طواف في كتاب الزهر والحجر (2): إمامة الكهنوت.. الملامح والمذابح

  

رمز كاتب قلم

أفراح محسن يتكتب: طواف في كتاب الزهر والحجر (2): إمامة الكهنوت.. الملامح والمذابح


تناولنا في الطواف السابق في كتاب الزهر والحجر للكاتب عادل الأحمدي الاعتسافات التي اقترفتها نظرية حصر الولاية بالبطنين في جسد الدين، وجملة التأويلات والزيادات التي تم إضافتها من قبل دهاقنة التشيع لجعل خرافتهم تبدو وكأنها مستقاة من الدين.

في هذا الجزء المهم نطوف على الإمامة الكهنوتية في اليمن لاستقراء أساليبها ووسائلها ونماذجها لتبيان كارثيتها على اليمن أرضا وإنسانا ومدى التكرار الحرفي بينها والحوثية.

اعتمدت إمامة الكهنوت منذ مجيئها على يد الغازي الرسي 284 هجرية، على العديد من الوسائل لإثبات أحقيتها في الحكم، ومارست في سبيل السيطرة كافة أساليب التضليل والإرهاب، واتسمت مرحلة وصولها للسلطة بما يلي:

– حالة نهب واسعة من قبل حجافل الفتح الجارودية للعاصمة.
– شروع أسرة الإمام في تصفية رموز الأسر الهاشمية الذي يتوقع منهم التنافس.
– تصفية القبائل المناوئة أولاً ثم بعد ذلك يأتي دور تصفية القبائل المناصرة.

وتعتمد الإمامة في تجييشها للقبائل على ثلاث وسائل:

ـ جعلها ذات طابع بدوي تصبح فيه أرزاقها في أسنة رماحها بحيث تتركز فيه المكانة الجهوية للشيخ على مقدار مقتنياته من فيد الغزوات على أعداء الله (أي سائر اليمنيين)، وتقوم بغرس ثقافة تحتقر المهن وتزدري أصحاب الحرف وتحط من قيم الإنتاج.

ـ الوسيلة الثانية لحشد القبائل كانت تقوم على عامل التجهيل وعدم السماح لأية نسائم تفتح خلايا العقل القبلي المناصر للأئمة إلا بالقدر الذي يعظم في القبلي الشعور بقدسية آل البيت وأحقيتهم.. الخ.

ـ الوسيلة الثالثة استغلال النخوة الوطنية لدى القبائل وذلك بجعل نصرة دولة الإمامة وكأنها دحر لعدو كافر مقيم أو عدو كافر مرتقب وإن لم يكن العدو عثمانياً أو أمريكياً وكان من أبناء اليمن فهو أموي ممن قتلوا الحسين.. الى آخر تلك الشائعات المستعملة حاليا بشكل يومي من قبل الحوثية.

ولا تقول الإمامة الزيدية بمبدأ الوراثة، وتقر مسألة (الخروج) لاستحقاق الحكم،لذا فإن إحدى الحالتين التاليتين هي التي تصبغ مسألة إنتقال السلطة وهما:

ـ إما الإنقلاب على مبدأ الخروج وتطبيق مبدأ الوراثة في أسرة الإمام الحاكم وفي هذا يكون ثمة صراعان الأول بين أسرة الحكم ذاتها والثاني بين أسرة الحكم والمنافسين من بقية الأسر الهاشمية وبذلك تؤول الأمور إلى ما صارت عليه مثلا، بوفاة المؤيد عام ١٠٥٤ﮪ.

ـ وإما أن يتم تطبيق مبدأ الخروج وتؤول الأمور على الحال الذي آلـت إليه بعد وفاة الإمام المهدي ١٨٣٥م حيث بلغ من نودي به إماماً وخلعت عليه ألقاب الفخفخة كانوا ١٤ إماماً وزيادة على ذلك، ومنهم علي بن المهدي انتصب إماماً أربع مرات في كل مرة له لقب خاص وبعده ١٣ إماماً حتى لقد عدمت ألقاب الإمامة وصارت في منزلة يتندر بها أهل صنعاء في مجالسهم وكان يوجد أكثر من إمام ينتصب كل واحد منهم على منطقته.

خصائص عامة للدولة الإمامية:

ـ ليست ذات نزعة وطنية: لا تحافظ على وحدة الوطن شعبياً أو جغرافياً ولا تسعى لاستعادة المبتور منه فكان تمسكهم بصعدة باعتبارها شيئاً طارفاً يمارسون فيها الانفصال عن الدولة الوطنية ويتخذونها منطلقا لإسقاط دولة اليمنيين.

ـ تمزيق المجتمع: أسوأ ما فعلته الإمامة في حياة اليمنيين أنها مزقت شملهم وأوجدت بينهم العداوة والحقد والتنافر لكي يظلوا حطباً لبقائها منشغلين بأحقادهم عن معالي الأمور.

ـ ليست ذات رؤية حضارية: السلطة الإمامية الكهنوتية لا تسعى إلى القيام بدور حضاري يسهم في خدمة البشرية ورفاهها، بل تتسم بطابع قروي أسري منطوٍ على نفسه متقوقع في إطار يعمد إلى إسقاط الهوية الحضارية لعموم الشعب اليمني فداء لهوية مذهبية سلالية توصل حقها في العرش فهي تسعى الى سحق الذات اليمنية وردم تراث اليمن الحضاري.

ـ ليست ذات منحى تنموي: نعم هي دولة قحطية فلا هي ترعى وطناً وتبنية ولا هي تتركه في حال سبيله ليجد جواً من الاستقرار يمكن أن تزدهر فيه تجارته ويتطور فيه عمرانه، أيضاً هم لا يتمتعون بموهبة اقتصادية تنمي معها اقتصاد الدولة. وبالأحرى لا يمتلكون الرغبة في ذلك.

ـ ليست ذات بعد إنساني: هي دموية تسعى إلى تصفية الخصوم بشتى وسائل الإبادة غاشمة لا تقبل الالتماس ولا تعفو عند المقدرة.

ـ لاهوتية الخطاب: حيث الحاكم بأمر الله ظل الله في الأرض ومستودع علمه وعصمته وإلهامه وتأييده بيده الآنس والجن وإليه الأمور يهاتفه المولى في خلواه ويجيئه النبيﷺ في منامه وتخبره الجن بخطط العصاة..!

ـ ليست ذات طابع مبدئي: هادوية عنصرية بدأت تحت غطاء الزيدية الجارودية والآن الجعفرية الاثني عشرية والتي تفضي إلى مبايعة المهدي المنتظر على كتاب داود كما يدلل الكتاب في باب لاحق!

ـ لا يكتب لها الاستقرار: وذلك بسبب التنازع على السلطة بين الأسرة الحاكمة من جهة وبينها وبقية الأسر الهاشمية من جهة أخرى وبينها والشعب المحروم من تقرير مصيره والمسوم بكافة أنواع التفرقة والمحارشة والدونية وألوان المعاناة في الجانب المعيشي من جهة ثالثة.

ومما يرافق فترات الحكم الإمامي المتقطعة في اليمن، الغياب شبه الكلي للحياة العلمية، حيث لم تحفل بأية حياة علمية وإن كان ثمة حراك علمي يحدث في ظل هذه الدويلات الكهنوتية فقد كان محصوراً من الناحيتين المنهجية والتوسعية، وكانت الحالة الأولى تتمثل في كون أن ما يتم إثراؤه وخدمته من العلوم يظل في نطاق ضيق يقتصر على علوم تبجيل ما يطلق عليه “آل البيت”.

أما من ناحية الانتشار فإن التعليم النظامي يكاد يكون محصوراً في الأسرة العلوية والفائض منه ينقل إلى رجال الطبقة الثانية في سلم المجتمع وهي طبقة القضاة التي فرضت نفسها وتعرضت لحرب سلالية باردة.

الإمامة والحياة الإجتماعية

على مستوى الآداب والفنون فقد تم مزج الفلكلور الفني للمجتمع في الأفراح والأتراح بما يجعل منها مناسبات متصلة لذكر الآل..

أما على مستوى التعامل الإجتماعي فقد تم ابتداع منظومة من “البروتوكولات” و”البرستيج” الذي يكرس التفرقة بين “العترة” وبين ماعداهم من الناس.

ومن خلال ذلك يتبين لنا ان الإمامة مشروع إستيلاء لا مشروع حكم: فهي تبدع في وسائل الوصول إلى كرسي الحكم لكنها دائماً تفشل في إدارته، فهذا الحكم لا يستطيع الطموح ولا يستطيع التطلع إلى أخذ زمام الريادة على المستوى الوطني أو العربي أو الإسلامي لأنه يرى في محاولة الاحتكاك مع الآخرين نوعا من انكشاف نقاط ضعفه.

أضف إلى ذلك أساليبهم في السيطرة على الشعب التي تمثل صورة وحشية من الإستتباع والاستعباد تستذل رقاب الوجهاء والأعيان بأخذ أبنائهم كرهائن تضمن للإمام إستكانة القبائل له ونزولهم عند طاعته..

عوامل عامة أسهمت في بقاء مشروع الكهنوت

أولا: التشيع سواءً كان جارودياً أو جعفرياً يحيط نفسه بفئتين تضمنان له القبول. إحداهما من وسط المتشيعين نفسهم وتكون ذات طابع مغال خارج عن الملة. والأخرى فئة من بين أهل السنة حيث يعمل الشيعة على تشجيع الصوفية وهي وجه آخر لعملة التشيع.

ثانياً: “الزكاة والخمس” وهما المورد الاقتصادي الضخم المحافظ على الفكرة، والدافع المتكرر للسطو على الحكم.

ثالثاً: العامل الخارجي؛ إذ لم يكتب للتشيع البقاء إلا في ظل حرص خارجي على شق صف المسلمين يبتز به حكوماتهم وينفذ من خلاله مطالبه ثم انقلابه كما هو الحادث الآن في العراق وكما يراد لنا أيضاً في اليمن، (وقد حدث إذ الكتاب صادر قبل سطو الحوثيين على صنعاء بثماني سنوات).

عوامل محلية:

ـ تجييش القبائل: وذلك بحقنهم المتواصل بمعاني التمرد وتمجيد حمل السلاح ومحاربة من يدعو إلى تركه وتصويره أنه يسعى لخدم مخططات الغزو الخارجي، بما يفضي الى تفريخ ميليشيا خارج سيطرة الدولة الوطنية!

ـ التضاريس: لاتزال التضاريس عاملاً مهماً في المواجهات رغم التطور الهائل في أساليب الحرب وآلياته.

ـ جهل الشعب: لقد كانت الخرافة والدجل والشعوذة هي الأساس المتين الذي يضمن للإمامة امتصاص هذا الشعب والتسيد عليه.

الأطراف المستفيدة من بقاء الفكر الإمامي:

يعد أصحاب الفكر العنصري من الهاشميين أحد أهم أسباب بقاء التيار الإمامي إذ هم المستفيد الأبرز من بقائه والداعي التقليدي إليه.

نسخة بي دي إف

عناوين ذات صلة:

طواف في كتاب الزهر والحجر: مسخ الدين لإثبات دعاوى التميز (1)

الزهر والحجر.. أكرموا أنفسكم بقراءة هذا الكتاب