قاومت الأئمة والإنجليز: ردفان تاريخ مشبع بروح الثورة (1-2)

  

بلال الطيب

بلال الطيب يكتب: قاومت الأئمة والإنجليز: ردفان.. تاريخ مشبع بروح الثورة (1-2)


طيلة جولاته التفاوضية مع الإنجليز، كان الإمام يحيى حميد الدين دائمًا ما يطالبهم بما يسميها أراضي أجداده، مُستدلًا بسيطرة الأمير أحمد بن الحسن قائد جيوش المُتوكل إسماعيل بن القاسم على الجنوب – قبل أكثر من قرنين ونصف من الزمن، ناسيًا أنَّ أبناء تلك المناطق تعاملوا مع أجداده كمُحتلين، قاوموهم من أول لحظة، وطردوهم شرَّ طردة، وقتلوا منهم الكثير.

الضالع والشعيب أولاً

استراحة مُحارب لا أكثر، هكذا كانت الحرب العالمية الأولى بالنسبة للإمام يحيى حميد الدين، ليدخل بعد انتهائها في حروب طويلة مع اليمنيين، تفاصيل احتلاله للضالع، الشعيب، الأجعود، القطيب، ردفان، تشبه تمامًا تفاصيل احتلاله لمناطق تعز، وإب، والحجرية. وكما قاومت قلعة المقاطرة توغله لعامين، قاوم جبل ردفان توغله لعامين.

كان ثمة توجه انجليزي بتسليم الإمام يحيى أغلب المحميات الجنوبية مع الحصول منه على بعض الامتيازات، الكرنل هارولد جيكوب كان من أكبر الداعين لذلك، عزم على التوجه إليه عبر الحديدة 21 أغسطس 1919م، إلا أن أبناء قبيلة القُحري التهامية احتجزوه لأربعة أشهر، وحالوا رغم المغريات والتهديدات دون وصوله إلى صنعاء؛ وذلك خوفًا من ربط مصيرهم بالإمام، وقيل بإيعاز من محمد بن علي الإدريسي.

هناك حكاية شعبية متداولة مفادها أن أفراد من قبيلة القُحري التهامية، وأثناء احتجازهم لـجيكوب كانوا دائمًا ما يترددون على الأخير مُطالبين إياه بحق شيخهم ابن هادي؛ نظير تقديمهم له ولمرافقيه بعض الخدمات، حتى استفذوا الكثير من أمواله، وهي حكاية لم تكن في الأصل سوى دعاية إمامية مقيتة لتشويه تلك القبيلة المُـناهضة حينها لحكم الإمامة، ولم أجد لها ذكر في كتاب (ملوك شبه الجزيرة العربية) لجيكوب؛ بل على العكس أشاد بنزاهة ذات القبيلة، وبمشايخها، وبشيخها أبو هادي يحيى علي حميدة، وليس ابن هادي كما تشير الدعاية الإمامية.

كانت الحديدة حينها تحت سيطرة الإنجليز، احتفظوا بها لأنفسهم، وسلموا باقي مناطق تهامة لحليفهم محمد الإدريسي، ووعدوا الإمام يحيى بتسليمها إياه إنْ هو رضخ لشروطهم، لم يرضخ الأخير، غضب من عدم تأديبهم لـقبيلة القُحري، وجدد العزم على احتلال الضالع، وبعض المحميات المجاورة لها، فما كان منهم – بعد أكثر من عام – إلا أنْ سلموا الحديدة لعدوه اللدود محمد الإدريسي.

قبل ذلك سقطت قعطبة بيد قوات الإمام يحيى دون قتال، وعُين أحمد محمد الآنسي عاملًا عليها، وفيها تمرد أهالي مُريس، وأصلوا الجحافل الإمامية نار غضبهم، وحين دارت الدائرة عليهم، ولوا هاربين إلى الشعيب، لتأتي الأوامر المتوكلية لـيحيى بن محمد – حفيد الإمام عباس بن عبد الرحمن، وأمير الجيش في تلك الناحية – بالتوجه جنوبًا، قاومه في البدء أهالي منطقة الجليلة من بلاد الشاعري، لينجح بداية العام 1920م في اجتياح إمارة الضالع.

الضالع حينها لم تكن ضمن السلطنات الجنوبية الخاضعة لحماية الإنجليز، احتلها الإنجليز قبل 18 عامًا، واستمرت سيطرتهم عليها لخمس سنوات فقط، وقد تلقى أميرها ناصر سيف دعمًا من قبل الإمام يحيى لمحاربة الإنجليز، وهو ما كان، ثم ما لبثا أنْ اختلفا؛ والسبب عدم رغبة الأمير ناصر الدخول تحت وصاية الأمير يحيى عباس، وقد أرسل لذات الغرض شقيقة الأصغر نصر إلى الأمير علي الوزير في تعز، طالبًا من الأخير التدخل، والمطالبة بضم الضالع إلى لواء تعز، إلا أنَّ الإمام يحيى رفض ذلك، فكانت الحرب.

من اللحظات الأولى لاجتياح القوات المتوكلية منطقة الضالع، تداعى رجال القبائل المجاورة للمواجهة بقيادة الأمير ناصر، فشلوا في إيقاف توغل تلك القوات، فأكمل الإماميون احتلالهم لباقي المناطق، لتسقط بعضها دون قتال، مثل جبل جحاف الذي أعلن شيخه علي طه الاستسلام، وكذلك جبل حرير، وما والاه من بلاد المفلحي، لتأتي الأوامر المتوكلية بتعين محمد بن محمد الشامي عامًلا على الضالع.

أما الشعيب فقد انقسم الأهالي هناك إلى فريقين، فريق تنحى، وفريق قاوم، وهؤلاء حضوا بدعم ومُساندة كبيرة من مشايخ يافع. كان حصن شُكُع مقرهم المنيع، وعلى تخومه دارت أولى المعارك، صمدوا فيها ليومين، لينسحبوا بعد سقوط الحصن إلى أطراف منطقتهم، مجددين العزم لجولة أخرى حاسمة.

كثَّف الثوار من استعداداتهم للمواجهة، تمركزوا في حصون القزعة، وما هي إلا أيام معدودة حتى أقبل إليهم الجند الإمامي بحشده الكثيف، فقد تكاثروا وتجاوز عددهم الـ 5,000 مُقاتل، لتدور بين الجانبين معركة كبرى استمرت لثمانية أيام، كان النصر في النهاية حليف القوات الإمامية، التي نجحت بعد ذلك في السيطرة على حصن حالمين، لتأتي الأوامر المتوكلية بتعيين محمد بن علي إسحاق عاملًا على الشعيب.

الأجعود ثانياً

كان مشايخ يافع يعتبرون الشعيب من المناطق الخاضعة لسيطرتهم. استمروا بمراسلة الإمام يحيى مطالبين إياه بإعادتها إليهم، وحين يئسوا، ذكروه ببطولاتهم في دحر قوات أسلافه من لحج إلى حضرموت، وهددوه : «واليوم جاء دوركم»، وأضافوا: «لقد اعتديتم على حدودنا، وقتلتم أنساب من أهلنا، وتعلمون أن أكثركم عندنا قليل، ومقامكم عندنا ذليل، فلا تهلكوا أنفسكم بأيديكم، واحمدوا الله إذ خاطبناكم قبل أن تطرح الحرب بأوزارها».

في العام 1921م بدأت المقاومة اليافعية المُنظمة، تصدرها هؤلاء المشايخ، وتداعى لها رجالات الأجعود، والقطيب، وبعض من أهالي الشعيب، وكونوا قوةً ضارية قوامها 8,000 مُقاتل، قسموها إلى ثلاث مجموعات، مجموعة توجهت إلى الأجعود بقيادة ناصر بن سيف، وأقدمت هناك على قتل مجموعة من العكفة، وإلى الشعيب توجهت قوات أخرى بقيادة أبوبكر النقيب، وقد حاصرت العامل إسحاق ومن معه فيها لأسابيع، أما المجموعة الثالثة فقد توجهت صوب جُبن، وتولى قيادتها الشيخ صالح بن عمر البكري.

أيقن حينها الإماميون بالهلاك، وما هي إلا أيام معدودة حتى وصلهم المدد بقيادة الشيخ قائد بن راجح الخولاني، توجه الأخير بمن معه إلى الشعيب، وإلى الأجعود توجهت قوات أخرى بقيادة عامل الضالع محمد الشامي، نجح الأخير بالسيطرة عليها، أما الشيخ قائد فلم يستعد الشعيب، ويفك الحصار عن أصحابه إلا بعد عناء.

أجبرت الزحوفات الإمامية المتتالية الثوار المرابطين في منطقة جُبن على العودة إلى الشعيب لنصرة أصحابهم، لتدور في أحراش وشعاب تلك المنطقة معركة كبرى، خسر فيها الفريقان عشرات الضحايا، وكان النصر كالعادة حليف القوات الإمامية.

يصف المُؤرخ الإمامي عبدالكريم مطهر تلك الواقعة بقوله: «كانت ملحمةً كبرى، ويومًا من أيام الله التي لا يزال يتردد لها في العالمين ذكرى، أسفر عن إنزال الله نصره على المؤمنين، وهزيمة الباغين، والمتفرنجين»، وأضاف: «وانقشعوا عن الشعيب كله – يقصد الثوار – ولم يستقروا إلا في بلادهم، وكفى الله المؤمنين شرهم، وانتهب المجاهدون ما وجدوه من أموالهم ومهماتهم، وتعدى النهب إلى أموال أهل الشعيب».

أعلنت الأجعود دخولها حضيرة دولة الإمامة، وبذل مشايخها رهائن الطاعة، أما القوات الإمامية فقد أكملت تقدمها جنوبًا، ولم يعترض طريقها سوى قلة من الثوار، لتبدأ مع وصولها تخوم ردفان مُقاومة شرسة تصدرتها قبائل العبدلي، والقطيب، وقد تولى الشيخ محمد صالح القطيبي مهمة قيادتها.

صُمود مختلف

فشل الإماميون بقيادة محمد الشامي – عامل الضالع – بتجاوز دار الخروف، عززوا تواجدهم بالمدفعية، وبقوات أكثر فاعلية، بقيادة الشيخ قائد بن راجح، لتدور على مشارف الدار عدة معارك، انتقلت المواجهات بعد ذلك إلى الحصن، ورهوة المنقل، وجبل حقلة، وبعد سقوط تلك المواقع، تحصن الثوار في الداعري، والضنبري الأكثر وعورة.

كانت معركة الحصن هي الأشهر، سقط فيها الرويشان قائد الإماميين الأبرز، أدركه المُقاومون وهو يحتضر، وفي ذلك قال أحدهم:

والعبدلي بالحصن سي ليه
لما وصل عند الرويشاني
قال اسقني وتبرء الذمه
والموت قد شفته بلعياني

«يا مُكسي العَاري ومُخضر العُود.. نَجي قَائد مِن حَرب لجْعُود»، هكذا توسلت إلى الله تعالى زوجة الشيخ قائد بن راجح الخولاني، بعد أنْ توجه الأخير بمجاميع كثيرة من قبيلته إلى جبال ردفان، تعزيزًا للقوات الإمامية المُنكسرة هناك، نجا قائد، وابتلعت ردفان مئات الجنود.

يقول المُؤرخ الردفاني سالم راشد ذيبان: «كان الزيود يتصلون بمراكزهم بواسطة النفير، ويتفاهمون به، وقد أكثروا من ضرب الطبول والهيد، وكانوا يهتفون بأصوات مُرتفعة: يا إماماه.. يا مُتوكلاه.. وكلما سقطت منطقة، تمركزوا في منازل المواطنين، وفرضوا المصروفات عليهم».

في تلك الأثناء وصلت رسالة من الإمام يحيى إلى مُقاتليه، حثهم فيها على إسقاط جبل ودنه، وذكرهم بنصر الله الذي مكن المجاهدين – قبل أربعة أشهر – من الاستيلاء عنوة على قلعة المقاطرة، وأنَّ جبل ودنة ليس بأمنع من تلك القلعة، ولا المجاهدين هنالك بأرغب منهم في ابتغاء ما أعد الله لهم من الأجر والثواب.

تحفز بعد ذلك الإماميون لاجتياح جبل ودنة، وقرروا الهجوم عليه ليلًا 16 فبراير 1922م، بعد أن اقتسموا لثلاث فرق، فرقة بقيادة الشيخ قائد بن راجح وأصحابه من خولان، ومهمتها الهجوم على الجبل من الجهة الشرقية، وفرقة بقيادة الشيخ علي بن مصلح العبدي، وأصحابه من بني عبد (حاشد)، ومهمتها الهجوم من الجنوب، ومجموعة ثالثة من حاشد أيضًا، مع بعض عساكر النظام، ومهمتها الهجوم من جهة الشمال.

يقول مُطهر: «وأعان الله الأنصار على النهوض إلى أعلى الجبل، والاستيلاء عليه، وطرد المُخالفين بعد مصادمة شديدة، وجلادٍ عنيف.. فاستولوا على غنائم كثيرة، وأحرقوا بعض البيوت، ورتب المجاهدون جبل ودنة، وقد فازوا بما راموه بحول الله ومنِّة».

بعد سقوط جبل ودنة، قام 800 مقاوم بهجوم ليلي مباغت على جبل حقلة، استولوا على بعض المواقع، وقتلوا ثمانية من العكفة، وحاصروا من تبقى في أحد الحيود، ثم كان انسحابهم بعد وصول قوات إمامية كبيرة لإنقاذ المحاصرين، وقد أدت تلك الحادثة إلى هروب بعض العساكر إلى بلدانهم، وتخليهم عن الخدمة في الجيش الإمامي.

نجح الإماميون بعد ذلك في اختراق وادي تيم، وعلى ضفافه دارت أشرس المعارك، استمرت لشهرين، نقل الشاعر سعيد الحجيلي تفاصيلها بقصيدة طويلة، نقتطف منها:

شهرين ذي ظلت طوارفنا وكد
والنار بتوقد بحر أشعالها
ضرب المدافع والمرافع والهيد
زيدة بني مزيد وكثر انسالها
عاهيه جثثهم باقية في كل حد
للكلبة تجلس تعيّش حالها

وحين لم «يتمكن الأنصار من التقدم إلى جبل ردفان، ومناجزة من فيه من الأعداء اللئام» – حد توصيف المُؤرخ مُطهر – رأى الأمير محمد يحيى عباس أنْ يتوجه إلى هناك بنفسه، ومعه المدد من بشرٍ وعتاد، ليقوم بمجرد وصوله بتقسيم جيشه الجرار إلى عدة مجموعات، أشرف بنفسه على سير المعارك، وعلى يدية سقط جبل ردفان، وذلك منتصف العام 1922.

مَشايخ كُثر قَدموا الطاعة للإمام يحيى، وتبعاً لذلك تَدخل بعضهم لإيقاف سعير المُواجهات، تنكر الإماميون لجهودهم، ولم يقبلوا شفاعتهم، يقول المُؤرخ ذيبان: «تقدم جيش الزيود وهدموا دار الشيخ صالح عبدالحبيب، ولم يتمكن الشيخ ثابت عثمان في اقناعهم بالعدول عن ذلك»؛ الأمر الذي ولد ثارات وأحقاد، اُتهم الشيخ ثابت بالتواطؤ مع الإماميين؛ فقتله المقامون، وكذلك فعلوا بالشيخ صالح أسعد البكري فيما بعد.

لم يخسر المشايخ الخانعون بلدهم وأهاليهم فحسب؛ بل خسروا أنفسهم، تعرضوا لصنوف شتى من الإذلال، صيرهم الإماميون ورعاياهم كعبيد لتوفير المؤن، وإيصالها مع الذخائر إلى أماكن المواجهات، ومن تخاذل منهم كان مصيره السجن.

وهذا الشيخ محمد صالح لخرم، صحيح أن الأئمة أحسنوا استقباله – حين أعلن طاعته بادئ الأمر – وأطلقت له المدفعية في قعطبة أربع طلقات ترحيبية، وخصوه بمرتب شهري، وعينوه حاكمًا على بلاده، إلا أنَّهم – فيما بعد – لم يرحموا كُهولته، حبسوه لسبعة أشهر، ولم يفرجوا عنه إلا بعد أن افتدى نفسه بمال عظيم، وكذلك فعلوا بالشيخ عبدالنبي العلوي، والشيخ مُقبل عبدالله، وقد نُقل عن الأخير قوله وهو في سجنه بصنعاء:
قال أبو سيف من صنعاء ذكرت البلاد
وني كما الحيد ذي مابتليَّن حجاره

كان ذلك التخاذل من أهم أسباب سقوط ردفان، وفي ذلك قال المؤرخ ذيبان: «تمكن الزيود من التمركز وبناء المراتب في بلاد البكري، وفي سليك، حيث استخدموا الناس بالسخري.. فقدمت القبائل المقاومة الطاعة، وسلمت الرهائن..».

تفضيل الأجنبي

قبل سقوط ردفان بعدة أشهر، عُقد في القاهرة مؤتمر الشرق الأوسط، وكان من أهم توصياته الاعتراف بسلطة الإمام يحيى على المحميات، إلا أنَّ المقيم السياسي في عدن عارض ذلك وبشدة، وقد ساهم ذلك التخبط الإنجليزي في فتح شهية الإمام، طالبهم صراحة ب(أراضي أجداده)، وأبتدأ بمراسلة السلاطين، وحثهم على الانضمام إليه، وقد انخدع به بعضهم.

أدت سياسة الإمام التوسعية إلى امتعاض الدوائر السياسية للإنجليز في لندن، وقاموا على الفور بتغيير مُعتمدهم السامي في عدن، فيما أخذ الإمام يحيى بالتوسع جنوبًا، وقد سيطر – بالفعل – على البيضاء، وإمارة العلوي، والأميري، والمسبعي، والعواذل العليا، والعواذل السفلى، لتقاوم البيضاء قواته وذلك بعد عدة أشهر فقط من اجتياحها؛ وذلك جراء المظالم والمعاناة التي لحقت بالمواطنين
صدرت التعليمات البريطانية الى المقيم الجديد في عدن للدخول في مفاوضات سلمية مع الامام يحيى، فأرسلت الهدايا الى القصر في صنعاء من بينها خيول وعربة فورد، فرد الإمام بهدايا الى عدن، وعين القاضي عبدالله العرشي ممثلًا له فيها، الا أنَّ الأخير لم يتوصل الى اي اتفاق مع الإنجليز، وعاد إلى صنعاء بأوامر من سيده، وذلك قبل أن ينتهي العام 1923م؛ ومرد ذلك استمرار وجود الأدارسة في الموانئ اليمنية بدعم بريطاني.

تمكن الإمام يحيى بعد ذلك من السيطرة على الحديدة دون قتال 1925م، زال بذلك مبرر وجوده في المحميات حسب رؤية المقيم السياسي في عدن، فأرسل الأخير بداية العام التالي إلى صنعاء بالسير جلبرت كليتون، ليعود المبعوث منها بعد 26 يومًا خائبًا.

السماح للإمام يحيى بالبقاء في المناطق التي احتلها سيحفزه أكثر لمعاودة القضم التدريجي لباقي المحميات، كانت هذه هي النتيجة التي استخلصها كليتون من محادثاته تلك، مُشددًا على ضرورة استخدام القوة لحل ذلك النزاع، وقد دون في مذكراته: «أن استخدام سلاح الطيران الملكي البريطاني ضد اليمن أمر لا مفر منه».

بأسلوبه التقليدي المُذل حكم الإمام يحيى تلك المحميات، عض حينها من ناصروه أصابع الندم، وتوجه بعضهم صوب الإنجليز طالبين المُساندة، ولسان حالهم يجسده قول الشاعر عبدالله البردوني:

وبرغمي يُصبح الغازي أخي
بعدما اضحى أخي أعدى الأعادي

وقد حمل المُؤرخ ذيبان الإمام يحيى مسؤولية ذلك قائلًا: «لو كان الإمام جعل حملته ذات طابع وطني، دون أن يُثقل كاهل المواطنين، ما تخلف عن أمره أحد».

وفي المقابل كان أمير اللواء يحيى عباس من كبار غلاة الزيدية، عمل أثناء توليه تلك النواحي على إذلال الرعية، وإجبارهم – كما أفاد المؤرخ إسماعيل الأكوع – بأن يتحاكموا بموجب المذهب الزيدي، وأن يزيدوا في الأذان حي على خير العمل؛ بل ووصل به تعصبه بأن قام بفسخ زواج العلوية من غير العلوي، وقد اتهمه أحمد محمد الشامي – ابن عامل الضالع – بأنَّه كان يحبذ سياسة القوة، والتشدد، وعدم الاقتناع بما في اليد، مما أدى إلى تجدد المواجهات.

وهذا أمين الريحاني أثناء رحلته إلى اليمن 1922م، التقى بمواطنين من لحج، والحواشب، وماوية، استغرب من تفضيلهم للأتراك والإنجليز على الإمام، قدم حينها نصيحته الصادقة للأخير، واستدرك قائلًا: «لو حكم الإمام يحيى حكمًا مدنيًا بحتًا لا حُكمًا زيديًا، لتمكن من تحقيق مطامعه السياسية، أما اليوم فالشوافع في حكمه غير راضين».

وهي الصورة ذاتها التي عمد عبدالعزيز الثعالبي على نقلها في كتابه «الرحلة اليمنية»، أثناء مروره من مدينة السياني عام 1924م، صحيح أنَّ رجالها منعهم الخوف من الإفصاح عن مكنونات استيائهم من الإمام وعساكره، إلا أن النساء تحدثن له وبقوة عن ذلك، وقالت إحداهن: «وأما حكم الزيدية فنحن لن نرضى به أبدًا، ولا يمكن أن يدوم، فهم بدويون لا يدرون قيمةً للحرية، ولا يذوقون طعمًا للعدل، دأبهم أن ينهكوا كواهلنا بالجبايات، وينعموا بها!!».

حرب الطائرات

اشتعلت جبال ردفان بداية العام 1928م بالثورة، وتمكن أبطالها الصناديد من طرد الحامية الإمامية في حصن سليك، فأرسل عامل قعطبة بــ 900 مُقاتل تعزيزًا للقوات المنهزمة هناك، هزمهم الثوار، وقتلوا 18 فردًا، وأسروا ثمانية، وأتموا ثورتهم باستعادة الحامورة، والردوع، والدمنة، والبكري، الأخيرة سلمًا، وهكذا تحقق لهم تحرير ردفان قبل تدخل الإنجليز.

وجد الانجليز في دعوة المشايخ لتدخلهم فرصة ذهبية للانتقام من الإمام يحيى الذي سبق وتحالف نكاية بهم مع الطليان، دعموا الثوار بالأسلحة المتطورة، فيما قامت طائراتهم – وعلى مدى ثلاثة أيام، وقيل أكثر – بــ 48 غارة على الحاميات الإمامية بالجنوب، ولم يستثنِ القصف مُدنًا شمالية كتعز، وقعطبة، والتربة، ويريم، سقط بسببه أكثر من 300 شخص بين قتيل وجريح، وقد سميت تلك الحرب بـ «حرب الطائرات».

فرَّ عساكر الإمام يحيى بصورة مُخزية، ليعلن سيدهم الانسحاب التام، بعد ستة أسابيع من المواجهات 14 يوليو 1928م، أصيب العشرات منهم بالجنون؛ كونهم لم يألفوا أزيز الطائرات من قبل، ولا انفجارات قنابرها – حد تسميتهم – وحين تواردت الأخبار إلى صنعاء بأنَّ الأسطول الانجليزي رابض في سواحل الحديدة استعدادًا لاحتلال اليمن، سارع الإمام يحيى بنقل معظم أمواله إلى شمال الشمال.

كان بعض السلاطين قد تعاطوا إيجابًا مع مُبادرات الإمام يحيى، إلا أنَّهم بعد أن رأوا سوء أعماله؛ اتجهوا إلى الإنجليز، وصاروا أكثر تعاونا معهم، وأكثر رفضًا للإمام ولتدخلاته، عقدوا في العام التالي مؤتمرًا كبيرًا، وفيه أشهروا توجههم الجديد.

تبعًا لذلك فتح الانجليز صفحة جديدة مع الإمام يحيى، الذي انسحب سلمًا من العواذل، وبيحان اللتين بقيتا تحت سيطرته، وقعوا معه معاهدة صنعاء، واعترفوا له فيها باستقلال مملكته، ونجحوا بانتزاع اعتراف منه بالحدود الشطرية القائمة 11 فبراير 1934م، لتدخل قواته نهاية الشهر التالي في مواجهات مسلحة مع آل سعود، تعرض لهزيمة ماحقة، ضعفت بعد ذلك قوته، وتبددت هيبته، وأخذ الأحرار اليمنيون يفكرون جديًا في كيفية التخلص منه، مُعلنين بدأ العد التنازلي لطي صفحته.

ما سبق، لمحات موجزة لتاريخ مُشبع بالمُقاومة، أشار إليها معظم المُؤرخين اليمنيين إشارة عابرة، وحده مؤرخ ردفان تعمق في تفاصيلها أكثر، عبر كتابه «من حقيبة الدهر»، ومن هنا تبرز أهمية إنعاش الذاكرة الشعبية، وعلى المُهتمين تولي تلك المهمة، كلٌ في محيطه، تمامًا كما فعل المُؤرخ ذيبان.

عناوين ذات صلة: