سوف تشاهد

محمد جميح

قصيدة للشاعر والكاتب محمد جميح: سوف تشاهد


وحينَ ولَجْتُ على جَمَلي فتحةَ السَّمّ قال الخياطُ:
هلكتَ…
فقبلكَ ما مرَّ من أحَدٍ من هنا
وبعدكَ لا جملٌ والجٌ
سوف تمضي وألسنة التِّيْهِ تدْلعُها البِيْدُ
من كل منعرجٍ في الرمالْ
وسوف تُشاهدُ كلَّ العُجولِ تُحرِّكُها فتنةُ السَّامريِّ
يأخذ قبْضتَهُ من حوافرِ طيفٍ
عَدا بك في مهْمَهٍ من خيال
وسوف تمرُّ على البحرِ
سوف تشاهدُ آثارَ أقدامِ ريحٍ
نُثاراً من الريش
من بَعِرِ الرِّيمِ أثناء رِحْلتهِ في الدروبِ
إلى واحةٍ من سراب الظِلال
وسوف تمرُّ على النهرِ
لا تشربِ الماءَ
إلا بِريشةِ برْقٍ تقاطر منها كلامً السماء
وغمِّسْ لسانك في لُجَّةِ الأُفُق اللازورديّ
إنكَ إنْ تشربِ الماءَ تهجرْكَ طيرٌ
تحُطُّ على غصْنِ روحكَ كلَّ مساء
وتنثر من ريشها فوقهُ ثم ترحلُ نحو الجبال
وسوف تشاهدُ ناراً تَمُجُّ مدادا
دَواةً تَمُجُّ رمادا
وقوماً يطوفون بالأرض سبعاً
ويغتسلون بنهْرٍ من النِّفطِ
طهِّرْ خطاياكَ بالشعر
واسكب على الروحِ خُضرةَ غيمٍ بعيدِ المنال
وإن جئتَ مَجْمَعَ بحرينِ من شَجَنٍ واندهاشٍ
وضيَّعتَ حُوْتكَ لا تبتئسْ
ففي دمِكَ الحُوْتُ يبحرُ
مجدافُهُ من دخانٍ ونارٍ
سفينتُهُ غيرُ مخروقةٍ
سوف تبحرُ حتى ترى وجهَهُ
والقصائدُ قد عُلّقتْ بين أهدابِ عينيهِ
وانسفحَ الماءُ من راحتَيْهِ
خُذِ الشعر والصمت
لا تقترب من تُخوم السؤال
وسوف تمرُّ على الغارِ
آثار خيل قريشٍ تُحيطُكَ
والبيضُ والعنكبوتُ
نسيجٌ من الألم المتراكم عبر السنين
وطه يجُرُ خيوطاً من الفجر آتيةً
كي يَحوكَ لباساً يواري به سوءةَ العالمين
سيعطيك “بُردتَهُ”
انقعْ فؤادك في ماء خضرتها
إنك الآن في فلوات الجمال
وسوف تشاهد كلَّ الحروفِ
مُصفَّدةً في قواريرَ في عُمْق ماءِ المحيط
اللغاتُ التي كنتَ تعرفُها سوف تجهل فيها جميعَ الدلالاتِ
ما عاد للكلمات هنا أيُّ معنى
قم الآن واخلعْ فؤادَكَ
غسِّل كِيانك من صدأ القولِ
ها إنك الآن تشهد ما لا يقال
____
– من ديوان: أودية العشق

عناوين ذات صلة: