درس من التأريخ: عدالة الاقتصاص بوابة الرقي

  

رمز كاتب قلم

د. ناصر الأرحبي يكتب: درس من التأريخ: عدالة الاقتصاص بوابة الرقي


في العديد من الأحداث والمناسبات تلفت نظري تلك الطبيعة التسامحية والتصرفات الأخلاقية التي تنتهجها الشعوب الأوروبية واليابان مثلاً بما يبدو لنا نوعاً من التصرفات الخيالية، مثلاً تقديس النظام العام وحماية الممتلكات العامة في كل تعاملاتهم وعدم التعدي على حقوق الآخرين وأملاكهم بل وحمايتها بكل قوة حتى لو كان هؤلاء الآخرون أغراباً عنهم.

كيف نشأت هذه الروح المتحضرة والراقية التي جعلت هؤلاء البشر يبدون كأنهم جاءوا من كوكب آخر غير الكوكب التعيس الذي يحوي أصنافا من الكائنات البشرية المتوحشة.

هؤلاء البشر لم تكن جيناتهم من النوع الذي يجعل حاملها بهذا الرقي والتحضر بالتأكيد ولكنه سلوك اكتسبوه عبر العقود الأخيرة من القرن الماضي كما توضحه لنا حكايات التاريخ الحديث.

أثناء الحرب العالمية الأخيرة التي انتهت عام ١٩٤٥ سام الألمان واليابانيون العالم وبالذات البلدان المحيطة بهما سوء العذاب. كلنا نرى في الأفلام التاريخية مدى الأهوال والكوارث الثي سببتها النخب الحاكمة في البلدين المذكورين للشعوب المجاورة بل للعالم أجمع نتيجة إحساسهم بتفوق عرقهم على ما عداهم ووجوب استعباد الشعوب الأخرى كنتيجة لهذا الاحساس الخبيث.

ترى ما الذي تغير في ألمانيا مثلاً لدرجة أننا نرى أنهم يتصرفون كالملائكة مع اللاجئين اليهم من مختلف انحاء العالم، ما الذي جعل اليابانيين مثالاً للتحضر والتهذيب في عصرنا الحاضر بعد أن كانوا مجرد وحوش بشرية؟

بعد هزيمة الألمان في الحرب العالمية الثانية نصبت المحاكم في كل مكان وحوكم كل من كان يمت للنظام النازي بصلة ولو كانت صغيرة، لقد أُعدم وسجن كل مسؤولي النظام والجيش وطورد من فر منهم حتى أقاصي الارض وصرنا نقرأ عن مسؤول نازي فر الى أمريكا الجنوبية متنكراً وتم القبض عليه ومحاكمته بعد ثلاثين أو أربعين عاماً.

انتقام العدالة ليس له حد ولا مدى زمني عند هؤلاء الناس، إن جرائم الحرب عندهم لا تسقط بالتقادم وهذا ما وصل بمسؤوليهم الى هذا الحد من نظافة اليد وكفاءة العمل وشعوبهم الى هذا المستوى من الرقي والحضارة.

عند الشعوب المتخلفة مثلنا لايوجد هذا مع الأسف كما لاحظت، يسود مبدأ “عفا الله عما سلف”، و”فتح صفحة جديدة”. لا يوجد تأصيل لمبدأ العدالة والمحاسبة للحكام والمجرمين على حد سواء، بل يتم تبرير أفعالهم والتطبيل لها من قبل جوقة من المنافقين، وقديماً قالت العرب (من أمن العقوبة اساء الأدب).

وبالنظر الى واقعنا في اليمن فإني أقول إنه ما لم يتم معاقبة المسيء والاقتصاص للأبرياء الذين ظلمهم فلن تقوم لليمن قائمة، ما لم يحاسب كل من عمل مع الحوثة ويصادر المال الحرام الذي نهبوه أثناء سيطرتهم على موارد الدولة، وما لم يحاكم هؤلاء علنياً فإني أقولها من الآن، لا فائدة.

عناوين قد تهمك: