القبيلة في اليمن بين الواقع والمتخيل

  

محمد محسن صلاح

محمد صلاح يكتب: القبيلة في اليمن بين الواقع والمتخيل


تختلف سمات القبيلة في اليمن عن سمات ما حولها، وتحديدا في المناطق “الرعوية” و”الصحراوية”، ومن هنا فهي لا تحمل بناها ولا قيمها الرافضة للنظام والدولة، ولا أدلّ على ذلك سوى النظر إلى البيئة الجغرافية في اليمن، فهي بيئة استقرار وزراعة، تشهد المدرجات الزراعية ومساقي المياه إضافة إلى البناء العمراني واستقرار السكان في المناطق منذ قرون عديدة، بمعنى أن من نطلق عليهم قبائل “ليس بوسعهم الهروب والارتحال من الدولة”، كما يقول بول درش.
ويؤكد دارسو المجتمعات أنه حالما تتوطن أي مجموعة بشرية فإن المكان يصادر جزءاً منها ومن ولاءاتها المنصهرة في وحدة واحدة عند تنقلها، لأنها غير مضطرة لتكييف بنيتها مع ما هو قائم في المكان، طالما كانت تتنقل، لكن توطنها عمّق اضطرارها إلى التكيف والتغيّر، كما لا يكفي فهم “القبيلة” كأنها “نواة تاريخية غير متغيرة يجري حولها التطور الاجتماعي والتاريخي كأنه غلاف يحتويها دون أن تتبدل” [عزمي بشارة في المسألة العربية].
وللأسف فإن عدداً من القراءات حول “القبيلة” في اليمن تنطلق من رؤى جامدة، لا ترى أي تأثير للتطور على حياة المجتمع اليمني، فضلاً عن عدم استيفاء بعض تلك القراءات طبيعة التكوين الاجتماعي في اليمن، وتتبع مساراته.
ولعل من أكثر الأخطاء شيوعاً في قراءة المجتمع اليمني، و”القبيلة” تحديداً، هي تلك التي تنطلق في القراءة من زاوية علاقات القرابة، وتحاول أن تكيّف نظرية ابن خلدون، التي تتناول المناطق “الرعوية” و”الصحرواية” على البيئات الحضرية، أو تسبغ على “القبيلة” في اليمن سمات القبائل “المترحلة” في الصحراء، – ورحم الله المفكر الراحل عبدالله العروي الذي وجد في أن هذه الاطروحات إنما تتوسل بابن خلدون، لكي تعفي نفسها من البحث، وتجد إجابة جاهزة على أي سؤال حول الحاضر العربي -، والانطلاق من هذه القراءة هو ما يشيع الكثير من اللبس، وينتهي بنتائج خاطئة حول طبيعة التكوين الاجتماعي في اليمن، ويتم عندها التعميم بطريقة مختلة، ومرتبكة، وينشر الكثير من الصور النمطية ذات الإيحاء السلبي عن المجتمع، في الوقت الذي لا تسمح فيه البيئة الجغرافية للبلد بوجود كيانات عشائرية على ذات النمط، التي تقوم في المناطق الصحراوية، وإن وجدت فهي طارئة وعابرة، سببها غياب الدولة.
ويؤكد ذلك عالم الاجتماع اليمني الدكتور حمود العودي بــ”أن هذه الجيوب القبلية والعشائرية المحدودة نسبياً في مجتمعنا -إذا جاز لنا أن نعتبرها كذلك من حيث ما تقوم به من وظائف وتأثير سلبي في كل نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على الأقل في الوقت الحاضر- هي ظواهر عرضية، أفرزتها عهود التخلف، وليس تنظيماً أصيلاً في البناء الحضاري، إذ أننا لا نستطيع أن نجد لوجودها أي سند علمي، لا في نوع البيئة الجغرافية الزراعية والجبلية الخصبة والمحدودة الساحة والمكتظة بملايين السكان، وهو الأمر الذي لا يسمح علمياً بوجود تنظيمات قبلية عشائرية أصيلة، ولا في حقائق التاريخ الاجتماعي والحضاري المزدهر قديماً في المنطقة”.. [الدكتور حمود العودي، التراث الشعبي وعلاقته بالتنمية ص 283].
كما يثبت الدكتور يوسف شلحود في إحدى دراساته الميدانية عن التنظيم الاجتماعي في المرتفعات العليا شمال صنعاء، في منطقة “حاشد”، أنه “بحكم تكيفهم مع الحياة الزراعية، فإن العصبات اليمنية توجد وتثبت نفسها حول منابع المياه، ثم تحافظ على ما فيه الكفاية من الأرض فيما بينها البين، لكي تعول أفراد عصبتها، فالمنطقة تصبح هنا رمز الحياة الجماعية، وتستبدل القرابة العصبية كعامل تماسك”.. [يوسف شلحود التنظيم الاجتماعي في اليمن ص14، ترجمة سلطان ناجي، مجلة الإكليل، عدد 5، 1981].
كما أن هناك عدداً من القبائل “جاء تشكلها نتيجة تحالفات واتحادات بين عدد من التجمعات السكانية، وعلى سبيل المثال: “قبيلة يرسم”، فيفهم من النقوش أن هذا تجمع قبلي، وليس اسم قبيلة واحدة بالمعنى المتعارف عليه”.. [مطهر الإرياني نقوش مسندية].
وإذا كانت النقوش القديمة تقول ذلك، فإن علّامة اليمن ومؤرخها “الهمداني”، يؤكد ذلك في كتابه “صفة جزيرة العرب”، بقوله: “ويرسم جماع قبائل من الكلاع ومن همدان ومن سعد بن سعد ومن باقي بطون خولان”، بحيث لم يكن أساس قيامها علاقات القربى وروابط النسب.
إن الأزمات السياسية والصراعات في بلادنا تعطي القبيلة حضوراً وتضخماً يفوق وجودها على أرض الواقع، ويأتي هذا التضخيم سلباً أو إيجاباً، سواء من قبل السياسيين أو الباحثين والكُتاب، كلاً بحسب الموقف السياسي الذي ينطلق منه، والتحالفات التي يمتلكها داخل المناطق المعروفة بتماسكها “القبلي”، وإن كان من يعطون “القبيلة” دورا إيجابيا يفوق حجمها هم أقل تأثيرا في التشويش حول دورها مقارنة بغيرهم، حيث ينطلق الفريق الآخر في تضخيم الدور السلبي “للقبيلة”، وتحميلها وزر الصراعات والأزمات، التي تدخلها البلاد منذ عقود، وأنها السبب الأساسي في فشل تقدم البلد، وإعاقة بناء الدولة، بطريقة تتجاوز الواقع، و”يسفر عن كل ذلك طرح تصورات خاطئة ومضللة حول الأوضاع في اليمن”.. [الدكتور أحمد القصير التحديث في اليمن والتداخل بين القبيلة والدولة ص47].
وتأتي تلك الكتابات في الغالب من قبل كتاب ينتمون إلى تيارات سياسية لا تتمتع بنفوذ أو حضور سياسي في المناطق القبلية، ولا تمتلك أي تحالفات داخل أوساط القبائل، بحيث تنطلق الكتابات والتحليلات من قاعدة خصوماتها مع التيارات السياسية المنافسة لها، وتقوم بشن حملات تحمّل “القبائل” وزر عجزهم، وتندد بالقوى السياسية المنافسة لهم ممن لها حضور داخل المناطق “القبلية”.
وتعد مثل هذه الكتابات من أجزل المنافع، التي يقدمها المثقف في اليمن للنظام السياسي، حين يَحمِل على المجتعات المحلية أو يُحَمِّل “القبيلة” تحديداً فشل قيام الدولة المركزية وتقويض دور الحكومات المتعاقبة في أداء مهامها، فالمثقف هنا يبرر فشل النظام، وخطاب كهذا من المؤكد أن تسعى السلطات – أيا كانت طبيعتها – لتبنيه ودعمه وتعميمه بين الناس للتعمية.

* عن بلقيس نت.

عناوين ذات صلة: