الذماري 

قصة الذماري للكاتب والروائي زيد مطيع دماج


صنعاء 1949م.. الدستور شخصٌ مطلوب القبض عليه.. كافر.. قبيح المنظر.. في شكل وحش.. يلبس أشكالاً مختلفة.. ربما يكون حليق الذقن، له قرنان في رأسه أو أكثر.. يلبس “البنطلون”، لباس الفرنجة في بلاد الكفر.. “بلاد مدخَل”.. زوّجهُ “الدستوريون” على “الشورى” في عقد غير شرعي..
“باب اليمن” يفتح في الصباح ويقفل في الغروب كسائر الأبواب المحيطة بصنعاء…
رجلٌ عادي شدَّ انتباه الناس إليه ذقنه الحليق ولباسه الغريب: بنطلون و”بلوفر”… الغبار يعلوه وحقيبته الصغيرة بيده… دخل من “باب اليمن” ظهراً والغبار يحتزم بشتى أنواع القشاش والجراثيم…
سأل حارس الباب:
– سيدي…!
– سيدك الله… ماذا تريد؟
– أين أجد مطعماً أو فندقاً؟
– لا أفهم ماذا تعني؟
– مكان آكل فيه واستريح وأنام..
– فهمت.. “سمسرة وردة” داخل المدينة بجوار “سوق الملح”…
واتجه نحو سوق الملح يمشي في أزقة ضيقة… سحره رونق البناء اليمني… كان يتوقع أن يجد يافطة تشير إلى “فندق وردة”… حاول أن يسأل لكنه وجد الناس تكاد تلتهمه بأعين مستنكرة.. لم يهمه ذلك أكثر من أن يجد مكاناً يأكل فيه ويستريح بعد رحلة شاقة وطويلة على ظهر الحمار.
كانت صنعاء مدينة قديمة محاطة بسورها الترابي وأبوابها المزنجرة خالية من أي مظهر عصري.. وكان سوق الملح هو السوق الوحيد الذي تجد فيه الحوانيت خارج المنازل، فأكثر حوانيت صنعاء كانت غرف داخل منازل التجار.. التجارة فيه كانت من نوع الأسواق الشرقية القديمة التي وصفها الرحالة العالمي “ماركو بولو” في رحلته عبر الشرق.. كان سوق الملح قطعة مصغرة من أسواق بخارى وسمرقند القديمة..
كانت الأحداث التي سبقت هذا العام وأدت إلى مقتل الإمام يحيى مازالت حديث الناس، والدستور كان له صورٌ مختلفة في أذهان المواطنين حسب المعرفة الخاصة لكل شخص. كان الأكثر معرفة يعرف الدستور بأنه كفر وإلحاد وكتاب وضع ليعارض القرآن. وأصبح “الدستوريون” رجالاً زنادقة مغضوباً عليهم… قُتلوا وسُحِلوا وصُلبوا في الشوارع، وشُرّدت أسرهم وأصبح أبناؤهم “دستوريين” يتلقون الشتائم من زملائهم عند فقهاء المدارس الصغيرة “الكتاتيب”.
كانت صنعاء مغضوباً عليها أيضاً من قبل الإمام الجديد، ومازالت آثار النهب والسلب بادية على معالم البيوت والحوانيت.
* * *
انزوى في ركن مظلم في “سمسرة وردة”، بجوار أناس مشعثين من رجال القبائل الداخلة إلى صنعاء. كم كان يود الحديث مع أي شخص لكنه صُدمَ منذ أول وهلة بفضاضتهم فأعرض عن الحديث لفترة…
وجد ضالته في شخصية “المقهوية”، تلك المرأة اليافعة، أعطاها من العمر تخميناً عشرين عاماً لكنه اكتشف بعد ذلك أنها تجاوزت ذلك فعجب لجمالها الرائع. كم حاول في نفسه أن يبدي لها نصحاً في تحسين نظافتها والمحافظة على جمالها! ومع ذلك كانت تملأ المكان بحيويتها، وسعيها الدائم إلى كل ركن من أركان “السمسرة” الفسيحة حاملة كل شيء.
استطاع أثناء “المقيل” أن يخلوا بها في مقر إدارتها العلوي، تاركاً جيرانه من النزلاء المشعثين يمضغون “القات”. وجدها مهيأة للخوض معه في حديث جديد، ولمعرفة حكايات غريبة بعد أن عرفت أنه جاء من “وراء البحار”.. رحَبتْ به:
– ألا تستعمل “القات”؟
– تركته منذ الغربة.. فهنالك أشياء تقتل الملل بطرق أفضل من مضغ القات..
– لابد أنها مجالس أنس ومرح… ومجون…؟!
راعه إدراكها لمثل هذه الأمور، ولمح في لهجتها رنّة خاصة أكثر بكثير من دعابات الغواني في الموانئ المشهورة… تحفّظَ في بداية الأمر لأنها في شغل دائم الحركة… وصف لها البحار والموانئ ونوادر اللغة وفتيات الحانات في “هونج كونج” و”زنجبار”…
– أصناف الخمور البلدية في صنعاء جيدة وخصوصاً إذا كانت من أول قطفة… ويصنع بمهارة وحذق كما يصنع اليهود الحلى الذهبية والفضية…
– كل شيء يُبذل فيه مجهود فردي فهو نادرٌ ومحبب… لكني لم أذقه إلى الآن…
– أتحب أن تشرب؟
– وماذا عن “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”؟!
– في المساجد فقط..!
تردد في الإجابة فهو لم يحقق بعد الغرض الذي جاء من أجله إلى صنعاء.. وكان لديه عملة أجنبية تحتاج من يعرف بها أولاً، ويخاف أن تنفد قبل أن يستقر… لكنه قال متسائلاً:
– وكم الثمن؟
– لكل نوع ثمن… حسب الجودة..
– النوع الملائم..
ثم استدرك قائلاً:
– ولكن كما تعرفين.. زملائي في المنام كثيرون وهم من قبائل شرسة فأرجو المعذرة..
– لا يهم ذلك… لقد أمرتُ أحد الصبية بنقل متاعك إلى مكان مجاور على سطح “السمسرة”…
– هذا كرم منك..!
– مع فارق الأجرة…

* * *
شعر بالراحة في مسكنه الجديد… غرفة ضيقة محشورة السقف لكنها تتيح فرصة للهدوء… كان سطح “المقهاية” الواسع يمتد كأنه ساحة “لكازينو” جميل وخيالي حالم… وانتهى الضجيج الذي احتمله أول ليلة…
دقّتْ عليه الباب بعد أذان العشاء… فتح لها فدخلت وأخرجت من تحت إبطها زجاجة مملوءة بخمر بلدي نقية صافية كزلال الماء… وأقفلت الباب فأخرج مقداراً من النقود الفضية ودفعها نحوها فابتسمت ورفضت أخذها قائلة:
– هذه ضيافة بمناسبة انتقالك إلى هنا.
– أهي عادة لنزلاء هذا المكان؟!
لم تعره إجابة بل فتحت الباب وخرجت… شعر بأنها جرحت في كبريائها وندم لقوله المتسرع… خلع ثيابه ثم ارتدى لباس النوم وأخذ كأساً ثم خرج إلى السطح… كان يفكر في سلوكه المشين نحوها… لعن نفسه فقد كان يأمل منها المشورة… وأشياء أخرى..!
* * *
نهض مبكراً وقد عزم على إرضائها… بادرها بالتحية فردت عليه بأسلوب عادي… كانت تحاول تجنب النظر إليه لكنه وقف بإصرار تائب، ولما لم تعره انتباهاً تململ فالتفتت إليه بنظرة حادة قابلها بفرحة انبسطت لها أساريره، فأرجعت كلاماً جافاً كانت ستلقيه عليه ثم سألته:
– هل نمت جيداً؟
ووثب نحوها ثم انحنى وقد رفع عطفات بنطلونه وقال:
– لم أنم جيداً…
– أظن أن هناك ما تشكو منه!
– نعم…
– قمل… براغيث هائجة؟ هذه حال بلادنا.
– لا شيء من ذلك…
ونظر إليها بندامة ثم استطرد قائلاً:
– لقد تألمتُ كثيراً لذلك الموقف السخيف الذي وقفته أمس البارحة.. لم أقصد جرح شعورك.. وإنما قصدت بقولي أن يؤخذ مأخذ المزاح..
وتمهل حتى يتيح لها فرصة عسى أن ترد عليه لكنها أطرقت قليلاً وانشغلت مع نزلاء آخرين وقد لاحظ تورد وجنتيها فقال:
– سيدتي… أرجو المعذرة وصفحك عني حتى أستطيع أن أطلب الله، أبحث عن عمل…
نظرت إليه بحزم مسبوغ بتودد خفي قائلة:
– كنت أظن أنكم معشر المغتربين قد تعلمتم الحياة وآداب الناس النصارى.. ولكن اليمني متوحش ومغرور حتى ولو دخل الجنة..
– أرجو المعذرة.. فلم يكن قصدي ما تعتقدينه..
ولم تجبه فاستمر قائلاً:
– أرجوك أن تبتسمي على الأقل..
وبعد إلحاحٍ ابتسمت عن ثغر ارتسم أمام عينيه طول تجواله في أرقه المدينة…
* * *
عاد خائباً مكتئباً لكنه مفعمٌ بأمل آخر… اقترب من “المقهاية” فانبسطت أسارير وجهه وأحس بانتعاش لطيف… استسخف نفسه لعدم معرفة اسمها… لقد كان الكل يدعوها “بالمقهوية” أو يا “هذه”… ربما يكون اسمها “وردة”… ويا له من اسم.. اقتنع بذلك..
توقف أمام الباب وأخرج منديلاً ومسح به الأتربة اللزجة من على جبينه وداخل أذنيه ووجهه… يريد أن يظهر أمامها بصورة جميلة لن تفلت من ذاكرتها بعد ذلك… وجدها في خلوتها تمضغ “القات” مع بعض السذج ممن يرتزقون بجوار المقاهى والحوانيت… لاحظ رونقها الجديد وقد اغتسلت وتزينت بجلباب حريري محتشم ومع ذلك فقد برز نهداها من خلاله كجبلين صغيرين خارج صنعاء، وأسبلت شعرها من خلال “العصاب” المزخرف… واقترب منها وقد ألقى التحية بتودد كمن قد أصبح من أهل البيت فنظرت إليه مبتسمة باستغراب لهذا التودد، فقال متسائلاً:
– وردة!… وردة!.. أظن أن هذا اسمك..
فنظرت إلى السذج الذين بدأوا يضحكون لذلك ويتغامزون للباسه الغريب فنهرتهم فخرجوا مجفلين بينما قال فاخراً:
– كم يعجبني فيك قوة الشخصية وانصياع الناس لأوامرك!
– أنت تبالغ…
– لم أقل إلا الصدق والحقيقة…
– انهم رعاع سذج مساكين. ثم أرجوك عدم الإقدام هكذا ففيه إحراج لي.
– تواضع منك يا عزيزتي..
وجلس أمامها وهو يحدق إلى وجهها بإمعان فنظرت إليه قائلة:
– ما كل هذا…؟ أرجوك!
– ماذا؟
– إمعانك إليّ بالنظر.
– لا أستطيع مغالبة ذلك.
– هذا كلام مسموع.
– ممن؟
– أنعود مرة أخرى؟
– أرجو المعذرة…
وساد الصمت فترة وجيزة فسألته قائلة:
– هل تناولت شيئاً؟
– أكلت بعض الحلوى من أحد الحوانيت..
– وماذا عملت
– لا شيء…
– ماذا تريد أن تعمل؟
– مترجم..
واستغربت لهذا اللفظ الجديد، فشرح لها أنه يجيد عدة لغات أحدها الإيطالية التي يجيدها بشكل جيد، ويريد أن يعمل مع الطبيب الإيطالي الوحيد في البلاد، فقالت:
– لقد عرفته… أعني هذا الطبيب.. أحمر البشرة كأنه مؤخرة قرد وكلامه غريب لا يُفهم… ويبدو أنه سوقي..
ضحك فطلبت منه أن يتكلم بلغة الطبيب فأجاب رغبتها وبدأ يتكلم بالإيطالية ويترجم لها وهي تضحك بلذة لكلامه.. وسرعان ما كانت تداعبه بلطمات مرحة على فخذية فأمسك بيدها.. وساد الصمت فترة…
* * *
ظل منتظراً لمقدمها في مقصورته وقد أحاط الظلام بكل شيء، وبزغ القمر من خلال قمة جبل “نُقم” العالية فقال لنفسه “يا للعاصمة… تنام مبكرة كأن “نُقم” سيداهمها خوفاً ورعباً أثناء الظلام”.. أبطأت في مقدمها فحدث نفسه: “ربما تتعمد ذلك”.
خرج إلى السطح الفسيح وتمشى قليلاً ثم سمع وقع أقدام نحو الغرفة فوجدها قد سبقته إلى بابها فقال:
– لقد تأخرتِ كثيراً..؟
– أولم تتعود الانتظار..؟
– الفارق كبير..
– أتريد أن أصدق ذلك؟
– هذه هي الحقيقة…
ابتسمت ونظرت إلى القمر وهو يعلو جبل “نُقم” فقالت:
– هذا جبل “نُقم”… أو لم تسمع عنه؟
– لقد سمعت به كثيراً من خلال صحف الأحرار الصادرة في عدن وغيرها…
فصمت قليلاً وقالت:
– أتقصد أولئك الذين قطع الإمام رؤوسهم؟
– ربما…
– وهل أنت دستوري؟
– ما هو في نظرك الدستوري؟
وتوقفت وقد احتارت ثم قالت:
– يقال عنهم أنهم كفار.. أصدقاء للشيطان.. وقد خلقوا كتاباً يشابه القرآن.. وزوجوا الدستور بالشورى زواجاً غير شرعي..
وابتسم ولم يحاول العودة إلى ذلك الحديث.. لكنها انشغلت وقالت:
– هل أنت منهم؟ أرجو أن لا تكون كذلك فهي مصيبة!
– لماذا؟
– ستجلب لنفسك الأذى..
– لا أعتقد ذلك..
– كيف تقول ذلك؟
– أتخافين عليّ؟
– لا أقصد ذلك… إنما ما الداعي لتجلب لنفسك الأذى؟
– الحقيقة… أنني لست منهم ولا أعرفهم وحالي كحالك..
– أتقول الحقيقة؟
– أقسم على ذلك.
سرها الأمر لنجاته كما تمنت، ودخلا الغرفة وقد تلطف الجو… أعد لها مكاناً بجواره… سألته وهي تصب الخمرة عن حياته السابقة فأجابها مفصلاً وقد لطفت الخمرة ذهنه وذكرياته فأسهب في حكاياته. كان يريد إيهامها أنه يحاول إخفاء مغامراته الجنسية في بلاد الخارج فقال متحدية:
– لا أعتقد أنكم ناجحون في هذا المضمار..
فانبسط كثيراً لتحديها له وقرع لها الكأس قائلاً:
– في صحتك…!
لم تفهم المراد من المعنى فقال:
– هذا أول شرط لنجاح أي صداقة يا عزيزتي..
ضحكت وقالت:
– سخف…
فضحك ومال نحوها، فتحركت وطوقته بيدها، فقبلها في يدها لكنها قبلته على خديه فلم يمهلها فقبلها مرة أخرى في شفتيها دون أن يترك لها فرصة للتملص… وكانت الرغبة لديها فاحتضنته وقد تمايلت نحو الأرض، فأبعد من على رأسها “العصاب” وذابا مع الرغبة..

* * *
أثارت الرياح في ذلك اليوم الأتربة في أزقة صنعاء فانكشفت أنواع الأقمشة الهندية المزركشة التي تلبسها النساء من تحت “الشراشف” وأنكشف جمال جذاب مختفٍ تحت الستائر السوداء… أياد بيضاء كالشمع مخططة بخضاب أسود بتطريز مبدع مع أساور من الذهب تجعلها آية في الفتنة.. وخصور نحيلة تبرز انثناءً جذاباً وأنثوياً صارخاً لأجساد كالشهد..
لشدة الرياح ارتفعت البراقع الشفافة لتبرق عيون رائعة براقة لم يشاهد مثلها من قبل، وأنوفٌ كالسيوف المهندة تبرز من تحت النقاب الذي يغطي نصف الوجه…
تخيل “وردة” في كل واحدة ينقشع عنها السواد لعصف الرياح.. وعجب لهذا الجمال الدفين. قال لنفسه بأسلوب شاعري “فالكنوز دائماً مدفونة… والمجوهرات الثمينة تختفي عن الأعين فترات طويلة من الزمن… لهذا كان سر القيمة في الندرة والحفظ الحريص”..
ظلَّ طوال النهار كذلك وقد كاد أن ييأس مما جاء من أجله في غمرة السعادة الذي لقيها في “سمسرة وردة”.. وعاد ليجد “وردة” على حيويتها الدائمة…
تحدث معها في المساء عن صنعاء ونساء صنعاء، والجمال الدفين كما قال، فضحكت قائلة:
– ينقصهن لفحة شمس ليكون “الدم حالي”..
وفهم عكساً كما تخيلت فقال:
– العمل ليس عيباً يا “وردة”.. إني أقدر كسبك للحياة بعرقك دون الركون لثروة أو رجل غني..
– لا تكن مختالاً..!
– ماذا؟
– هن بنات دور وقصور ومهور عالية… والوصول إليهن صعب…
– والهوى!؟
– يُـمارس بأقل التكاليف… المهم هو الإعجاب…
لم تكمل سهرتها معه تلك الليلة مع كل إلحاحه الشديد… عرف أنها تعمدت ذلك لتحد من طموحه الجشع والنهم… فقدر شموخها واعتزازها…
وخلى لنفسه تلك الليلة، وعزم على أن يجد العمل أولاً قبل الراحة… وتعجب للقدر الذي وفَّرَ له الراحة قبل العمل وبدون جهد يذكر… وتعشم في ذلك خيراً… فبات ليلته متفائلاً…
سألها في الصباح عن الطريق للوصول إلى غرضه فسألته:
– من أي مكان أنت؟!
عجب لسؤالها الغريب فأجاب:
– من قضاء “ذمار”…
– “ذماري”!
– نعم..
– “نار صنعاء ولا جنة ذمار”..
– مثل غير صحيح… فالغربة تغير الكثير… ومع ذلك لم ترشديني إلى ما سألتك عنه..
– العمل لن يتسنى لك إلا عن طريق “عامل صنعاء” وهو الآن من “تعز”… شيخ كبير وعساكره من بلاده ستعرفهم من زيهم الغريب..
– سأبحث عن أحدهم ليصلني “بالعامل” إذاً… فأنا أعرف قيمة “العامل”.. عندما وصلت “ذمار” وجدت أن كل شيء مربوط “بالعامل”… كل شيء..
– ربما يختلف ذلك في صنعاء لوجود الأمراء والسيوف والقضاة الكبار.
– وأين أجد “العامل”؟
– في “باب السباح” تجد عساكره… أو لم تعرف مقر الحكومة إلى اليوم؟
– لا… لقد سبحت كثيراً في الأزقة..
– يا لك من غريب…!
وصمت قليلاً ثم حاول أن يعطيها مبلغاً من المال أجرة المبيت والأكل فقالت:
– وهل تزمع الرحيل بعد إيجاد العمل؟
– لن أرحل من هنا… ولكني غريب وأريد أن أعطيك مستحقك…
– لا تعجل… ابحث عن العمل أولاً…
وتمهل قبل خروجه ثم عاد وسألها:
– لماذا لم تعودي ليلة البارحة…
– سؤال في غير محله…
ابتسم، ثم خرج نحو “باب السباح”… سأل عنه فوجد أنه قد سار به من قبل عدة مرات… رأى أنواع الفواكه المحلية: عنب… برقوق… لوز… جوز… وبهارات… ذكر أنه قد شرب عصير أحد مستحضرات صنعاء الحلوة… ذهب إلى نفس المحل وطلب نفس العصير… لمح أنواعاً مغرية من الحلوى.. طلب صحن من حلوى “الرواني” تلذذها..
ثم سأل صاحب الحانوت:
– سيدي أين مقر “العامل”..
– هنالك…
وأشار له إلى مبنى مرتفع حوله جلبة من الناس فقال:
– كيف الوصول إلى مقامه؟
– إذهب وزاحم الناس وادخل…
– هكذا؟
– هكذا…
– أريد تجنب الزحام.. ألا يمكن بواسطة عساكره..؟
– يمكن..
وتلفت التاجر إلى الشارع ثم قال:
– هنا أمامك واحد منهم… فهم دائماً يلبسون “الدساميل المعثكلة”.. لباس “اليمن الأسفل”…
شكره وذهب… وجد ضالته في أحد الجنود وقد أحسن الاختيار لكي يصل بسرعة إلى “العامل”… تقرب منه بتودد وبعد مقدمة تعريفية أخبره بطلبه… تفرس فيه الجندي بإمعان وأخذ بيده إلى زاوية وقال:
– عملك مطلوب ومريح… والوصول إليه صعب… ولذلك فلابد من هدية “للعامل” لكي تصل إلى تحصل على العمل بسرعة…
– ما تراه لا أمانع فيه…
أخذ الجندي بيده وسارا نحو سوق الأقمشة بجوار “سوق البقر”… ودخلا محلاً للأقمشة الشامية والمصرية… وتكلم العسكري مع صاحب الحانوت فأعطاه “طاقتين قماش” حريري “ممتاز” وبعض “دساميل” هندية مزركشة، وكان المبلغ غالياً فقال العسكري لصاحب الحانوت فجأة:
– سأذهب بكل هذا إلى مولانا “العامل”، فإذا ناسبه سندفع لك الثمن.
– لا مانع عندي ولكن عجل بالثمن إذا ناسب مولانا “العامل”.
وأخذ العسكري بيده وذهبا فقال له متسائلاً:
– لماذا لا ندفع له الثمن الآن؟
– لا تكن جواداً… أنت لا تعرف تجار صنعاء… من أين أنت؟
– من “ذمار”.
– إيه… “نار صنعاء ولا جنة ذمار”… لا أعتقد إلا إنك أحذق من ذلك.
ضحك للمثل المعاد في نفس اليوم بينما قال العسكري:
– اعطني الثمن… فأنا أخبر منك..
تحير قليلاً وقد شده المثل المعاد فتحذق وأعطاه نصف الثمن وقال:
– وإذا رأيت في الغد أن نزيده فلا مانع عندي.
وأخذ منه ذلك على أن ينتظره في الصباح الباكر أمام دكان بائع “الرواني”، وسيمر عليه لإدخاله إلى “العامل”.
عاد إلى “وردة” وقد اشترى لها هدية مصرورة في قرطاس اعتقد أنها أحق بها من العامل.
لمحت فيه انبساطاً أثناء دخوله. صفّر لها بنغم “البالة” فجذبها النغم. لكنها نظرت إلى النزلاء فوجدتهم ملتفتين إليه بانتباه. خاطبهم وقد اقترب منهم أكثر والصفير مازال يشدو:
– “البالة” من أرقى الفنون الشعبية في العالم… لكن هنا يموت كل شيء حتى النغم الحزين.
لم يفهموا قوله فكرر بطريقة خطابية رأيه عن الفنون والمزامير والطبول و”البَـرَع”…
ضحكتْ… فاتجه إليها وقد أخفى صرة الهدية خلف ظهره وقال:
– نار صنعاء ولا جنة “ذمار”.
– لقد أصبحت ناراً…
– النار في قلبي…
غمغمت بحياء واتجهت نحو مكانها فتبعها وهو يصفر بنغم “البالة”.
قالت وقد أقفل الباب وراءه:
– إنك تحرجني أمام النزلاء.
– كم تحتاج صنعاء إلى جو نقي يعيد لها رونقها!
– لا تكثر من هذا الكلام الغريب فقد يظن غيري أنك من بقايا الدستوريين!
– يا لطيف! أعوذ بالله… وألوذ إلى “ورده”…
ابتسمت ثم أشارت إلى الصرة التي لمحتها وهو يحاول إخفاءها فقالت:
– ما هذا…؟
نظر إلى الصرة وحاول اخفائها مرة أخرى؛ لكنه ضحك وقال:
– هدية متواضعة لمن خلقت من صنعاء الكئيبة مدينة أحلام، ولمن جمعت بين نار “ذمار” وجنة صنعاء.
– لمن..؟
– “لوردة” الخالية من الشوك…
– لا ورد بلا شوك!!
– من أجل ذلك عشق الناس الورد.
– كلام جميل…
– أجمل ما في الوجود هو “سمسرة وردة”…
فأطرقت حياءً… وصمتا لحظة قام خلالها بفتح الصرة وأخرج من داخلها قماشاً حريرياً مزركشاً غالي الثمن وطرحتين شفافتين وقدمها إليها…
– هذا شيء كثير!!
قالت ذلك وقد زاد تأثرها، فحاول الخروج من موضوع الهدية وقال:
– لقد وجدتُ العمل..
– صحيح!؟
– تقريباً…
روى لها القصة… فرحت لقرب استقراره ثم أطرقت قليلاً وقالت:
– وهل ستترك “السمسرة” إلى مكان آخر تستقر فيه مع عائلتك؟
ابتسم لتساؤلها، وقد عجب لسؤالها عن العائلة لأول مرة فقال:
– أتقصدين زوجة؟
– نعم… وأولادك!
– ليس لي أحد من هذا القبيل…
– هل معنى ذلك أنك ستبقى هنا؟
– لقد قبلت العيش في نار صنعاء..
– وجنة “ذمار”؟
– إلى الجحيم…
وأمسك بخصرها فتمايلت متمصلة فأطبق على شفتيها بقبلة… وسمعا صياح نزلاء جدد فخرجت وقد أصلحت هندامها…
* * *
قضى ليلة ممتعة أخرى مع “وردة”، واكتشف مجالات أخرى في ذكائها وحسن طباعها…
– هل من اللائق مقابلة “العامل” بلباسك هذا الغريب؟
– ليس معي غيره…
– كان بإمكانك تدبير ذلك من قبل…
– لا يهم… فربما يزيد من أهميتي لباسي الغريب هذا.
– قد يستاء “العامل” من لباسك هذا…
– لماذا؟
– لقد كان معظم “الدستوريين” يلبسون هكذا…
– لا يهم… فلقد تحول العالم إلى زي واحد…
– أتقصد أن هنالك بلدان تلبس مثلك؟
ضحك لقولها… وشرح لها لباس البلدان التي زارها… طلبت منه التكلم بلغة النصارى… تكلم لها وترجم…
* * *
انتظر طويلاً أمام حانوت صانع “الرواني”… كاد الظهر أن يحين ولا وجود لعسكري “العامل”… انتابه القلق… تعلل بأن يكون العسكري قد أعاد البضاعة إلى صاحب الحانوت فربما لم تصادف رغبة “العامل” وذوقه. لكن كيف يمكن التأكد من ذلك فهو لا يتذكر أين حانوت الأقمشة.
أخذ يتجول في مكانه بقلق…
لمح صاحب حانوت الأقمشة مقبلاً نحوه وخلفه ثلاثة من عساكر “العامل” بزيهم الخاص وقد أشار لهم صاحب الحانوت نحوه وهو يقول بفضاضة:
– هذا هو… الذي كان مع العسكري…
اندهش لذلك فخاطبة أحد عساكر “العامل”:
– أجب مولانا “العامل”!
– لماذا؟
تساءل بدهشة بينما تفرس فيه الجنود ملاحظين لباسه الغريب ودفعه أحد الجنود أمامهم… فسّرَ الموقف على أنه نجاح العسكري في وساطته عند “العامل”.
زاحم به الجنود ومن خلفهم صاحب حانوت الأقمشة بين الناس الشاكية عند “العامل”…أوقفوه خارج باب “ديوان العامل” حتى بُلّغ به.
دخل والجنود من ورائه وقد صاح صاحب الحانوت مخاطباً “العامل”:
– مولانا “العامل” الله يحفظكم… هذا هو الرجل..
ونظر إليه “العامل” من خلف نظارته المكبرة للحروف، وتفحصه بدقة وقد حدق نحو ملابسه فقال لصاحب الحانوت:
– هل تأكدت بأن العسكري الذي أخذ منك البضاعة ليس موجوداً بين عساكري؟
– نعم يا مولاي… لقد تأكدت… ليس موجوداً… الله يحفظكم.
– وهل هذا الرجل كان مع العسكري؟
– نعم يا مولاي وقد ذهب معه بالبضاعة… الله يحفظكم.
اندهش لهذا الموقف بينما اتجه نظر “العامل” إليه قائلاً:
– هل أخذت من هذا الرجل بضاعة؟
– لم آخذها أنا… بل أخذها العسكري…
– لماذا؟
– لجنابكم كهدية متواضعة…
ضج الديوان بالتساؤلات الهامة وقد انتبه “العامل” فوضع نظارته وقال:
– أتقصد أنها لي؟
– نعم…
– وممن هي؟
– مني يا مولاي.
– ومن أنت؟
– مترجم يا مولاي… أترجم اللغة الإيطالية إلى اللغة العربية…
– ومن أي بلد؟
– من “قضاء ذمار”… كنت مغترباً ورجعت…
– “ذماري”؟
– نعم.
غمغم “العامل” وقد أُحرج أمام الحاضرين الذين أخذتهم الدهشة ففيهم من سينقل ذلك لمن يخشى عقابهم. فقال وقد أعاد رباطة جأشه:
– أتعرف ذلك العسكري يا “ذماري”؟
– نعم بلباسه كأمثال هؤلاء…
– وهل هو موجود بينهم؟ تأكد من ذلك!
وتفحص عساكر “العامل” فلم يجد له أثراً، فقال “العامل”:
– هه..! هل عرفته؟
– ليس موجوداً.
تحير الحاضرون فنهض أحد الكتبة إلى “العامل” وقال:
– مولاي… ربما يكون بعض العساكر في السوق.
ونادى “العامل” على رئيس عساكره وقال:
– هل أحد غائب من العساكر؟
– لا يا مولاي فكلهم حاضرون.
وهاج الديوان من جديد بتساؤلات هامسة. واحتار في هذا الموقف الذي لم يكن يتوقعه وتصبب عرقاً وقد شعر بصدمة لأول مرة منذ وصوله. ولما ساد الصمت صاح يخاطب “العامل”.
– سيدي!
– ماذا؟
– لقد جئت آملاً أن أعمل مترجماً مع الطبيب الإيطالي.
– وبضاعة الرجل؟
– ليست معي إنها مع العسكري…
– لكنك كنت معه…
– هذا صحيح… لكنه أخبرني أنها هدية لكم وقد دفعت نصف ثمنها له وأعطاني موعداً إلى صباح اليوم… وانتظرت ولم يحضر…
– وهل سلم القيمة لصاحب البضاعة…؟
– لا أعلم فقد تركناه على أساس الدفع عندما تناسبكم الهدية…
– هذا هراء…
– انه الواقع يا سيدي… فقد قطعت مسافة طويلة وتحملت أعباء كبيرة للحصول على العمل هنا…
واستمر يشرح قصته بلباقة وقد أنصت الحاضرون بإمعان لسرده… ولما أكمل قام كاتب “العامل” بلباسه الأبيض وخاطب العامل:
– مولاي… الله يحفظكم… هل تسمحوا لي بالاختلاء مع الرجل عسى أن يعترف لي بالحقيقة..؟
ونظر إليه “العامل” بتردد ثم وافق على اقتراح كاتبه… فأمر الكاتب بعض العساكر لأخذ المتهم وراءه إلى مكان مجاور… فلما دخلوا المكان أمرهم بالخروج والانتظار خارج المكان والتفت إليه قائلاً:
– هل تريد الخروج من هذا المأزق؟
– ما هو المأزق؟
– أتريد التلاعب مرة أخرى…؟
– أظن أنك قد فهمت قصتي من أولها إلى آخرها… وسأوجزها لك… فأنا يمني مهاجر… عاد من المهجر… يريد العمل كمترجم يفيد بلاده ومواطنيه… و… و…
وقاطعه برنة آمرة مستخفاً:
– لا تردد على مسمعي هذه القصة الغريبة فأنا أعرف أنك “ذماري”…
– وما الخلل في ذلك؟
قال ذلك وقد تقلص وجهه بتسائل غاضب بينما قال الكاتب:
– إن كنت تريد الخروج من المأزق ما عليك إلاّ أن تدفع مبلغاً من النقود نرضي به “العامل” ويفك سراحك…
– أتعني أنني محتجز؟
– نعم…
– لا أجد مبرراً لدفع أي شيء ويكفي ما قد أخذه العسكري… ألا تفهم ذلك أم أنكم جميعاً نصابون؟
استاء كاتب العامل من ذلك وقد علاه الغضب فنادى على العساكر… ولما أُدخل على “العامل” مرة أخرى قال الكاتب:
– مولاي… لقد تبين لي أن الرجل نصاب كبير… وأرى حبسه حتى يدلي بالحقيقة… فلا يمكن أن يحدث هذا أمامكم وفي صنعاء…
تمهل “العامل” قليلاً وقد احتار في حكم كاتبه الذي له من التقرب عند الأمراء أكثر مما “للعامل” فقال:
– يا “ذماري” ألا تقول لنا الحقيقة…
– الحقيقة أن العسكري قد أخذ الهدية والثمن ورحل… هذه هي الحقيقة وإلا ما كنت منتظراً له طوال النهار… أليس هذا شيء يفهمه ذوو البديهة والعقل والمنطق؟
فحاول الكاتب الاحتجاج على ذلك لكن “العامل” لم يتح له فرصة واستمر في حواره قائلاً:
– هذا صحيح فأنت لم تأخذ البضاعة… لكنك اعترفت أنك كنت مع العسكري وتعرفه…
– أعرفه كما يعرفه صاحب الحانوت وإلا لما أعطاه البضاعة بلا ثمن…
استحسن الحاضرون لباقته وقد علت أصوات بعضهم ببرائته إلى آذان “العامل” مما دفع بكاتبه إلى الاقتراب منه وقد استشاط غضباً وقال للعامل هامساً:
– مولاي… الله يحفظكم… ألا ترون لباسه الغريب؟
– نعم… وماذا في ذلك؟
– لقد عرفت منه أشياء توحي بالشك والريبة…
– كيف؟
– ربما يكون من بقايا “الدستوريين”…
– أيعقل هذا؟
– وأخاف أن تُلام على إفلاتك له من قبل مولانا سيف الإسلام.
– وما العمل؟
– أدخله السجن… فما الضرر من ذلك حتى يتسنى لنا التأكد…
ترقب الحاضرون نتيجة التهامس الذي دار بين “العامل” وكاتبه وقد انتابت “العامل” نوبة تفكير فيما أورده كاتبه فنهض وقال:
– خذوه إلى “الرادع”…
سأل العسكري، الذي أخذ بتلابيبه، مستفسراً:
– ما هو “الرادع”؟
– سجنٌ مظلم يا “عاق والديك”…
تعجب لقول العسكري الـمُقلِد لعساكر الشمال فقال:
– لفظك غريب…
– هنا أو هناك… لفظ العسكري واحد…
سيق مع ثلة من العساكر مشياً على الأقدام نحو سجن “الرادع”. وجده من الخارج عبارة عن سور من الطين وبوابة من الحجر الأسود اكتظت أمامها جموع من النساء والرجال يعلوا صياحهم كل يطلب صاحبه من نزلاء السجن الجدد ليقدم له الغذاء أو الكساء… وحراس الباب يماطلون حتى تُدس في أيديهم رشوة متواضعة بعدها يسمح للغذاء والكساء بالدخول…
أُدخل بسلام من البوابة الرئيسية، ثم فتح بابٌ آخر فوجد حرساً بعصي غليظة وصياحهم يعلو بعنف… شعر بالرهبة والحزن لأول مرة… وأُقعد على مقعد حجري ثم أُمر بمد رجليه إلى فوق حجر صغير…
قام أحد الحراس وأخذ قيداً حديداً من مجموعة من القيود كانت معلقة بمسمار أمام الباب الداخلي… نظر الحارس إلى الرجل متعجباً للباسه الغريب فأعاد القيد الأول وأخذ يتفحص قيداً كبيراً أخر… وقال متذمراً:
– من أين جئتم لنا بهذا؟
– من عند “العامل”…
– هل هو من بقايا الدستوريين..؟
– الله أعلم…
دقَّ له القيد ونهض، ثم قاده أحد الحراس وزجَّ به من الباب الداخلي للسجن وأقفل الباب ورائه…
وجد نفسه في ساحة كبيرة ومن حوله وجوه قد اشرأبت بالنظر إليه…
كان يتوقع أن يقوده الحارس إلى مكان معين… واقترب منه بعض السجناء وقيودهم تَرِنُّ محدثة أصواتاً مزعجة اعتادها بعد ذلك وتحولت إلى نغم لـحَّنهُ بالصفير بفمه…
وجد الساحة متربة، والذباب يتكدس فوق أكوام هائلة من بقايا القاذورات، ووجد أيضاً غُرفاً اعتقد أنها محفورة داخل الأسوار كخلايا نمل أو كجحور الفئران البرية…
واستمر تدفق النزلاء عليه حتى أحاطوا به ترحيباً بزائرهم الجديد… استسلم بصدر رحب لكل أسألتهم ونكاتهم اللاذعة.
* * *
استطاع خلال الفترة الأولى لدخوله السجن أن يعرف الكثير عن زملائه النزلاء… استطاع أيضاً، رغم القيد الحديدي الثقيل الذي أكرمه الحارس به، أن يجد عملاً يلهيه عن القلق، ويكسب منه ما يقتات به… عمل غسالاً للنزلاء وعساكر السجن…
وتعرف إلى نوعيات مختلفة من النزلاء… كانوا جميعاً عبارة عن معسكر كشفي يتسامرون ويقيلون في “مفرج” مدير السجن الذي يوفر التبغ الجيد “بمداعته” المزركشة…
كان الليل ثقيلاً لعدم وجود الإضاءة، وكانت الشمعة تُكلف داخل السجن الشيء الكثير… وضُع في مكان مع مجموعة لا بأس بها من الوعي والثقافة… أبرزهم شيخ قبيلة مجاورة لصنعاء، سريع البديهة، لاذع النكته، مرح الحديث وصادق في إخلاصه لأصدقائه النزلاء… كان يلجأ إليه في همومه وقد تحمس لقضيته…
تعّرف أيضاً في مكان مجاور على شخص نظر فيه الوقار والاتزان وكان ممن يحضرون “مقيل” مدير السجن… في حديثه رنّة عصرية عن القانون والنظام… وكانت لديه كتب معدودة استطاع أن يلخصها لمريديه من النزلاء في مكانه. كان قد استغرب كيف استطاع هذا الرجل الوقور الحصول على مثل هذه الكتب. تأثر، وهو يسمعه كل يوم في درسه للنزلاء، بقوة إيحائه عن “أهوال الاستبداد” والمنفلوطي… الرافعي… تاريخ الإسلام السياسي… واستطاع أن يستعير منه رواية “لجرجي زيدان” عن الانقلاب العثماني، عاش معها عدة ليالي على ضوء شمعة أنسته الملل… قرأها مرة أخرى على زميله الشيخ الذي تأثر بها كثيراً…
– لم يكن عبدالحميد مثل الإمام “يحيى” حتى يقوم عليه الانقلاب..
– لماذا؟
– لم يكن بخيلاً…
– ما أدراك؟
– لديه الجيوش الجرارة والقصور العامرة والرفاهية… إنما كان قاصراً عن إدراك دور الخلافة والطموح لتحقيق ذلك…
– والإمام يحيى؟
– لقد كان الإمام “الشهيد” بخيلاً على نسائه فما بالك بالبلاد…
– أتقول الإمام “الشهيد” وأنت ممن ساهموا في الانقلاب؟
– لقد كنتُ مستاءً كغيري ممن ضحوا في سبيل إخراج الأتراك من البلاد بدمائهم وأموالهم… ولولا حاجة الناس للقوت والأمان لما تربع الإمام يحيى على عرش اليمن…
– أكان لديه ذلك؟
– نعم… لقد كدس الطعام وكل أنواع الحبوب… وكم كانت حاجة الناس لذلك في فترة المجاعة!
* * *
أخذ مكانه في “مفرج” مدير السجن يمضغ “القات”، وما أن رمى له المدير بغصن من “القات” حتى أكرمه الآخرون أيضاً…
كان الحديث متنوعاً، ومزاج المدير رائقاً، فانبسط بالحديث مع خليط من السجناء ذوي الشخصيات الاجتماعية البارزة… كان الشيخ موجوداً في مكان الصدارة لأن أقاربه يرسلون له كمية وفيرة من “قاته” المشهور يقوم بتوزيع أكبر كمية منه للمدير وحراسه وللخصوصين من النزلاء…
قال المدير مخاطباً الحاضرين:
– لقد نجح “الذماري” في عمله…
– نعم… لكنه لا يحسن التنظيف جيداً.
– بالعكس يا سيدي… إنني أعتني بملابس “الدستوريين” أكثر من غيرهم..
ضحك مدير السجن وقد نظر إلى الرجل الوقور بينما قال الأخير:
– الحقيقة أنه منذ جاء “الذماري” أضاف إلى مجلسنا شيئاً من المرح ونتمنى أن لا يفارقنا أبداً…
– لم يُحكم عليَّ بالمؤبد مثلكم وإلا كان يشرفني ذلك…
– لا تفرح يا “ذماري”… فهنا لا توجد أحكام زمنية معروفة ترتاح إليها.. وإنما حسب المزاج.
– أتمنى أن يكون مزاج “العامل” رائقاً…
فقاطعهم المدير قائلاً:
– لقد نُقل “العامل” “التعزي” يا “ذماري” وجاء “عامل” آخر من صنعاء..
وذُهل لقول مدير السجن فقال:
– وقضيتي لديه؟
أجاب مدير السجن بكتفيه جاهلاً…
* * *
قضى ليلة كئيبة في زنزانته بينما حاول صديقه الشيخ أن يهون عليه…
وفي الصباح ذهب مع الشيخ إلى مدير السجن وقد رافقهم الرجل الوقور متحمساً… كان الزحام على أشده أمام مكان المدير عند البوابة الثالثة والتصايح يعلو عن سجناء جدد حبسهم “العامل الجديد” وصكيك القيود يكاد يصم الآذان.
قال للشيخ:
– أرجو أن يكون مزاج “العامل” الجديد رائقاً…
أجابه الشيخ وهو ينظر إلى زميله الرجل الوقور باسماً:
– لا أعتقد ذلك مع وجود هذا العدد من السجناء الجدد…
– ربما تكون نتيجة لارتفاع الجريمة هذه الأيام!
فأجابه الرجل الوقور:
– ليس هذا هو السبب فالجريمة تكاد تكون معدومة في المجتمع اليمني…
– إذاً ما هو السبب؟
– إجراء إداري يثبت به “العامل” الجديد عند “الإمام” حزمه وصرامته ليظل مدة أكبر مما قضاها “العامل” الأول…
– أرجو أن يكون المدير متفهماً ويسمح بنقل الشكوى!
أجاب الشيخ قائلاً:
– إنه مبسوط المزاج هذه الأيام… فدخله مرتفع وهو لا يحب بقاء السجناء فترات كبيرة…
– لماذا؟
– لأن فك القيد يعطي أجراً مضاعفاً… والمدير يحب أن تنشط حركة الخروج بما يساوي حركة الدخول…
لمحهم المدير فاستأذنوا منه بالدخول فسمح لهم… فقدم الشيخ مراجعة “الذماري” إلى المدير وأخذ يجامله ويترجاه في إرسالها إلى العامل الجديد…
هز المدير رأسه بالموافقة فاستأذنا بالخروج بينما بقى الرجل الوقور لمتابعة إرسالها…
عاد مع الشيخ إلى الساحة وقد أفُعم بالأمل.
– أعتقد أن “لقاتك” يا سيدي الشيخ الفضل الأول في قبول المدير.
ضحك الشيخ لقوله فاستمر بتفاؤله متسائلاً:
– هل تعتقد أن مراجعتي ستنجح عند “العامل” الجديد؟
– لماذا التشاؤم؟
– أرجو أن لا يكون الكاتب موجوداً…
* * *
مرت عدة أيام قاتمة… كان يتوقع في كل “مقيل” أن يفيده المدير بما يتمناه…
وفي أحد الأيام ألحَّ على صديقه الشيخ بسؤال المدير، وكان “المقيل” قد تأخر قليلاً لتأخر قات الشيخ الذي هدأت أعصابه حال وصول رسوله “بالقات”، فقال الشيخ مخاطباً المدير وقد قام بتوزيع هباته من القات كالمعتاد:
– هل وصلت إفادة بخصوص “الذماري”؟
– وصلت… وتفيد بالإفراج عنه…
هزته الفرحة وهنأه الجميع لكن المدير قال:
– لكنها معلقة بشرط الضمان والكفالة عنه… ومغادرة صنعاء نهائياً…
قال الشيخ بحماس ظاهر:
– لا يهم ذلك فأنا على استعداد للضمانة والكفالة عليه والتعهد بمغادرته صنعاء فوراً.
– وهل تضمن عليه بأن لا يعود إلى توريد الحبوب إلى صنعاء أو الاتجار بها؟
واندهش الجميع لذلك بينما قال المدير:
– لقد دُهشتُ أنا أيضاً من شرط “العامل”… ولذلك أخرت الإفادة لدي حتى نجيب على “العامل” بأن الرجل لا يورد الحبوب وإنما قضيته تختلف عن ذلك…
واحتار “الذماري” لهذا الموقف المفاجئ العجيب وقد شعر أن أمنية الرجل الوقور ببقائه تكاد تتحقق، فنظر إلى الشيخ ووجده يفكر ملياً، وفجأة قال الشيخ مخاطباً المدير:
– لقد ضمنت وكفلت على “الذماري” بما هو مطلوب منه.
– لكن!
– لكن إذا أرجعت الإفادة إلى العامل فأنا على يقين بأن “الذماري” سيُعرقَل مرة أخرى وإلى الأبد… وأنتم تعرفون قضيته تماماً فلا داعي للعرض مرة أخرى للعامل فربما يكون هنالك “ذماري” آخر يورد الحبوب في سوق الطعام قد عُرضت قضيته صدفةً عند العامل الجديد عند وصول المشتكي… فهذا من حسن حظ صاحبنا..
اقتنع المدير بذلك، ونظر إلى “الذماري” الذي تململ بألم لوجوب مغادرته صنعاء، وأقترب من الشيخ وهمس له قائلاً:
– لكن ما السبب لمغادرتي صنعاء؟
– وما الفائدة لبقائك؟
– أريد أن أعمل.
– لقد نفذتَ بجلدك ولا داعي لبقائك.
كان يود أن يقول أنه يتمنى البقاء لرؤية “وردة” مرة أخرى، وهي التي لم يرها منذ دخوله السجن ولم يستطع الاتصال بها خوفاً عليها وعلى سمعته…
* * *
قال له صديقه الشيخ وقد تهيأ للنوم:
– لا تبدو عليك ملامح السعادة لمغادرتك السجن صباحاً..!!
– لقد آلمني الأمر بمغادرة صنعاء وكأنني أجنبي.
– قد يكون ذلك خيراً لك.
– لكنني عشت فيها أياماً سعيدة.
– في السجن؟
– لا… وإنما في “سمسرة وردة”.
وسبح قليلاً في خيال هبط عليه مفعماً بالأمل في رؤية “وردة” مرة أخرى… فتنبه لصديقه الذي قال محتجاً:
– لم تحدثني من قبل عن لحظاتك السعيدة هذه!
– كنتُ أخجل من الحديث… وأخافه…
– لماذا؟
لقد أحببتها وعشت معها لحظات ليست في العمر كله…
– أتعني “المقهوية”…؟
– أعني “وردة”…
ضحك الشيخ قائلاً:
– خيالك رائع…
قال وقد تنهد بحسرة:
– أود البقاء عسى أن يغير “العامل” أمره بطردي من صنعاء…
– لن يفعل ذلك… وخصوصاً إذا سأل ذلك الكاتب عن قضيتك… فلا تكن ساذجاً واحمد الله على هذه المصادفة التي حدثت!
وجم قليلاً ومازال سابحاً في خياله فقال متسائلاً:
– هل أستطيع رشوة العساكر لكي يسمحوا لي بالبقاء في صنعاء؟
– لقد رفضتَ أن ترشو “العامل” وكاتبه من قبل…!
– كان ذلك موقفاً آخر…
– والآن؟
– في سبيل الحب… ثم ما الضرر من بقائي؟
– لم تخبرني من قبل عن حبك هذا فمن هي؟
– “وردة” يا عزيزي… “وردة”… أو لم تسمع بها؟
– أسمع وأعرف “سمسرة وردة” فقط.
– أعني “وردة” المقهوية… صاحبة “السمسرة”.
– لقد ماتت منذ زمن بعيد.
رد مذهولاً:
– ليس معقولاً!
– لماذا؟
– عشتُ معها أسعد لحظات عمري قبل دخولي السجن.
– ربما تقصد “المقهوية”!
– نعم…
وضحك الشيخ قائلاً:
– “وردة” هو اسم “السمسرة” منذ القدم.
– وهي؟ ما اسمها؟
– من هي؟
– أعني المقهوية.
– لا أعرف إلا أنها “المقهوية” فقط.
ونام ليلته على ضحكات صديقه…
* * *
كان وداعه من زملائه في الصباح مؤثراً بعد أن قام الشيخ بكتابة الضمانة والكفالة والتعهد بمغادرة “الذماري” صنعاء وعدم توريده للحبوب إلى سوق الطعام.
وفُكَ قيده وكان المدير قد رفض أخذ “الرسامة” منه فاعتبر منه ذلك كرماً… ونهض وقد رافقه نفران من الحرس لكي يصحبوه إلى خارج صنعاء… خرج معهما من البوابة الخارجية لكنه ما لبث أن عاد كمن تذكر شيئاً نسيه ونادى على صديقه الشيخ الذي كان مازال واقفاً على البوابة:
– أصحيح ما قلته مساء البارحة عن “وردة”؟
وضحك الشيخ مودعاً قائلاً:
– كل ما قلته لك صحيحاً… وإذا أحببت التأكد فاسأل العساكر المرافقين لك…
والتفت “الذماري” نحو العساكر المرافقين له لكنهم نهروه وحثوه على سرعة العزم والتحرك… فأذعن.

————–
* من المجموعة القصصية “طاهش الحوبان”.

عناوين قد تهمك: