عبدالولي الشميري: المثقف العكفي

  

محمد دبوان المياحي

محمد دبوان المياحي يكتب: عبدالولي الشميري: المثقف العكفي


كتب عبدالولي الشميري، قصائد كثيرة، رومانسية وثورية، مدح فيها الثورة اليمنية والجمهورية والدولة المدنية، مجّد المقاومة الشعبية وأشاد بتعز كمدينة مناضلة ضد الديكتاتورية، ثم لاحقًا ألّف موسوعة تأريخية، وقال فيها عن مؤسس الطائفة الحوثية العنصرية، حسين بدر الدين الحوثي: إنه مفكر وشخصية تنويرية وخيرية، ولم يتبق له سوى شعرة ليقول عنه: لقد كان قرآنًا ناطقًا وربما قالها سرّا ونحن لا نعلم.

هذا المزاج الرخو لدى المثقف هو النافذة التي تسللت منها كثير من خرافات التأريخ وكوارث الحاضر، نحن أمام انفصام معرفي لا علاقة له بالموضوعية التأريخية، بل يعكس وعيًّا مائعًا وعقلًا رومانسيًّا بلا معيارية. المشكلة ليس أن مثقفًا سنيًّا يشيد بزعيم محسوب على الشيعة، ولا مواطنًا مدنيًّا يتحدث بلغة أقرب للإعجاب بشخصية عنصرية، بل مؤرخًا يزيف تأريخ شعب ويكتب بلغة مجيدة عن أردأ منظِّر لأكبر عملية خراب حدثت في تأريخ الدولة اليمنية الحديثة.

عندما يُكتب التأريخ بمزاج الأديب تحدث الفضيحة وتتحول الذاكرة السياسية لقصيدة شاعرية أو نص أدبي ، يصلح للإلقاء في حفلة مديح طائفية وبلا أي منطق نقدي يحترم الحقيقة ويصوغها بلغة تدقيقة صارمة.

مبدئيًا، ليست مشكلة أن يُدرِج عبدالولي الشميري في كتابه أي شخصيّة أثرت في الحياة اليمنية سلبًا أو إيجابًا، ما دامت منهجيته المتبعة، تستدعي ذلك، غير أن الأمر الفاقد للنزاهة، هو أن يتم تصوير زعيم سلالي طائفي ومتعصب، كما لو أنه قائد تنويري أسهم في نشر ثقافة شعبية تغيرية ورجل خير وصلاح قُتل مظلومًا كما توحي بذلك طريقة الكلام المسرود عنه في كتاب “موسوعة أعلام اليمن”.

وتغدو الفضيحة أكبر، حين نكون أمام حديث عمومي دون تقييد، فهو لا يحصر تأثير حسين الحوثي على أتباعه _كي يكون الكلام مقبولًا بعض الشيء_ بل يُصوره كزعيم مؤثر بشكل عام على نطاق الجغرافيا اليمنية، ثم لا يكلف السياسي الأديب نفسه في الإشارة ولو لمرة واحدة لطبيعة أفكار حسين الحوثي والكارثة التي أسس لها، باعتباره أبًا روحيًا لجماعة عنصرية نشرت الخراب في كامل البلاد، انطلاقًا من ذات الأفكار المرجعية التي جددها الرجل.

بإمكان أي مثقف أن يقتحم أي مجال من مجالات العلوم الإجتماعية والإنسانية، ولا أرى مشكلة في ذلك، فهذه العلوم ليست حكرًا على أحد، غير أن الحديث فيها يتطلب قدرًا من الحصافة، معايير مضبوطة ومنهجية واضحة ، فالسياسي أو الأديب حين يتصدى للكتابة في التأريخ، من المعيب أن يتحول لمهرج يؤرخ للشخوص والأحداث، بلغة أقرب لتقرير أخباري كتبه صحفي مبتدئ ويصلح للنشر في قناة المسيرة، أكثر من كونه حديث تأريخي موضوعي متزن وفاحص للشخصية والقضية.

دائمًا ما أقول إن الأديب والمبدع وحتى السياسي، تنكشف هشاشته الثقافية حين يتناول موضوعًا له علاقة بأحد مجالات المعرفة، وأي مبدع لا يؤثث خلفيته الفكرية بأسس المنطق وأبجديات المعرفة في مختلف المجالات، يتجلى بشكل مثير للشفقة أمام أي قضية يكتب عنها بخفة ودون إدراك لحساسيتها وما يستدعيه هذا التناول.

تخيلوا بعد سنوات تأتي أجيال وتقرأ ما كتبه الشميري عن حسين الحوثي، أظن لن يتردد أي شاب عن الإعجاب به وسيبدأ فورا البحث عن ملازمه لينهل منها، باعتبارها مصدر إشعاع ثقافي ومنهج تغيري سوف يسهم في إحداث فارق بحياته.

عبدالولي الشميري، نموذج للسياسي والأديب الذي يكتب التأريخ بلغة مسطحة وسرد أشبه برواية شخصية، ليست فقط غير موضوعية بل ومشوّهة وعابثة بالحقائق التاريخية وذاكرة الأجيال.

أنتم أمام مثقف يؤدي دور “عكفي” جديد، هو قادم من شمير، قريب من شرعب، من مناطق النضال الوسطى؛ لكنه ظهر أشبه بصحفي يرتدي عمامة السلالة ولو كان ينظر لنفسه كمثقف محسوب على مجتمع الباحثين، يؤمن بالمدنية ويعمل لخدمة رموز الإمامة، يُلمع عنصريتها وهو قاعد في مركز للبحوث أو يتجول و علم الجمهورية كشال على كتفيه، كما يحلو له دومًا فعل ذلك.

الشميري لم يسرد حقائق مجردة، بل تحدث بلغة أقرب للوصف الإنتقائي والمنحاز، ربما لم يستمع لدرويش وهو يقول:

لا تكتبِ التاريخَ شعراً، فالسلاحُ هُوَ المؤرِّخ.
والمؤرّخ لا يُصَابُ برعشة الحُمَّى إذا سَمَّى ضحاياه ولا يُصْغي إلى سرديّة الجيتار.

والتاريخ يوميّاتُ أَسِلحَةٍ مُدَوَّنةٌ على أَجسادنا
وليس للتاريخ وَقْتٌ للتأمُّل,
ليس للتاريخ مرآةٌ
وَوَجْهٌ سافرٌ.
هو واقعٌ لا واقعيٌ
أَو خيالٌ لا خياليٌّ، فلا تكتبه.
لا تكتبه، لا تكتبه شعراً..!