المقالح وصنعاء.. حكاية عشق

  

همدان دماج

د. همدان دماج عن شاعر ومفكر اليمن الكبير عبدالعزيز المقالح وصنعاء.. حكاية عشق


مع رمز اليمن الثقافي وشاعرها الكبير الدكتور عبد العزيز المقالح في إحدى رحلاته النادرة خارج صنعاء.
منذ نهاية السبعينات بعد عودته من مصر، لم يفارق المقالح صنعاء ولم ينم في غيرها ليلة واحدة، سوى ليلة 22 مايو 1990 التي قضاها في عدن التي في ذلك اليوم رُفع فيها علم الوحدة اليمنية، والتي فيها أيضاً كتب المقالح قصيدة بعنوان “قصيدة العمر”، جاء في أحد مقاطعها:
جسدٌ دافئٌ كالنهار
وعينان صافيتان
تضيئان ليلَ الزمان
وليلَ المكان،
وفي لحظةٍ تكتبان على صفحةِ الروح
أَوَّلَ فصلٍ
لقصةِ حبٍ فريدةْ.
والحق أنه لم يسبق لأحد أن تماهى مع المكان كما تماهى المقالح مع صنعاء التي عاش فيها وعاشت فيه، وكتب لها وعنها أجمل ما يمكن أن يُكتب من شعر، وأسس فيها صرحاً ثقافياً وأدبياً هائلاً بلا حدود، وفتح أبواب اليمن الثقافية الزاخرة للعالم، وفتح أبواب الثقافة والأدب العربيّ والعالميّ على اليمن، حَدَّ اقتران اسمِهِ باليمن، واقتران اليمن باسمِه، وهو اقترانٌ له شأنُهُ وقِيمتُه، وما كان لأحدٍ أن يَبلُغَه لولا الإيمانُ المُتجَذّر في ذاتِ المقالح بهذا التّوحّد الذي آمَن به وأخلَصَ له وأفصَحَ عنه يومًا حين قال:
في لساني يَمَنْ
في ضميري يَمَنْ،
تحتَ جِلْدي تعيشُ اليمنْ
خلفَ جَفْني تنامُ
وتصحو اليَمَنْ،
صرتُ لا أعرفُ الفرقَ ما بينَنا..
أيُّنا يا بلادي يكونُ اليمنْ؟!
انطلقنا بالسيارة في الخامسة والنصف صباحاً من أمام منزله. كان جو صنعاء في ذلك الوقت من شهر أغسطس نفحة من الفردوس، وكانت هذه هي المرة الأولى التي أسافر فيها معه إلى ما هو أبعد من ضواحي صنعاء. كنت أبتسم لشعبية المقالح الطاغية، ففي أي مكان كنا نتوقف فيه كان الناس بمختلف أعمارهم وهيئاتهم، ما أن يلمحوه ويميزوه، حتى يهرعون للسلام عليه بمودة خالصة وحب حقيقي.
وعندما كنا نتوقف في زحمة مداخل المدن كان ركاب السيارات المحاذية لنا يلوحون بأيديهم، أو يرفعون أصواتهم بالسلام والتحية.
يعرف الدكتور عبد العزيز اسماء معظم القرى والجبال والوديان التي كنا نمر بها على امتداد الطريق الممتد لأكثر من 160 كيلو… يعرف تاريخها والنوادر والحكايات الشعبية المرتبطة بها، ويعرف الكثير الكثير من اسماء ابنائها وأحوالهم، وكانت هي بالمقابل تعرفه أيضاً.
كنتُ مستمتعاً بالمناظر الخلابة التي تحيط بنا عندما وصلنا مشارف “وادي بنا” الشهير، بينما كان الدكتور عبد العزيز منشغلاً بإخفاء وجهه متجنباً أن يتعرف عليه أبناء المنطقة فيقومون بإحراجه (كما هو معتاد) بقبول ضيافات لم تكن ضمن خطته التي كانت تقضي بأن نعود إلى صنعاء في نفس اليوم، بل أن نكمل النهار في مقيله الأدبي المشهور فيها، وهو ما حدث فعلاً رغم محاولاتنا الفاشلة لإقناعه بالمكوث أكثر.
تجدر الإشارة إلى أن ارتباط المقالح بصنعاء وعدم مغادرته لها ما هو إلا جزء من فرادةِ شخصيته وتميّز طباعها المتعددة، وطقوسها الصارمة، وهي الفرادة والصرامة التي ساعدته أن يعيش حياةً عبقرية، فَذّة، مليئة بالتحدّيات والإنجازات الشّعرية والثقافيّة والفكرية الكبرى، وأن يضع لنفسه مكانةً رفيعة ومُميّزة في قلوب الملايين مِن قُرائه وتلامذته ومحبّيه، في اليمن والوطن العربي، تارِكًا بَصمَتَهُ الفارقةَ في ديوانِ الشّعر العربي، كأحد أهَمّ وأشهَرِ شعراء العربية المعاصرين، وكأحد أهم الشخصيات والرموز اليمنية العابرة للقرون.
كل المحبة له، والأمنيات بالصحة والعافية وطول العمر إن شاء الله.

عناوين ذات صلة: