موسوعة الشميري وتزوير التاريخ: أحمد حميد الدين نموذجا (4)

  

زايد جابر

زايد جابر يكتب: موسوعة الشميري وتزوير التاريخ: أحمد حميد الدين نموذجا (4)


رابعا: شهداء ١٩٤٨ و١٩٥٥
عرف الإمام أحمد بجرائمه في قتل خصومه دون محاكمة، وولوغه في الدم دون تورع، لكن الموسوعة حاولت التقليل من أهمية ذلك قدر الإمكان، ففي الحديث عن شهداء ثورة ٤٨ قالت الموسوعة: “وقبض على رجال ثورة (١٩٤٨) فأعدم بعضا منهم وفيهم أخوه سيف الحق ابراهيم، وعبدالله الوزير الذي قامت الثورة باسمه وزيد بن علي الموشكي وجمال جميل العراقي ومحيى الدين العنسي وغيرهم وزج بالباقي في سجون حجة ثم أعلن نفسه حاكما رسميا للبلاد متخذا لنفسه لقب الناصر لدين الله”.
لقد اعدم الإمام أحمد ما يزيد عن ٤٠ شخصا من خيرة رجال اليمن بدون محاكمات، وكثير منهم لم يكن له أي دور في مقتل أبيه، لكن الموسوعة لم تشر الى ذلك كما انها أخطأت عندما اعتبرت سيف الحق إبراهيم أخو الإمام أحمد أول من تم اعدامه.. اذ هو لم يعدم أصلا فإبراهيم بن الإمام يحيى والذي كان على خلاف مع والده واخوانه، وتمكن من الوصول الى عدن عبر اثيوبيا التي ذهب اليها للعلاج، وأعلن انضمامه للأحرار في عدن والذين احتفوا به كثيرا، ولم يكن له ولا للأحرار في عدن علاقة بقتل والده، وبعد إعلان الحكومة الدستورية عاد الى صنعاء مع غيره من الأحرار وتم تعيينه رئيسا لمجلس الشورى، وبعد فشل الثورة قبض عليه وعلى عدد من قادة الثورة وأرسل الى حجة لكنه لم يرسل الى سجن نافع مع بقية الثوار وإنما أودع سجنا انفراديا يسمى بيت المؤيد، وظل معتقلا فيه إلى أن مات بعد شهرين من فشل الثورة، ويقال إنه مات مسموما.
وسواء صحت قضية السم أم لم تصح فهو لم يعدم كما أعدم الكثير من رجال ثورة ١٩٤٨ او كما أعدم أخواه عبدالله والعباس بعد فشل انقلاب ١٩٥٥..
هذا ما تقوله كتب التاريخ وهو ما نقلته الموسوعة نفسها في ترجمة إبراهيم بن الإمام يحيى وهذا يدل على عدم إدراك معدي الموسوعة للتناقضات الموجودة فيها. فضلا عن الهدف الواضح في ترجمة الإمام أحمد وهو إبراز ايجابياته والتقليل من جرائمه ما أمكن حتى ادعى كاتب الترجمة أن معظم ما نسب إلى الإمام أحمد لم يصح او لم يثبت.. بل وصل به الحد أن اعتبر قتل الإمام أحمد للشهيد البطل أحمد يحيى الثلايا دليلا على ذكائه وحنكته السياسية، حيث قالت الموسوعة: “وفي ١٣٧٤ هجرية ١٩٥٥م استطاع أن يخمد الانقلاب الذي قام به الضابط (أحمد الثلايا) في تعز ، وقبض على المخططين له، وانتهى الأمر بإعدام (الثلايا) في (تعز) بطريقة ذكية تدل على حنكة الإمام السياسية (!!!)، وممن أعدمهم في هذا الانقلاب أخواه: (العباس) و(عبدالله) الذي نصب نفسه اماما في هذا الانقلاب الفاشل” ا.ه.
لا أدري أي جرأة تملكت كاتب الترجمة ليصف مقتل الثلايا بالذكاء والدليل على الحنكة السياسية!! لقد كان بوسع الثلايا ورفاقه أن يقتلوا الإمام أحمد لكنهم لم يفعلوا واكتفوا بإجباره على التنازل لأخيه عبدالله ثم تركوه -وهذه أحد الأخطاء التي افشلت انقلابهم- وحين تمكن من افشال الانقلاب ألقى القبض عليهم وأودعهم السجن ولكنه لم يكن أهلا للعفو عند المقدرة وقد رفض كل الوساطات الداخلية والخارجية وكان الوفد المصري بقيادة حسين الشافعي وعضوية فتحي الديب مسؤول ملف حركات التحرر العربية برئاسة الجمهورية والمخابرات المصرية والوفد السعودي برئاسة الأمير فهد بن عبدالعزيز قد التقوا بالإمام احمد في تعز بعد فشل محاولة الانقلاب وذلك “لدراسة الموقف مع محاولة الحد من قيام الإمام أحمد بأي إجراءات انتقامية ضد العناصر الوطنية” حسبما يؤكد فتحي الديب في كتاب “عبدالناصر وحركة التحرر العربي”.
لكن الطاغية أحمد لم يستمع لأحد فقد أخرج الشهيد البطل يوم ٦ ابريل وهو مقيد بالسلاسل الى ميدان الإعدام وأمام الجنود والأفراد الذين جمعهم ليشهدوا حفل الإعدام بدأ يعدد إنعامه على الثلايا وكيف قابل إنعامه بالاساءة ثم قال ألا يستحق هذا الإعدام قالوا نعم.. نعم.. وأمر بإعدامه ثم مرق من الميدان مسرعا وكأنه خاف ردود الفعل كما يقول القاضي الارياني.
أما الشهيد الثلايا فقد نزل ميدان الإعدام شامخ الراس واثقا شجاعا قائلا للطاغية: إني لم أندم على ما فعلت ومعك السيف فاصنع به ما شئت! فأين الذكاء والحنكة السياسية في إعدام معتقل أسير دون محاكمة؟ ولم تذكر الموسوعة من أعدم مع الثلايا سوى أخوي الإمام عبدالله والعباس، وتجنبت الإشارة الى أن السفاح أحمد كان يعتمد سياسة توزيع الإعدامات كما يقول القاضي عبدالرحمن الارياني “بهدف إرهاب معارضيه.. ففي يوم ٧ ابريل قام بإعدام القاضي يحيى السياغي حاكم تعز الثاني والضابطين محسن الصعر ومحمد ناصر الجدري، وفي ٨ ابريل أعدم الضابط علي حمود السمة، وفي يوم ٩ إبريل قام بإعدام الشيخ علي حسن المطري والشيخ عبدالرحمن الغولي، وفي ١٠ ابريل أعدم محمد حسين عبدالقادر والضابط حسين الجناتي، وفي ١١ ابريل أعدم القاضي حمود السياغي والضابط أحمد الدفعي، بينما أعدم يوم ١٣ ابريل في حجة شقيقاه عبدالله والعباس، وفي صنعاء أعدم القاضي عبدالله الشامي، وفي ١٧ ابريل أعدم الضابط قايد معصار، وكان السادس عشر في عدد المعدومين وبإعدامه انتهت الإعدامات وقد ارتوى السيف وارتوى الطاغية!”.
لم يشر مؤلف الموسوعة الى ذلك ولو بجملة واحدة مكتفيا بذكر إعدام الثلايا الذي رأى فيه دليلا على ذكاء وحنكة الإمام السياسية!! وذكر ممن أعدم معه أخوي الإمام فقط!، بل وصل به الأمر في التقليل من هذه الجرائم التي ارتكبها الإمام أحمد ومحاولة الدفاع عنه وتلميع صورته أن قال إن الإمام أحمد “بعد أن سكن غضبه فك الأسير ورحب بالراجع اليه وأخذ يتصدق ليجبر الكسر، وليأسو الجرح، مع شيء من الشدة والصرامة”.. هكذا إذن كل تلك الدماء التي سفكها والأرواح الطاهرة التي أزهقها دون محاكمة مجرد ثورة غضب وما أن هدأ غضبه حتى قام يتصدق ليجبر الكسر ويأسوا الجرح!!
وليت شعري أي كسر جبر وأي جرح ضمد؟ ثم ماذا.. قال يتصدق؟ يا للهول.. الإمام الذي نهب أموال الشعب وصادر أوقافه وزكواته وضرائبه وكل شيء يتصدق!
ذكرني مؤلف الموسوعة بحديثه عن صدقة الإمام أحمد بما ذكره مؤلف سيرة الإمام الهادي كيف أنه لما غزا المهاذر في صعدة ونهب دوابهم ومواشيهم وممتلكاتهم دون حرب ثم أخذ منها الخمس ووزع الباقي على مرتزقته جاءه أهل المهاذر يشكون ويطلبون عطفه ورحمته فرقّ لحالهم وتصدق (عليه السلام) لهم ببعض حقه من الخمس!!
لم يخرج الإمام أحمد عما فعل جده الهادي ولم يخرج مؤلف الموسوعة أو بالأصح ترجمة الامام أحمد بالموسوعة عما فعل مؤلف سيرة الإمام الهادي!
نهب أموال اليمنيين ثم ذهب يتصدق ليكفر عن قتله لأحرار اليمن!!:
كمطعمة الأيتام من كد فرجها
لك الويل لا تزني ولا تتصدقي!
ولك الويل يا صاحب الموسوعة ويا كاتب الترجمة كيف تجرأت لتمدح الطاغية وتقلل من جرائمه، ولنا الويل إن سكتنا عنك وأنت تزوّر التاريخ وتجرح كبرياءه!

عناوين ذات صلة: