قبيلة أم سُلالة؟ – مقدمة كتاب (القبيلة الهاشمية، ألف عام من الدم)

قبيلة أم سُلالة؟ – مقدمة كتاب (القبيلة الهاشمية، ألف عام من الدم)
سام الغباري

سام الغباري يكتب: قبيلة أم سُلالة؟ – مقدمة كتاب (القبيلة الهاشمية، ألف عام من الدم)


ماذا يعني الحديث عن الهاشمية؟ إنها مقامرة مجنونة على سوق رهانات مقدس، تشبه التعرض إلى السامية وإنكار الهولوكوست في مواجهة شعب يتحكم بمال الكرة الأرضية!
وقد جئت إلى هنا لغرض وحيد: محاولة تفكيك الهاشمية ومعرفة طبائعها وأصولها وانحداراتها وأسباب بقائها كهوية لمعظم منتسبيها خارج إطار مبدأ سيادة الدول الذي أسسته معاهدة ويستفاليا الدولية وترجمته اتفاقية سايكس – بيكو، وفق معطيات نشوء النظام العالمي الجديد، باحثًا عن إجابات لأسئلة كهذه:
– هل كانت الخرافة سبيل الهاشميين إلى التعلق بمكانة مميزة في المجتمعات؟
– هل فرضت حرب اليمن السؤال الأول الذي إن مات عاد ليُبعث من جديد؟
– هل تمثّل السُلالية الهاشمية خطرًا وجودياً على مستقبل الحكومات العربية واستقرارها؟
– لماذا لم يمت الحسين بن علي حتى هذه اللحظة؟
– ما هي التحديات التي يمكن أن تواجه الشعوب الإسلامية -واليمن تحديدًا- في ظل بقاء الهوية الهاشمية داخلها، ولماذا اليمن؟
– ما علاقة الخمينية بها، وما هي ارتباطها بهاشمية اليمن تحديدًا؟
– هل يجوز تجريم الهاشمية كنظام أم الهاشميين كسُلالة؟
– ماهو الإطار العربي الذي يمكنه “عقلنة” الهاشمية وإبعادها عن الفخ الخميني؟
هذه أولى الأسئلة، أرددها قبل الحديث عن الهاشمية كقبيلة تتشكل في اليمن بإصرار مُسلّح يهدم صفة اليمنيين ك “يمنيين”، ويمر على أنقاضهم إلى شعاب أخرى تسكنها الهاشمية، فتتشكل معها وتصير شعبًا، وتمر حتى تجد آخرين فتضمّهم إلى هويتها، ولن تتوقف إذا انتصرت في صنعاء واستطاعت هزيمة اليمنيين إما بالسلام المخادع أو الحرب العسكرية.
تطورات الهاشمية وتوحدها العرقيّ يدفع صنعاء إلى مستقبل مشابه للقدس، يعزل اليمنيين عن هويتهم كما عُزل الفلسطينيون عن أرضهم بفعل نبوءة “شعب الله المختار”.
تنقّل اليمنيون على مدى طويل من السنين الغابرة إلى بلاد أخرى كثيرة، غادروا بسبب حروب الألف عام التي أوقد نارها الهاشميون كل عقدين أو ثلاثة، رحل المعارضون والمؤثرون ثم لم يعودوا، وحلّت مجموعات فارسية ومستوطنون غرباء وبدو رُحّل في تلك الأراضي المنتزعة من أصحابها، وتعرضت القبيلة اليمنية إلى هيكلة وظيفية استهدفت رؤوسها المشايخية بقوة السلطة الهاشمية “الحاكمة”، وبرزت عائلات مشايخية جديدة موالية للإمامة العنصرية، حتى صاروا معًا قوة تستجيب لداعي الإمامة كلما أنشبت مخالبها، مستفيدة من حالة الحضور النوعي للهاشميين في المرافق العصبية الهامة للدولة والعشيرة.
إنها خطوات فتاكة في تجريف قوى التأثير اليمني، إما بالسجن، أو التهجير، أو القتل. ذلك ما حدث في فلسطين بسبب العرقية الصهيونية التي أجازت حرق السكان المقاومين ونثر رمادهم في مقابل فرصة أخرى لحياة صهيونية موعودة بالهيكل، ومولعة بالعهد القديم، وهو العهد الذي ظهر باسم الإسلام تحت عنوان “موالاة أهل البيت” أو الآل، أو العترة، أو آل محمدﷺ التي نفهمها اليوم تفسيرًأ لعبارة “الأنصار”، غير أن تفسيرها الهاشمي يحصرها في كل منتسب للعرقية الهاشمية حتى لو كان أفطسَ صينيًا ذا عينين غائرتين، أو راقصًا أخضرَ العينين يلهو على حدود الأمازون مع لاتينية نافرة، فإنه رجل مُقدّس! أو عَلَم أو إمام، أو يكفي أن يكون هاشميًا يشار إليه بالبنان فيتبعه الناس اتقاء سخط الله ووعورة الطريق إلى الجنة!
***
صعدت حرب اليمن إلى واجهة الاهتمام الإنساني، وظن الذي يفسر الماء بالماء أنها حرب فرقاء، كتلك التي يدوي صوتها على سواحل درنة الليبية، أو بجوار قلعة حلب التاريخية، لكنها غير ذلك، إنها حرب لم تنَم، ومعركة مفتوحة منذ قرون، إن لم تصطل بالسيوف وتُخضّب بالدماء فهي نزال بالوظائف والقرارات والعصي والتظاهرات والكُتب، تحشد أدواتها كلّ يوم وراء الجبال على هيئة معارك ودّية بين مُجتَمعين داخل حدود واحدة، المجتمع اليمني ومجتمع الهاشميين.
وفي كل معركة حقيقية يدفع اليمنيون أمنهم ومعيشتهم وعنادهم وهويتهم ثمنًا في حالة دفاع عن النفس أمام إرادة الغزو الهاشمي من الداخل!
شعبٌ بأكمله يدافع عن حقه في التاريخ، وموقعه في الجغرافيا، وصوته في العالم، كنوع من تعبير الفطرة الإنساني المبارك، وترجمة لتعاليم الأنبياء المأخوذة عن الله تع إلى وقد عاشوا لأجلها، وحاربوا لها وماتوا عليها، ورفضوا كما رفضنا الإذعان لمنطق الغلبة والعنف، وسلّموا بمسؤولية الفرد عمّا كسبت يداه، وعن يومه وغده، وعلاقته بالناس، والدعوة إلى الكفاح المسلح دفاعًا عن حق المجتمع والأفراد في الحرية والسلام والعدل، والدعوة بالحسنى، واحترام الانتماء العقدي.
تلك قوانين الشرع التي أصلّها الناموس الإلهي في القرآن الكريم، ومثّلت إطارًا كونيًا لسنن الله تع إلى في خلقه ومخلوقاته.
***
في كل معركة يكتشف اليمنيون أن الهاشمية ضد فكرة الدولة، ولاتؤمن بها إلا إذا كانت مُسخّرة لأفرادها المتسلسلين من عرق يدّعي اتصاله ب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، نسبًا!. وأن هذه الفكرة التسلسلية لعائلة أحاطت تصرفاتها ب “القداسة” تنفي نظرية المواطنة، وتنسف عدالة الدين، وتشوّه فطرة الإنسانية والخلق، ما يجعل الحرب مفتوحة وأبواب المُدن مشرعة للضباع الضالّة وهي تغطغط بحثًا عن فريسة لا تقدر على هضمها، فكّها المفتوح عن آخره لا يقدر على ابتلاع شعبٍ عنيد متحفز ومقهور للدفاع عن نفسه في مواجهة تلاحم عرقي موحش صنعته الهاشمية بغزلها، وجعلت لخيوطها ألوانًأ يُقال لها الهاشمية الدينية، والهاشمية السياسية، والاقتصادية والثقافية والعسكرية!
ولا يعني أن يتدلى المرء مشنوقًا على أنشوطة وردية اللون أنه سعيد الحظ، فالموت هو الموت، والمشنقة تعني النهاية وإن كانت بقلادة ذهبية.
الولاية المقدسة لدى الهاشميين في اليمن تنتج أجيالًا متحفزة للقتل، مصنعًا لإنجاب أفراد تعلموا أنهم ليسوا يمنيين، لا ينتمون إلى البلد ك “مواطنين”، يحكمون فقط!، هكذا قيل لهم، وقالوا أيضًا: إن على السُكّان القابعين في الضفة الأخرى دفع مبالغ مالية من زكاة النفس والخُمس لقاء إيمانهم بالله! الإيمان الذي جاءوا به وقدّموه لليمنيين كسلعة، وخلقوا لأجله الوظائف الفقهية في المساجد ودور الفتوى والقضاء، وهو الإيمان الذي لا يفسره سواهم، ولا يزاحمهم فيه أحد إلا تعرض للتنكيل اللفظي والسخرية والتشويه والقتل.. أحيانًا.
***
على الزناد تتحفّز أصابع الهاشميين الذين ينشأون في الأرياف، فيشكلون الكتلة الصلبة للحركة المسلحة، ويتولون أعمال المخابرات والتعذيب والإشراف الأمني والإغارة على القبائل العصية، ومهاجمة وتدمير منازل المعارضين في المدينة.
يُوزّع الهاشميون أدوارهم بين محارب وكاتب ومُشكك ومخبر مستفيد، حتى إذا اطمأنّوا إلى إخضاع الدولة بالقوة، عادوا فأنتجوا حروبهم الداخلية وألحقوا اليمنيين معهم في كل دم، ومع كل رصاصة تُطلق أو سيف يستل من غمده.
أما إذا لاح وجه الهزيمة، فلا وجهٌ يَبقى، ولا لقبٌ يُعرف، ولا جلبابٌ يُقبض، يتخفون ما أمكنهم، يتوسلون بصور الحسين بن علي ويُذكّرون الضحايا بأجر ذوي قربى “النبوة” ليخشعوا ويسامحوا، ويكتب “زيد الوزير” من لندن أنهم عِرقٌ سامٍ وعلى اليمنيين التعايش معهم وفق ذلك المعتقد! لكنه ليس معتقدًا، إنه كهف أسود يحوي الشياطين والسحرة والمردة، تسمع هسيس النِصال في جوفه، فتقهرك العَتمة، وتتراجع!
المحاولة الأخيرة لأن يتحولوا إلى أقلية عرقية هي النهاية الأخطر في الحرب، تمنحهم وضعًا “مُستضعفًا” في محيط غاضب لا يستطيع الوصول إلى العدالة الممنوعة بأمر الصليب الأحمر! ولكنهم ليسوا أقلية بالتعريف الإنساني والاجتماعي والفئوي، فتلك حيلة ستمضي من مؤخرة المدافع وتمنحهم وضعًا آخرَ لإدارة حروب قادمة.
وفي مقارنة تُظهر البعد الإنساني الحقيقي مع شريحة السود في اليمن تُظهر الأرقام إحصائية مُلونة لقلوب بيضاء تفوق الهاشميين ثلاثة أضعاف، وبمعاناة تكاد ترقى إلى جريمة ضد الإنسانية يمارسها شعبٌ أبيض على جزء ينتمي إليه بسبب لونه، رغم ذلك لا يرون أنفسهم أقلية. ولا يقولون بانتماء آخر سوى أنهم يمنيون، ويمنيون فقط.
***
لقد تغذى اللاهوت الهاشمي المعاصر المكتوب في ألواح مدينة “قُم” الإيرانية على تسليح التشيع ونشر جيوشه المذهبية على تخوم مناطق الجزيرة العربية، ولم يبق لاكتمال دائرة الثأر لرمزية الحسين بن علي في مواجهة شر “يزيد” المزعوم إلا إسقاط اليمن قولًا وفعلًا، وتحويل شعبها إلى جيش احتياطي خدمة للقلعة الاستعمارية الإيرانية التي تهفو إليها افئدة بعض الهاشميين من مشرق الأرض ومغربها، حتى موعد الغزو الأكبر للجزيرة، والقبض على “مكة المكرمة”، وتحويل الكعبة المشرفة منبرًا لدراسة تأثير العمامة السوداء على الهاشميين الصُفر، وتحفيزهم للسيطرة على بلدانهم وإسقاط حُكامها بدعاوى مختلفة.
***
تعمدت أن أطلق على الكتاب وصف القبيلة، وليس المدينة الهاشمية، لأن موروث الهاشمية في اليمن – تحديدًا – يستولي على النصرة القبلية، ويشحذ هممها بالأهازيج الشعبية، ويوازيها ويعقد تحالفاته تحت سمعها وبصرها، وقد تطبّع الهاشميون بقوتها وأحكامها وأعرافها وداعيها القبلي، لكنهم تجاوزوا القبيلة اليمنية بعدة سمات: أنهم بلا حدود، فالهاشمي المولود في إب من عائلة المتوكل -مثلًا- يناصر من يقول إنّه “ابن عمه” في المحويت أو صنعاء أو ذمار بدافع سُلالي، ولما تشكلت جماعة ما يسمى “أنصار الله” كذراع عسكري مسلح للهاشمية، انضمّ إليها هواشم الأرياف الذين عاشوا في كنف القبيلة، ومع توحدهم السُلالي تشكلت القبيلة الهاشمية في مواجهة القبيلة اليمنية، وخسر زعماء القبائل التقليديون كآل الأحمر حروبهم مع القبيلة الهاشمية لأنها قبيلة عقائدية مترابطة مستعدة لمواجهة الموت والتضحية بأكبر عدد ممكن من أفرادها المغسولة عقولهم، ومع ارتفاع منسوب الحنين الهاشمي لبعضه علنًا، يرق حال أبناء عمومتهم في البلدان الأخرى، الذين يبادلونهم أيضًا شعورّا معلنًا كحال تنظيمات حزب الله، وهواشم إيران، وشيعة العراق، وغيرهم من المتطرفين والناعمين على حد سواء، كما يظهر التأييد على استحياء، أو بحبسه في النفس خيفة وتوجسًا، كحال بعض الأسر الهاشمية التي تركز على تفاصيل معركة اليمن بامتعاض، وتدعو إلى السلام الذي لا يُعيد أسلحة الدولة اليمنية من يد الهاشميين إلى مخازنها. وهو منطق ملتوٍ يؤسس لهاشمية مُسلحة في اليمن وإن في حدها الأدنى.
أخطر ما في القبيلة الهاشمية أنها بلا حدود جغرافية، أو كيان أو اسم.. تنظيم تلقائي بالتناسل، أفراده متوزعون على كل الخارطة، يلتقون بعصبية شديدة في كل شيء، يعمدون إلى القسوة كسلوك دائم في نزوعهم إلى العنف، وأشد مرارة في استخدامهم الماهر للسلاح، وجرأتهم على الحرب والصراع دون حساب لجملة التكاليف والتضحيات، وهُم في ذلك ليسوا القبيلة بوجهها المشرق، بأعرافها وشيمها وتقاليدها، وفنونها وكرمها وشجاعتها، بل القبيلة التي يُنزع عنها الضمير فيصبح أفرادها أطلالًا من المسوخ، لا يردعهم قول الناس فيهم، كأنهم لا ينتمون إلى العرب.
ولم أسمّهِ “السلالة الهاشمية” لأنه سيفقد قيمته بمحاكمة سُلالة كاملة فيها البريء والصالح والفاسد والطالح -رغم أني مُصِر في هذا الكتاب على ضرورة إنهاء زمني للهاشمية كهوية داخل اليمن- لأن رغبتهم الجامحة في العنف والثورة لا تُخفى، فمن يراجع تاريخهم يجد إصابة كل الأجيال المتعاقبة على مستوى العالم الإسلامي بثوراتهم، بدءًا من معارك “صفّين” و”الجمل”، مرورًا بكل العلويين حتى زمننا الحاضر.
***
– لقد جئت بملء إرادتي لأحكي عن اليمن التي تموت كل قرن مرتين على الأقل منذ اثني عشر قرنًا، أرهق الهاشميون دماء أبنائها في حروب كبيرة، ومعارك صغيرة، ومع نهاية كل خمسين عامًا يظهر جيلٌ لا يعرف حجم الإبادة الكارثية التي تعرض لها أسلافه، ولا معنى البطولة الغراء التي قاوم بها اليمانيون أدعياء الحق والكهنوت والخرافة.
لقد جئت وحيدًا أنتحب على أبواب عاصمتي صنعاء التي اختطفها الهاشميون، آملًا أن يسمعني أحد، أن يقرأني فتى منصتًا لشهادتي فيعقل قولي، وتكسبه اليمن إلى صفها على أن تسلبه الهاشمية روحه ودنياه وآخرته.
جئت لا ألوي على شيء إلا تدوين ما لم يفعله أجدادنا عن تلك الحروب التي دمّرتهم وأهلكتهم وشرّدتهم، ونزغت بينهم بالفتنة والدماء، وحرمتهم حقهم في شرعهم وشريعتهم وشعائرهم، جئت مؤمنًا أن الله واحد أحد لا إله غيره جل في علاه، تقدّست أسماؤه سبحانه وتع إلى عما يُشركون، وأن محمدًا الطاهر المطهر نبي العالمين عبد الله ورسوله.
أنا هنا فقط لأّدلي بشهادتي عن سنوات المًرّ الآثم، قبل أن يفر الجاني تحت حماية الأمم المتحدة، ويُفرج عنه لعدم كفاية الأدلة، وحتى لا يختفي الشهود، ويجف حبر القاضي، وكيلا تُقيد الجريمة ضد مجهول.

– نسخة الكترونية مزيدة ومنقحة على الرابط التالي:
https://nafsam.org/…/2020/book/qabilah-hashimiyah.pdf

عناوين ذات صلة:

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية