صافر.. من مورد اقتصادي إلى لعنة تهدد العالم

  

توفيق البذيجي يكتب: صافر.. من مورد اقتصادي إلى لعنة تهدد العالم


حل عام 2020 ضيفا ثقيلا على معظم دول العالم! هل ما زال عام 2020 يخبئ لنا المزيد من المفاجآت من أحداث وكوراث قبل أن يرحل كما يعتقد البعض؟
مشهد انفجار مرفأ بيروت الكارثي اثار قلق ومخاوف الكثيرين من حدوث كارثة مماثلة تهدد اليمن والدول المجاورة بسبب مخاطر انفجار وشيك قبالة الشواطئ اليمنية، وتحديدا من ميناء رأس عيسى.

يقع ميناء رأس عيسى على البحر الأحمر كخزان عائم مؤهل لتحميل وشحن السفن بالنفط الخام لأغراض التصدير. ترسو باخرة تعرف باسم صافر في موقع يبعد 4.8 ميلاً بحرياً عن شواطئه و بحوالي 32 ميلا بحريا شمال مدينة الحديدة ثاني أهم وأكبر ميناء في اليمن. توقفت الأنشطة في الميناء وكذلك أعمال الصيانة لسفينة صافر -الخاضعة لسيطرة الحوثيين- منذ اندلاع الحرب في اليمن.
خلال العامين الماضيين، ازاد الخطر والتهديد البيئي الذي تشكله هذه الناقلة على البيئة والحياة البحرية بشكل كبير بعد أن تآكل هيكلها بفعل الحرارة والرطوبة، خاصة بعد تسرب المياه إلى غرفة المحرك. يتوقع الخبراء غرق السفينة في أي وقت نتيجة للحالة السيئة التي وصلت إليها السفينة.
تحمل صافر على متنها أكثر من مليون برميل من النفط الخام، أي أكثر بأربعة أضعاف الكمية المتسربة خلال كارثة “إكسون فالديز” المرعبة في عام 1989 قبالة ألاسكا بالولايات المتحدة الأمريكية، والتي تهدد بالتسبب في أسوأ تسرب نفطي في التاريخ وأضرار بيئية مدمرة. وعلى مدى سنوات، لم تتمكن فرق الأمم المتحدة من الوصول إلى السفينة لتقييم حالتها وإجراء إصلاحات خفيفة تمهيدا لتفريغ حمولتها وقطرها إلى مكان آمن. وفي هذا السياق، قال الناطق باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، ينس ليركه، “لم نتمكن من اتخاذ أي إجراءات منذ سنوات”.
ما يفاقم المشكلة هو استخدام صافر كورقة مساومة في المفاوضات السياسية، واتهامات متبادلة بين الحكومة المعترف بها دوليا من وجهة وجماعة الحوثي من جهة أخرى بعرقلة فرق الصيانة الأممية الوصول إلى الناقلة. وقد حملت السفيرة كيلي كرافت المندوبة الدائمة للولايات المتحدة في اجتماع لمجلس الأمن الدولي في 15 يوليو 2020 جماعة الحوثي المسؤولية الكاملة عن أي كارثة في حال حصول تسرب أو انفجار بسبب جهودهم الرامية إلى استخدام صافر كورقة مساومة لكسب المزيد من النفوذ السياسي والاقتصادي. كما كشف موقع المشاهد في شهر يوليو 2020 عن رسالة قام بإرسالها خبير الإنقاذ في المنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية ROPME ومركز المساعدة المتبادلة للطوارئ البحرية MEMAC الكابتن جون كيرلي، إلى وزيري الخارجية والنفط بحكومة الحوثيين، حيث تشير الرسالة أن صيانة السفينة في موقعها الحالي لم يعد ممكناً، وأن الأمم المتحدة قامت بالتنسيق لسحب السفينة إلى البحرين من أجل تقييم حالتها الراهنة وحقن خزاناتها بالغاز الخامل تمهيدا لتفريغ السفينة من النفط الخام وهو الأمر الذي رفضه الحوثيون.
وعن آخر التطورات الخطيرة، تناقلت عدد من الصحف ووسائل إعلام إقليمية ودولية في مطلع شهر أكتوبر 2020 أنباء من مصادر فنية لشركة صافر للإنتاج والاستكشاف النفطي (SEPOC)، حول تسرب بقعة نفطية من خزان صافر العائم وان كمية كبيرة من المياه تسربت إلى إحدى غرف الخزان الـ34، ونشرت Tanker Trackers على صفحتها على Twitter تغريدة مع صورة لبقعة النفط “خبرنا المحزن هو حدوث تسرب نفطي قبل أسبوعين من الناقلة 44yo FSO SAFER في البحر الأحمر.” تُظهر الصورة التي التقطتها الأقمار الصناعية من قبل Planet Labs بوضوح تسربًا نفطيًا حديثا في البحر الأحمر. تزداد نسبة التهديدات التي تشكلها السفينة لليمن والمنطقة مع مرور الوقت يوما بعد يوم، وخاصة بعد فشل الاجتماع الأخير بين مكتب الأمم المتحدة لخدمة المشاريع وجماعة الحوثي ” أنصار الله ” بشأن التوصل لاتفاق بخصوص الناقلة. وبحسب المصادر الاعلامية ذاتها رفضت جماعة الحوثي مقترحا أمميا بخصوص سحب الناقلة الى ميناء الحديدة وتفريغ حمولتها هناك، بعد تعذر صيانتها في مكانها و فرضت شروطا على الأمم المتحدة ومنها اقتصار الاتفاق على إجراء الصيانة فقط وعدم امتداده لتفريغ الحمولة على الرغم من تبين استحالة هذا الطلب.

وقد أشار تقرير صادر عن مبادرة حلم أخضر Holm Akhdar، المتخصصة في حماية البيئة في اليمن في مطلع العام الجاري إلى أن بيئة البحر الأحمر ستشهد أكبر كارثة بيئية في القرن الحادي والعشرين، وستفقد البيئة اليمنية كافة مواردها، بما في ذلك فقدان 115 جزيرة يمنية في البحر الأحمر تنوعها البيولوجي، ونفوق نحو 850 ألف طن من الأسماك، وفقدان 162 ألف صياد يمني لمصادر دخلهم. و للتعامل مع الآثار البيئية المحتملة، ستحتاج اليمن إلى فترة تزيد عن ثلاثين عامًا. و حذرت الأمم المتحدة من أن التسرب النفطي قد يدمر 8 آلاف بئر ماء و500 كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية التي يستخدمها نحو 3 ملايين مزارع يمني، بالإضافة الى اغلاق بعض الموانئ اليمنية لعدة أشهر، مما قد يؤثر بشكل خطير على قدرة اليمن على استيراد 90 في المئة من الأغذية والمساعدات الأساسية الأخرى التي يحتاجها.
كما أصدرت بعثة الاتحاد الأوروبي مع سفراء دول الاتحاد لدى اليمن مؤخرا في 27 أكتوبر بيان حول وضع خزان صافر على موقعها الرسمي، وقد اعربوا في البيان المشترك عن قلقهم البالغ من أن كارثة إنسانية وبيئية واقتصادية كبرى وشيكة الحدوث في اليمن بسبب استمرار تدهور وضع ناقلة النفط صافر، وأشار البيان إلى أن “الدراسات العلمية أظهرت أن حدوث تسرب نفطي كبير يرجح أن يؤدي إلى خروج ميناء الحديدة عن الخدمة، الأمر الذي سيؤثر على الأمن الغذائي لملايين اليمنيين والنظام البيئي البحري”. ودعا البيان جماعة الحوثي (انصار الله) إلى “التعاون الكامل مع الأمم المتحدة من خلال السماح لفريق الخبراء بالوصول إلى السفينة دون قيود أو شروط مسبقة أو تأخير”. وحمّل البيان جماعة الحوثي مسئولية حدوث أية كارثة على المستوى الإقليمي، داعياً الجماعة التحرك والإحساس بالمسئولية. كما دعا البيان الأطراف اليمنية إلى الامتثال للتوصيات الناتجة عن تقييم فريق الخبراء، مشددًا على أنه من مصلحة اليمنيين المنهكين القيام بكل شيء ممكن لمنع حدوث كارثة محتملة.

يرى الخبراء انه اذا بدأ التسرب النفطي بالانتشار من ناقلة صافر، فسوف يمثل مشكلة خطيرة للغاية، والتي لا يمكن تصور عواقبها ونتائجها المدمرة والتي قد تمتد آثارها المرعبة إلى ما وراء الممرات الملاحية في البحر الأحمر وبحر العرب إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط والملاحة العالمية.

ناقلة النفط اليمنية - خزان صافر

ناقلة النفط اليمنية – خزان صافر (وكالات)

مع استمرار الحرب للعام الخامس على التوالي شهد قطاع الصناعات الاستخراجية في اليمن الى زيادة العبث والتدمير الممنهج وازدهار تجارة السوق السوداء. ساهم غياب المنظومة الرقابية بالإضافة إلى تجميد عضوية الیمن في مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية EITI، وتحجيم دور المجتمع المدني المعني بتعزيز الشفافية والمساءلة والحكم الرشيد في إضعاف الرقابة الفاعلة على أداء السلطات العامة، والشركات العاملة في مجال النفط والغاز، واستشراء الفساد بشكل كبير بهذا القطاع. حيث أظهر مؤشر مدركات الفساد الصادر لعام 2019 عن منظمة الشفافية الدولية TI أن الیمن ضمن البلدان الأدنى على هذا المؤشر حيث سجلت 15 درجة من 100 وجاء ترتيبها 177 من بين 180 دولة. يصنف المؤشر 180 دولة ومنطقة وفقا لمستويات الفساد المدركة في القطاع العام بحسب الخبراء ورجال الأعمال، يتم استخدام مقياس من صفر إلى 100 حيث يعتبر صفر فاسدة جدا و 100 خالية كليا من الفساد. ووفقا لهذا المؤشر تعد اليمن ضمن أربع بلدان الأكثر فسادا على مستوى العالم.

لعقود كانت تعد ناقلة صافر من أهم دعائم الاقتصاد اليمني و محطة التصدير الرئيسة للنفط الخام الخفيف المستخرج من القطاع 18 بمحافظة مأرب، والقطاع 9 بمحافظة شبوة. اليوم بسبب استمرار الحروب والصراعات وتضاعف الفساد واستشراءه في كافة مفاصل الدولة، أصبحت صافر خطر يهدد اليمن ، وتحولت من أهم مورد اقتصادي لليمن الى نقمة و لعنة تهدد اليمن بل المنطقة والملاحة الدولية. أن الأموال الناتجة عن الصناعات الاستخراجية في العديد من الدول عادةً ما تكون مصحوبة بالفقر والفساد والصراع وهو ما يُعرف باسم “لعنة الموارد”، وهذا ناتج عن غياب الديمقراطية والحكم الرشيد وضعف الشفافية والمساءلة.

أخيرا.. قد يتبادر إلى ذهن البعض العديد من التساؤلات بخصوص صافر ولعل أبرزها هو: لماذا هذا التساهل والعجز الدولي عن التصرف بحسم مع الطرف المعرقل والمتسبب بهذه الازمة لسنوات والتي تعد بمثابة تهديد إرهابي لليمن ودول المنطقة والعالم؟ صحيح أن هناك تحذيرات من مجلس الأمن، وسفراء الاتحاد الأوروبي لدى اليمن، ومناشدات مستمرة من بعض المنظمات الدولية، ولكن للأسف لا يوجد أي تطور على الأرض، ولا نشهد أي تحرك حقيقي حيال هذه الأزمة طيلة السنوات الماضية! كان ينبغي على المجتمع الدولي التدخل السريع والطارئ منذ وقت طويل لاحتواء أسوأ كارثة بيئية مدمرة في التاريخ وشيكة الحدوث تهدد كل مقومات البيئة والحياة البحرية في المنطقة، ولكن ما يحدث على العكس من ذلك تماما، وكأن هناك تواطؤ من أطراف دولية تريد بأن تظل المنطقة في حالة عدم استقرار وتحت التهديد المستمر والابتزاز السياسي. ظلت صافر قضية منسية لسنوات و حتى وسائل الإعلام المحلية والدولية لم تولي لهذه القضية ادنى اهتمام بالرغم من الخطورة التي تشكلها الناقلة على المنطقة، كما يلاحظ ضعف دور منظمات المجتمع المدني في هذا الصدد على المستوى المحلي والدولي والذي لا يكاد يذكر.
اصبح الوضع حرجاً للغاية.. المنطقة بل العالم على اعتاب كارثة إنسانية وبيئية مروعة وشيكة الحدوث أكثر من أي وقت مضى، و الأرجح ان هذه الكارثة ستدمر الحياة البحرية في البحر الأحمر وبحر العرب والتي سيكون من الصعب تجنب آثارها لعقود.

إذا لم نتحرك اليوم وأعني اليوم من أجل حل هذه المشكلة، فإن وقوع الكارثة ليس سوى مسألة وقت لا أكثر.. كل يوم يمر، كل دقيقة تأخير تقربنا أكثر فأكثر من وقوع الكارثة وخطر تسرب حمولة النفط الخام إلى مياه البحر أو حدوث انفجار مرعب بفعل الغازات المخزنة نتيجةً لعملية أكسدة جزيئات النفط الخام. يجب علينا جميعا كناشطين في منظمات المجتمع المدني وخاصة المنظمات والائتلافات الدولية المتخصصة في مجال البيئة والصناعات الاستخراجية استشعار حجم الخطر الذي يحيط ياليمن والإقليم والعالم، والتحرك الفوري على جميع المستويات كلا حسب اختصاصه و امكانياته،وحشد الجهود والبدء على الاقل بحملات مناصرة وكسب التأييد للضغط على المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومطالبتهم بالقيام بواجباتهم الأخلاقية والإنسانية للتدخل العاجل من أجل إيجاد حلول فورية على الأرض لاحتواء هذه الكارثة البيئية العالقة لسنوات، وإلزام دول التحالف و الأطراف المتصارعة في اليمن ” وخاصة جماعة الحوثي التي تقع الناقلة ضمن نطاق سيطرتها ” للتعامل بحرص ومسؤولية مع هذه المشكلة وتمكين الفرق المختصة من أجل الوصول إليها و قطرها الى مكان آمن تمهيدا لتفريغ حمولتها قبل خروج الأمر عن السيطرة، وتحميل الجهة المعرقلة المسؤولية الكاملة عن النتائج والعواقب الكارثية المتوقعة في حالة حصول انفجار أو تسرب للنفط.

توفيق البذيجي

المنسق الوطني لانشر ما تدفع PWYP – اليمن

عناوين ذات صلة: