولم تتغير نبرتها، وعباراتها مازالت قروية كما كانت قبل احتساء القهوة. يكذبون أن للقهوة علاقة بالأدب. فأنا أنا قبل وبعد القهوة، فلماذا يكذبون؟” هكذا يتحدث الباعة المتجولين، لا ترهقوا أنفسكم ورحم الله جداتكم، فالقهوة معنى لا يكتشفه إلا صاحب العبارة، وليس كل مشروب بن، هكذا يقولون في مرابعنا: “مو بن؟”. الدين النصيحة والحب النصيحة لذا “اثغُوا ما عليكم زود”. كونوا مثلها، كمن قالت: “لا أحب القهوة ولا غيرها من المنبهات” يبدو أن أختنا في النثر استدعت شيخوختها بحثاً عن الوقار.

بعد مضي وقت طويل أدركتُ ما أدركه الصوفيون منذ أمد أن القهوة لا تحتاج إلى شريك، كانت معلوماتي خاطئة. القهوة لا تحتاج إلى شريك، فهي تجمع كل أدعياء الشراكة، رشفة رشفة.. وَغداً وَغداً. فهذا يلومك، وهذا يُؤنب ضميرك، وهذا يريد تحويلك عن طريقك، وهذا يغترف من عباراتك دون أن يعترف، وذاك يريد أن تصل إلى مرحلة التيه التي تلفه ولم يتبق منه سوى عجف خاوٍ بلا روح، تنفسه ليس سوى دخول هواء من الباب وخروجه من النافذة.

أنت لا تحتاج إلى شريك ولا لجمع غفير من الأغبياء، تحتاج روحك، والكتاب ووحي النبي، وما سيخطه تلاميذك قبل موتك. أضف كلما استطعت من تلابيب روحك إلى النص. تعبد بحرفك ما تبقى لك من أيام.

اشرب قهوتك على مهل ولا تلتفت، احتسيها ساخنة، فإن بردت في فنجانك ارتشفها، فهي شريكتك الأزلية. هي الهدوء، هي الحوار، هي الفضاء، وهي الخصوبة في زمن الجُدوبَة والقَحْل.

لماذا نفضل القهوة على الشاي؟ القهوة وعد مؤجل، شيك على بياض، شغف في كل المراحل، وهي نبيذ غيومنا المُعتق. والشاي مشروب طيب كالمرحوم، وبلا مقارنات، الشاي بارد كبريطاني عجوز سرق العالم من الصين إلى أمريكا اللاتينية ولم يشعر بالشبع. والشاي كأربعينية تدلى نهديها ولم يرضعهما فم. القهوة عقدة الإنجليز من عبد الحميد وبني عثمان. لذا لاذوا بالشاي، مع أن حمرته تشبه لعاب التنين الصيني القادم نحوهم في الغد. أحب الأمريكان القهوة نكاية بالعجوز الشمطاء” كما وصفها ناصر”. والأتراك نقلوا القهوة من المخا في اليمن، فصارت مشروب الدنيا الأول بلا منازع، وعنهم نقلها الأمريكان إلى “جوسون” والفرنسيون إلى أنجولا، والطليان إلى طرابلس الغرب، والهولنديين قاموا بنقلها من المخا إلى سومطرة . هذا العالم هو عالم القهوة، لا عوالم النفط، ولا عالم مُحدثي النعمة.

القهوة سر من أسرار اليمن السعيد، هي طعم ولون الأرض الذي يكتسيها. القهوة رائحة قرون الوعل السبئي. القهوة سعادة خبأها المكاربة خلف أوراق الشجر. إنها تعويذة اليمن. لا يمكن أن تكون غير يمنية كما يريد أعراب الصحراء شاربي بول الإبل.

القهوة مثلك يا حبيبتي يمنية لا شرقية ولا غربية. أطلقوا عليها تسمياتكم الوهمية؛ إفريقية، برازيلية، سومطرية.. لا يمكن تسمية النبتة باسم غير أمها الشجرة. القهوة يمنية.

من أراد تذوقها كما ولدتها اليمن، فليصبها على مهل من “الجمنة” وليرتشفها ببطء من الفنجان “الحيسي” من فخارنا تشرب القهوة برائحة أرضنا. هل تتذكر الرائحة التي (تشدفك) وأنت تدلف إلى ستاربكس؟ هناك تفوح رائحة القهوة المحمصة. رائحة قهوتنا هي نفس تلك الرائحة مضاعفة عشر مرات. القهوة هي الرائحة قبل المذاق، “وتعشق الأنف قبل الفم غالباً” القهوة تصنع منك صوفياً وعاشقاً وثورياً.. ها أنا أشربها. أتنفس.. أناجي اليمن من كل المنافي.