تصورات خاطئة تجاه الرسول الكريم

  

عادل الأحمدي

عادل الأحمدي يكتب: تصورات خاطئة تجاه الرسول الكريم


عادل الأحمدي:
تصورات خاطئة عن الرسول الكريم

عادل الأحمدي

صلوا عليه..

أظن أن هناك مشكلة حقيقية في التصور الإسلامي العام تجاه الرسول عليه الصلاة والسلام. هذا ما خلصت إليه بعد تأمل طويل وأترك الحكم لكم.

وفي البداية دعوني أخبركم أنني “همسة لملمت وَجْدَها من بخور الموالد”.. ترنمت في الموالد الصوفية فترة طويلة في إب، وقبلها استمعت الى تصورات من وعاظ الزيدية في مساجد باب القاع بصنعاء، وبدأت حياتي زيدياً أسربل.

وفي صيف 1995 بثّت الفضائية اليمنية أوبريتا غنائيا ودراميا يوم المولد النبوي، من تأليفي وتقديمي وأداء طلاب دار الأيتام وإخراج الأستاذ عبدالله زنبور. كنت للتو خريج ثانوية المعلمين، وكان شاربي يومها في بداية الاخضرار.

كتبت كثيرا في مديح النبي عليه الصلاة والسلام وتشرفت مرتين برؤيته في المنام أخراهما في 2017، قبيل أسابيع من ميلاد ولدي محمد الذي أسميته بهذا الاسم عرفانا لتلك الرؤيا الكريمة.

قرأت سيرته وسنته، وتمعنت طويلا في الآيات التي تحدد موقعه في التصور العام للدين، ولأن تخصصي لغة عربية توقفت كثيرا عند معاني مفردات الصلاة الشفوية.

ياسينُ ظلّلكَ الغمامُ بجنحهِ
والجذعٌ حنّ إذ احتواك المنبرُ

ما عُذرُ شبلكََ إن أدار يراعهُ
بالوصف ألا تستهامَ الأبحرُ

بيتان خطهما العزيز عصام الحمادي بخطه البديع وظلا في لوحة معلقة بغرفتي طيلة أيام الجامعة..

المهم:

يشدد القرآن الكريم على أن محمداً (عبدُ) الله.. ورسوله. وتصر العديد من تصوراتنا على القفز من جزيئة أنه (عبدُه) قبل (وبعد) أن يكون رسوله، وذلك ضمن الحرص القرآني على ألا تنحدر الأمة مع نبيها الخاتم كما فعل النصارى مع عيسى بن مريم عليهما السلام.

ولئن احتفل المسيحيون بميلاد المسيح فلأن مولده كان معجزة وحدثاً مغايراً للطبيعة، من هنا حرص أصحاب النبي، من بعده، على جعل يوم هجرته مبتدأ التاريخ الإسلامي وليس يوم مولده. وذلك للتأكيد على بشرية الرسول ولقطع الطريق على محاولات الاستثمار العائلي للدين، تلك التي نعيش بعضها اليوم.

ولعل الاحتفال بمولده عليه الصلاة والسلام مختلف من حيث المغزى من مكان لآخر ومن جماعة لأخرى، فمثلا يهتم مسلمو مصر بإحياء المولد لكونهم يعيشون الى جانب نسبة كبيرة من الأقباط، وبأسلوب لا يفضي الى تبعات سياسية لأسرة ما.

ولا يوجد مصدر واحد يؤكد يقيناً أن الثاني عشر من ربيع الأول هو تاريخ مولد النبي، بينما كلها بما فيها مراجع الشيعة، تؤكد أن هذا التاريخ هو تاريخ وفاته!

لقد انحرفت الكثير من التصورات تجاه النبي ومن ثمَّ الدين، فتماهت لدى بعض الصوفية الفوارق بين المرسِل والرسول، وتدخل الشيعة لتغيير مغزى الرسالة وصار النبي بالتالي ملكا مؤسسا، وانبثقت إثر ذلك تفضيلات، فالمركزية لدى الزيدية انتقلت لشخص علي وفاطمة كون الزيدية يجيزون الإمامة في كل حسني أو حسيني مستوفيا للشروط، وفي الفكر الاثني عشري انتقلت المركزية لشخص الحسين وعند الإسماعيلية انتقلت للإمام إسماعيل، ووصل الأمر لدى الغازي الرسي أن قال لأتباعه “إنكم اذا اتبعتموني فلم تفقدوا من رسول الله الا شخصه”! ومؤخراً نشر الشاعر المخبول معاذ الجنيد قصيدة مهداة للحوثي بعنوان “إني أرى فيك النبيّا”!!

لقد صار الرسول الكريم علامة مسجلة لعائلة ولم يعد نبي الرحمة، وصارت الإساءة له من قبل الآخرين اداة للحشد وإلهاب المشاعر وحرف الأنظار عن جرائم تُرتكب. وبالإمكان استثمار تلك الإساءات بطريقة تجلب التعاطف للإسلام لا جعلها مترساً للتخندق والدوغمائية.

أصدر الكاتب سلمان رشدي في الثمانينات، كتابه المسيء للنبي “آيات شيطانية” للتغطية على فضائح التعاون الإيراني الإسرائيلي، ولزيادة الحبكة أهدر خميني دمه وكسب شعبية، ومازال رشدي حياً يرزق لليوم في أزقة لندن!

بعدها، بدأت قصة الرسوم المسيئة قبل 15 عاما تقريبا، يوم كانت مدن عراقية تباد كالفلوجة والرمادي ويوم كان سجن “أبو غريب” يمتلئ بالأبرياء ولم تخرج مسيرة واحدة على طول الخط من جاكرتا الى طنجة، تندد بتلك الإبادات!

ولكن، بسبب الرسوم اندلع الشارع الإسلامي، وألهبت القنوات العواطف، وسقط قتلى بسبب التدافع في مسيرات الاحتجاج.. والله لم يفهموا مقاصد الدين ولا سنة النبي. وقد كتبت عن ذلك في حينه بصحيفة الناس.

سأختصر بالقول إن الماكنة المذهبية السلالية التي جعلت الصلاة على النبي سلوكاً يكاد يقوم مقام الذكر كله من تسبيح وتكبير وحمد واستغفار، ما كانت لتفعل ذلك لولا دخول الآل في متن الصلاة و”من لم يصل عليكم لا صلاة له”، كما ينسب للشافعي!! وكذلك لولا أن محمداً هو أب لفاطمة لما وجدت هؤلاء يحتفلون بمولده والدليل مخالفتهم لهديه وسب أصحابه وقذف زوجاته، والأهم من كل ذلك قتلهم لأتباع ملته.

أخيرا: التقيت قبل نحو 10 سنوات بالشيخ عايض القرني في صنعاء وكان الشاعر طارق كرمان حاضرا، بدأ كرمان بإلقاء قصيدة في المديح النبوي وبالكاد أكملها، فقد أطال بدرجة كبيرة، بل زاد أن قال: سامحوني، قرأت لكم فقط جزءاً من القصيدة فأنا أنوي نظمها لتكون ألف بيت!!

رد عليه الشيخ عايض (شفاه الله): يا طارق، ما حاجة النبي لقصيدتك الألفية، لقد كتب السابقون واللاحقون قصائد عصماء في مديح الذات المحمدية ولم يكتب سوى القليلين شعرا في الذات الإلهية واللهُ سبحانه أهل الحمد والثناء والتعظيم وهو الحي الذي لا يموت.

بعد فترة من ذلك اللقاء غنى محمد عبده من كلمات القرني أغنية “لا إله إلا الله”، المفعمة بتمجيد الذات الإلهية.