موسوعة الشميري وتزوير التاريخ: أحمد حميد الدين نموذجا (6)

  

زايد جابر

زايد جابر يكتب: موسوعة الشميري وتزوير التاريخ: أحمد حميد الدين نموذجا (6)


سادسا: وختامه كفر.. الإساءة لثورة سبتمبر!
في الوقت الذي أغفل كاتب الترجمة كل ما قاله معاصرو الإمام أحمد من الأحرار الذين عملوا معه واكتووا بناره وعرفوه عن قرب ودونوا شهاداتهم في مذكراتهم والكتب التي تحدثت عن الحركة الوطنية ذهب ينقب عن عبارة مدح قيلت هنا أو هناك من شخصيات تحظى باحترام لدى المجتمع اليمني، حيث نقل عن العلامة محمد سالم البيحاني قوله عن الإمام أحمد: ” كان قويا، شجاعا، عالما، أديبا، سخيا، كريما، فتاكا، اخاذا للحق ولو من أقرب الناس اليه”. ثم أضاف له أوصافا أخرى مثل فك الأسير والتصدق لجبر الكسر.. الخ.
وهو انحياز واضح ليبرر مدحه وإعجابه بشخصية الإمام أحمد وسياسته، وهو ليس حجة عند أي مطلع منصف فالبيحاني رحمه الله كان صديقا للإمام أحمد وقد زاره الى مسجده عند زيارته لعدن عام ١٩٤٦م يوم كان وليا للعهد وهي الزيارة التي كان في ظاهرها العلاج وفي باطنها متابعة الأحرار عن قرب والتفاهم مع سلطات الاحتلال البريطاني للتضييق عليهم، وكان البيحاني زميلا وصديقا للأحرار اليمنيين وعلى رأسهم النعمان والزبيري منذ أيام دراستهم بالأزهر مطلع اربعينيات القرن الماضي، وبعد نكبة ١٩٤٨ استغل البيحاني تلك الصداقة وصاغ المديح للامام أحمد شعرا ونثرا متشفعا في إطلاق سجناء سجن نافع، اذ كان كما يقول القاضي عبدالرحمن الارياني “أول من رفع صوته يناشد الإمام أحمد الرحمة في مساجين ثورة ٤٨م، ووالى شفاعته ضمن قصائد طنانة كان يمدح فيها الإمام أحمد في إحتفالات ذكرى انتصاره، وقد استطاع بذلك أن ينقذ الكثيرين من السجن”.
وظل الأحرار يذكرون له هذا الصنيع، ولا يلام البيحاني في مدحه للامام أحمد، كما لا ينبغي الاستناد الى هذا المدح منتزعا من سياقه وظروفه وغاياته النبيلة في تلميع صورة هذا السفاح واعتبارها حقيقة مطلقة، فقد مدحه الأحرار أنفسهم وبالغوا في مدحه والثناء عليه كمدخل لتليين قلبه القاسي وإشباع غروره لانقاذ زملائهم في سجن نافع الرهيب.
هل كانت ثورة سبتمبر تكفيرية؟!
ختم صاحب الموسوعة ترجمته لهذا السفاح بفرية كبرى زعم فيها أن الثورة الجمهورية سنة ١٩٦٢ التي اقتلعت عرش ولي عهده الإمام الذي خلفه والمسمى محمد أحمد بن يحيى حميد الدين -الذي تلقب بالبدر- والضباط الذين قادوها قد “كفروه واستحلوا دماء أسرته وأموالهم، ومن عاونوه في السياسة والقضاء والسفارة والإدارة والولاء، وما يزال عدد كبير من أسرته منفيا يعيش خارج اليمن”.. هكذا كان ختام ترجمة السفاح أحمد اتهاما لأهم وانقى ثورة في تاريخ اليمن كله بالتكفير واستحلال الدماء والاموال!! وهي أكذوبة وتهمة شنيعة لم يقلها حتى بيت حميدالدين انفسهم.
لقد كان تكفير الخصوم واستحلال دمائهم وأموالهم سياسة ومنهجا إماميا لبيت حميد الدين -ومن قبلهم من الائمة- وقد كفروا الثوار واعتبروا الجمهورية منهجا غير اسلامي وثورة شيوعية بسبب تأييد الاتحاد السوفيتي لها حتى أن الشاعر والاديب أحمد محمد الشامي وزير خارجية البدر في قصيدته التي أسماها “دامغة الدوامغ” وبثتها إذاعة لندن عام ١٩٦٦ قد قال:
أبعد محمد وبني علي
نبايع بالخلافة كوسجينا
وتعلو راية طبعت عليها
علامة من قد اتبعوا “لينينا”
لقد هزلت إذن والموت خير
وأشفى فانظروا ما تأمرونا
وكوسجينا هو وزير خارجية الاتحاد السوفيتي آنذاك الذي كان من أوائل الدول التي اعترفت بالجمهورية ودعمتها.
المفارقة أن مؤلف الموسوعة قد زعم في ترجمته للبدر أنه حارب الجمهورية سبع سنوات بدعم من الاتحاد السوفيتي!!
وهذا المفهوم التكفيري هو الذي سعى الإماميون لترسيخه في أوساط القبائل وهو ما ظهر في بعض زواملهم ومنها هذا الزامل لشاعر خولان الطيال (الشيخ الفقيه) كما سماه أحمد محمد الشامي في كتابه قصة الأدب في اليمن:
ما بانسلم للجنود الكافرة
لو بايقولون القيامة با تقوم
ولو سما الدنيا تقع له طائرة
تلقى القنابل مثلما عد النجوم
وهذه الفكرة التي حرص عليها الشامي ومعسكر البدر هو ما عكسه هذا الزامل وزوامل أخرى لبعض مشايخ القبائل الذين كانوا يقاتلون مع البدر ومن ذلك قول أحدهم مبررا رفضه تدخل الجيش المصري وتمسكه بالبدر:
يا سلامي جبر من جيش ما جمهر
ما يبا مصر لا كفره ولا دينه
إمامنا البدر ما دام النبي يذكر
والله أكبر على ذي هم معادينه !
أما الثوار فما كان التكفير منهجهم وما كانت ثورتهم طائفية ولا مذهبية ولا سلالية ولا عنصرية بل جمهورية شعارها المساواة والحرية، ليس فقط عند نخبة الثورة والضباط الأحرار وإنما لدى قاعدتها الجماهيرية أيضا وهو ما تجلى في الردود على زوامل المشايخ من انصار الامامة، فقد رد أحد مشايخ الجمهورية على من زعم في زامله أن التدخل المصري جاء لنشر الكفر بهذا الزامل:
مصر ما قالت اكفر قالت اتحرر
ما فهمت الخبر وأيش أنت من عينه
القضاء والقدر سا البدر يتزفر
والله انه نشر يا ذي مراعينه
هذه هي ثورة ٢٦ سبتمبر وتلك ثقافة ضباطها وقادتها الذين اتهمهم مؤلف الموسوعة بالتكفير!! واذا كان قد تم استبعاد بيت حميد الدين في المصالحة الوطنية عام ١٩٧٠م فقد عاد كل من حارب معهم وعاشوا في ظلال الجمهورية التي تبوأوا فيها مناصب رفيعة وظلوا ينخرون فيها حتى أسقطوا عاصمتها في ٢١ سبتمبر ٢٠١٤!

عناوين ذات صلة: