مخاطر قولبة الدين سلالياً

أحمد الحميري يكتب: مخاطر قولبة الدين سلالياً


تكمن خطورة الأدلجة القائمة على مزج الديني والقبلي “العشيرة المقدسة” في عدة مستويات تؤثر سلباً في الثقافة والفكر الإسلاميين.
الجمود عند مفهوم العشيرة يعيق الفكر الإسلامي في بناء نظرية سياسية إسلامية مرنة وقادرة على تفاعل إيجابي يتيح لها الإفادة من أية نظريات أخرى أو استيعاب المفاهيم السياسية في الأمكنة والأزمنة المختلفة.
بمستوى أوسع، إن قولبة الإسلام بمدى عشائري قبلي ضيق (آل علي أو حتى قريش)، يسهم في إعاقة حركته عبر الثقافات، لهذا نكاد نرى الفكر الشيعي منحصراً في المجال الثقافي للدولة الفارسية الساسانية، وربما لولا “الحامل الصوفي” للتشيع لوجدنا الفكر الشيعي محصوراً في نطاقات جغرافية وسكانية أضيق في مقابل التواجد الإسلامي السني.
قد يتم اللجوء في هذا المقام إلى مبرر دور السلطة السياسية في النشر المذهبي، وتأثير السلطة السنية أكثر فترات التاريخ الإسلامي بمواجهة الوضع المعارض للتيار الشيعي في تشكل الخريطة المذهبية، ورغم الصحة النظرية، وإلى حد ما العملية في الدفع السياسي للدين والمذهب، إلا أن الحالة ليست دقيقة، فما تم تصنيفه كسلطات سنية لم تكن ذات حساسية مذهبية وبخاصة إذا لم يرتبط الفعل المذهبي بالفعل السياسي.
لعلنا نلمس ذلك في تولي شيعة لمواقع مهمة في العهد العباسي، بل والسيطرة الفعلية على منظومة السلطة لأكثر من قرن كما حصل في الهيمنة البويهية على الخلافة العباسية، إلى جانب أن مجموعة من مراكز النشاط الشيعي كانت قريبة من مركز السلطة في العراق، وبغداد عاصمة الخلافة العباسية، كما أن ما عُرف بالسلطات السنية، كانت في فترات القوة منشغلة في صراعات خارجية.
وإن اعتبرنا الدور الحاسم للسلطة في النشر المذهبي لاحتجنا إلى إجابات عن حالات انعدام، أو شبه انعدام للتشيع في جغرافيات حكمتها سلطات شيعية عملت جهدها في نشر المذهب كمصر وشمال إفريقيا والشام وغرب الجزيرة العربية إلى اليمن، في العهد الفاطمي الذي استمر ما يزيد على قرنين ونصف.
ولو قلبنا صفحات التاريخ لرأينا بوضوح أن أغلب الدول الشيعية ظهرت في النطاقات الجغرافية الساسانية الفارسية، ما يوحي بمدى الاستعداد الثقافي أو النفسي الجماعي لشعوب تلك النطاقات (أو للنخب الفارسية المستوطنة والفاعلة في تلك النطاقات) في التفاعل الإيجابي مع فكرة العشيرة المقدسة وبنودها الإيديولوجية.
فكرة العشيرة أو القبيلة المقدسة، ربما يكون لها دور كبير في محدودية الانتشار المذهبي الشيعي، وهو انتشار في أغلب الأحوال داخلي أكثر منه خارجي، حيث كان الأداء الشيعي ضعيفاً في جذب إضافات سكانية، وجغرافية غير إسلامية إلى الإسلام، وبدلاً من ذلك تركِّز حرص التوسع الشيعي على القضم من الثقل السني بوسائل عديدة ليس محلها النقاش هنا.
كان طبيعياً أن تخفض “العشيرة المقدسة” القدرات الشيعية في عملية الإسهام بانتشار الإسلام، لأنها بطبيعتها تطرح الإسلام في إطار مختزل ينافي الأفق الإنساني الكامن في الرسالة الإسلامية، وبصورة أعمق يعمل على إحياء تقاليد فكريه دينية وثنية في أصولها منبثقة من قداسة الملوك، وتحديداً في هذا الموضع معتقد الأسرة الملكية الساسانية المقدسة.
من كتاب خرافة السلالة والولاية، مركز نشوان الحميري للدراسات والإعلام 2020

رابط الكتاب:

https://nafsam.org/ar/secontna/uploads/2020/book/book-khorafat-alslalah-wa-alwlaiyah-ahmed-nafsam-org-.pdf?fbclid=IwAR3XqiERDVZrFQKBQz7fppdfudJKJs3z2xn7a5E7FY-TTWYvJKzrvf7ozKE

عناوين ذات صلة: