الصليحية.. دولة أصلحت حال اليمن

الصليحية.. دولة أصلحت حال اليمن
بلال الطيب
بلال الطيب يكتب: الصليحية.. دولة أصلحت حال اليمن

تُعد الدولة الصليحية من أبرز وأنجح الدول اليمنية المُتعاقبة في تاريخ اليمن الإسلامي، أعاد ملوكها الثلاثة – علي الصليحي (المُؤسس)، والمُكرم أحمد (الابن)، وسيدة بنت أحمد (زوجة الابن) – لليمن مجده الحضاري، ودوره الريادي، وأوجدوا نوعًا من تعايش مذهبي، وتجانس سكاني، وصار اليمنيون إلى حدٍ ما سواسية، في ظل دولة قوية سادها العدل والتسامح، وجاب صيتها الآفاق.
ينتمى علي الصليحى المولود في قرية قتر بحراز ٤٠٣ه – كما أفاد المُؤرخ إسماعيل الأكوع – إلى قبيلة الأصلوح الحميرية، عمل في فجر شبابه دليلًا للحجاج، وهي الطريقة التي هيأت له الالتقاء بأنصاره، وتقوية أواصر العلاقة مع بعض الزعامات اليمنية ممن أنس فيهم ميلًا إلى مُساندته.
وفي موسم حج 438ه التقى بمكة المكرمة بـ60 رجلًا من همدان، بايعوه، وقدِموا في منتصف العام التالي نوفمبر 1047م بطلب منه إلى جبال حراز، ومعهم عدد كبير من الموالين، استولى بهم على حصن مسار، وقام بتحصينه، وأعلن منه قيام دولته.
بعد أن انتصر على مُعارضيه، جعل علي الصليحي من مدينة صنعاء عاصمة لحكمه، أعاد لها مجدها، وبنى فيها الدور، وأسكن معه الأسرى من حكام اليمن الذين أطاح بعروشهم، أكرمهم، وأحسن إليهم، وقام بترتيب أمور سلطته، فعهد بحكم الأقاليم لمن يثق بهم من أفراد أسرته، وأشاع – وهو الأهم – التسامح الديني، وأطلق لأصحاب المذاهب الدينية الأخرى حرية الاعتقاد، والعمل؛ الأمر الذي مَتَّن دعائم دولته، وجعلها في مصاف الدول الحضارية التي تعاقبت على حكم اليمن والمنطقة.
لم يأتِ العام 455ه إلا وقد حقق علي الصليحي حلمه، وكوَّن دولة قوية شملت اليمن كله، حتى مكة المُكرمة، كانت مدينة صعدة خاتمة فتوحاته، أخذها في ذات العام من يد أحد الأمراء الإماميين، وعنه قال عمارة: «ولم تخرج سنة خمس وخمسين وما بقي عليه من اليمن سهل ولا وعر ولا بر ولا بحر إلا فتحه، وذلك أمر لم يعهد مثله في جاهلية ولا إسلام»، وبذلك توحدت اليمن للمرة الثانية في تاريخها، بعد توحدها الأول في العصر الحميري الثالث، ويرجع ذلك إلى أنَّ عماد جيشه كان من المُؤمنين بدعوته، لا من المُرتزقة المُتقلبين الولاء.
كان علي الصليحي ذكيًا شجاعًا شهمًا مُتسامحًا مُتواضعًا، استطاع بعد جهود مضنية أنْ يوحد اليمن، ويأتي بما لم يأت به الأوائل، وعنه قال المُؤرخ الحمادي: «وكان الصليحي شهمًا شجاعًا مقدامًا»، وقال عنه الجندي: «كان شاعرًا فصيحًا بليغًا»، وعده المُؤرخ المقريزي «أحد ثوار العالم»، وقال عنه المُؤرخ بامخرمة: «وكان الصليحي حازمًا عازمًا جوادًا شجاعًا ممدَّحًا.. وكان مُتواضعًا لا يمر بقوم إلا أشار إليهم بالسلام، فطنًا، ما يخبر بشيء إلا ويصح»، وهي الصفات النبيلة التي أهلته لأن يكسب الكثير من الأنصار، ويؤسس دولة قوية ذاع صيتها، وما يزال حضورها لافتًا في صفحات تاريخ اليمن الإسلامي.
حين عمَّ خبر اغتيال علي الصليحي – على يد النجاحيين المُنتقمين لمقتل زعيمهم – الأرجاء في ذي القعدة 459ه، وهو في طريقه إلى الحج، تجددت الفوضى، وشملت سائر البلاد، تصدى ولده المُكرم أحمد بحزم لجميع التمردات القائمة.
كان المُكرم أحمد كأبيه، ذا عزم، وحزم، وإقدام؛ بل فاقه في بعض الميزات القيادية، مثل عدم لجوئه إلى أخذ الرهائن من مُعارضيه، وعدم التدخل في صراعات القبائل، ولو كان أحد الأطراف من مُناصريه، وهي السياسة التي أدت – كما أفاد المُؤرخ السروري – إلى عودة تلك القبائل إلى طاعته، دون أنْ يبذل أي مجهود حربي في ذلك، وعنه قال المُؤرخ عمارة: «كان فصيحًا شجاعًا مشهورًا بالثبات والإقدام، إذا زلت الأقدام، ولم يكن في زمانه من يتعاطى حمل رمحه وسيفه؛ لشدة قوته، وعظم خلقه».
بلغت الدولة الصليحية في عهد المُكرم أحمد أقصى درجات القوة، وتجاوزت كدعوة الجغرافيا اليمنية إلى عُمان، والحجاز، والأحساء، والهند، والسند، جعل من مدينة جبلة عاصمة لدولته، وحين اشتد عليه مرض الفالج؛ نصحه الأطباء باعتزال الناس، فالتزم بالأمر، وترك الحكم لزوجته سيدة بنت أحمد، وآثر الاعتكاف في حصن التعكر حتى وافته المنية جمادي الأولى ٤٧٧ه، وهو في العقد الخامس من عمره.
سيدة بنت أحمد بن جعفر الصليحي المعروفة باسم الملكةأروى، ثالث وآخر حكام الدولة الصليحية، والاسم النسوي الأشهر في تاريخ اليمن السياسي، لا تقل عزيمةً عمن سبقوها، كانت بشهادة كثير من المُؤرخين على قدر كبير من الذهنية الصافية، والحنكة القيادية، والدراية السياسية، والهمة الاقتصادية، لا تقطع أمرًا حتى تستشير رجالات دولتها الفاعلين، فاستحقت بجدارة تسمية (بلقيس اليمن الصغرى).
كان للملكة سيدة توجه في انعاش وضع اليمن اقتصاديًا، اهتمت برعي المواشي، وأوقفت لذات الغرض أراضي كثيرة، كما قامت بتعبيد الطريق من السياني إلى رأس جبل سمارة، وعملت على تشييد عدد من المساجد، والمدارس، والمصحات، ومن أبرز الانجازات التي تحققت في عهدها: إضافة الجناح الشرقي لجامع صنعاء الكبير، وتزيينه من الداخل، وجعله في أبهى حُلة، وبناء المسجد الجامع في جبلة، ومسجد الضربة في يريم، وتجديد بناء جامع الجند، وإيصال الماء إليه من مناطق جبلية بعيدة.
كثرت في أواخر عمرها التمردات عليها، وسقطت معظم المناطق تباعًا بأيدي بعض الزعامات، لتتحقق نهاية تلك الدولة العريقة بوفاة تلك الملكة العظيمة شعبان 532ه / إبريل 1138م، عن 92 عامًا، وبعد حكم دام لأكثر من نصف قرن، وقد رثاها عدد من الشعراء، منهم القاضي حسين اليامي الذي قال في إحدى قصائده:
وسالت دموع العين مني كأنها
بشط مجاري المقلتين سطور
ووالله منها روح قدس تميزت
فصارت بأعلى الدائرات تطير
خلا القصرُ في ذي جبلة من مكارمٍ
يحنُّ إليها بائسٌ وفقير
عناوين قد تهمك:

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية