الطفلة الوطن – من وحي صورة

  

محمد دبوان المياحي

محمد دبوان المياحي يكتب: الطفلة الوطن – من وحي صورة


هذه الصورة خلاصة كثيفة لمآساة الطفولة في بلادنا، لقطة تختزل حكاية طويلة لحياتنا المهدورة على الأرصفة، جيل كامل ولد في توقيت سيئ ووجد نفسه فجأة في مواجهة حياة مدمرة. لم تختر الطفلة زمن ميلادها، جاءت دون أن يستأذنها أحد بالمجيء، فتحت عينيها وكانت الحرب قد سبقتها بالميلاد.
لا أدري كم تبلغ من العمر؛ لكن المؤكد أنها لم تتجاوز عقدها الأول، ربما ولدت قبل الحرب بسنة، سنتين، تهجت كلماتها الأولى على وقع القذائف، وما إن صارت مؤهلة للتعليم، لم تكن مراكز الروضة مشرعة لاستقبالها، كانت الحياة بكامل قسوتها فاتحة ذراعيها أمامها، وتدعوها لخوض التجربة.
أكاد أشعر بما تشعر به، لا بد أنها تذهب لبيع البيض وهي تشعر بالغصة وربما تخجل من رفيقاتها إن رأينها في الشارع، الأمر لا علاقة له بفكرة العمل وأنه مصدر شرف وليس فيه ما يُخجل، هي لا تفقه كل هذا، كانت تبحث عن حياة خفيفة تذاكر دروسها في البيت وتخرج للّعب مع زميلاتها في حوش المنزل، لم تكن شروطها مغالية، لكن الحياة لم تكن مهذبة معها، وتعاقدت معها على نحو مختلف.
ليس ثمة وقت للّعب أيتها الملاك الصغير، هذه هي حياتنا المنهكة، لم نشارك في تقريرها، لم يشاورنا أحد، استيقظنا ووجدنا أنفسنا مقحمين فيها بلا خطئية أولى منا ولا بقايا رأفة منهم لوقف نزيف الحياة، أعلم أنها أكبر من قدرتك على مواجهتها، إنه ليس قدرك لوحدك، بل قدر جيل كامل، حياتهم مكشوفة مثلك ومحاطة بمخاوف تشبه مخاوف الرجال الكبار، الخوف من غد تستيقظ ولا تجد ما تأكله.
ليس أمامك يا صغيرتي سوى أن تفترشي الرصيف؛ كي تؤمني مصروفك اليومي وتحفظي شكل الكلمات، تحرسين حاضرك من المهانة ومستقبلك من الجهل، يد تجمع ما جادت به الحياة من دراهم زهيدة ويد تحاول رسم الحروف الأولى؛ لتفكك شفرة الحياة المبهمة، لتفهم لماذا ولدنا في بلاد شحيحة ولماذا هي حياتنا مكسرة هكذا..؟ هل هذه هي صورة الحياة الطبيعية، أم أن ثمة خطأ أولي أصابها ولا نعلم من أوقعنا فيه.
هذه الطفلة ليست حالة فردية، هي نموذج لحياة ملايين الأطفال. عشتُ في القرية وأعلم كيف يعيش الأطفال في القرى، كيف يحملون همومًا أكبر منهم، تسحق نفسياتهم، تورثهم الانكسار، ويكبرون مهزومين من أعماقهم.
يعيشون حياة جافة، فارغة من أي مباهج. تلفحهم الشمس والريح بالنهار، يلهون بالأحجار والعلب الفارغة، ويغلبهم النعاس قبل المغرب بقليل، يكفي نظرة في عيونهم، لتكتشف كم هي الحياة فادحة ومرهقة.
أطفالنا يولدون كبارًا وحياتهم لا تشبه أطفال العالم بشيء، مظاهرهم حزينة وعيونهم مثقلة بهموم سنين أكبر من أعمارهم، إنها سنوات الحرب، حيث تشيخ الطفولة وتُصادر أمنيات الصغار قبل أن تولد.
ملاحظة: الصورة التقطها المصور الزميل محمد التويجي لطفلة في بئر باشا بمدينة تعز أمس الثلاثاء، هذا النوع من اللقطات يوثق الجانب الموازي من الحياة، ويتوجب أن يمنحه المصورون جزءا أكبر من تركيزهم، في الزوايا المنسية يكمن جوهر الحكاية، حيث الهوامش التي يسهو عنها الكثير.

طفلة يمنية تعمل وتذاكر دروسها في إحدى الشوارع

طفلة يمنية تعمل كبائعة وتذاكر دروسها في إحدى الشوارع

عناوين ذات صلة: