تقديم ديوان “النغم الثائر” للشاعر عثمان أبو ماهر

  

عبدالعزيز المقالح

تقديم كتاب بقلم أ. د. عبدالعزيز المقالح: ديوان “النغم الثائر” للشاعر عثمان أبو ماهر


منذ خمس سنوات تقريباً (يقصد العام 1972 تقريباً) جاءني صديق يحمل بن يديه مجموعة من القصائد للشاعر عثمان أبو ماهر، قرأت منها قصيدة جاء فيها:
يا رب دينك باسم الدين يُغتالُ
أعداءُ عدلك حكامٌ وعمّالُ
وبعض من يدعي علماً ومعرفة
لشرعة الله ظَلّامٌ ومحتالُ
قالو وزارة عدلٍ، قلت: مقبرة
للحق فيها وجوه الظلم تختالُ
وترتدي جبب التقوى محاولة
خداعنا، وكأن الدين أسمالُ
وبعض من في زواياها وحجرتها
مناهض لجلال العدل دجالُ
مصعر الخد تحصي السحت تمتمةً
كأنها الذكر _ كلا بئس ما قالوا
ويعود تاريخ هذه القصيدة الهجومية العنيفة الى عام 1969، وحين قرأتها أكبرت شجاعة الشاعر وثورته العنيفة على بعض من يدعون الدين والحكم باسم الشريعة الإسلامية، وهم من الدين والشريعة براء، كما لمحت من خلال سطور هذه القصيدة شاعرا يتوثب ليحتل مكانه بين الشعراء، وقد عرفت فيما بعد أنه من الشعراء العسكريين القلائل الذين يحاولون الجمع بين السيف والقلم ويجددون ذكرى البارودي وحافظ ابراهيم من الشعراء العسكريين المعاصرين في بداية العصر الحديث، وكان قد سبقه إلى ذلك من بين شعرائنا العسكريين المعاصرين في اليمن عدد في مقدمتهم الاستاذ العقيد أحمد المروني، وكان في الأربعينات يدعى شاعر الجيش اليمني، والمقدم يوسف الشحاري صاحب المواقف الوطنية والأدبية الحاسمة في السبعينيات.
وقد مرت فترة من الزمن دون أن أقرأ شيئا للشاعر أبو ماهر، لكني فوجئت أخيرا بديوانه الأول أو محاولته الأولى بين يدي مع طلب أخوي بتقديمه إلى القارئ في بلادنا، فماذا نقرأ في هذا الديوان؟
يتألف الديوان من ناحية الشكل من اساليب مختلفة. أما من حيث الاتجاه فهو ديوان ذو اتجاه واحد وهو الاتجاه الوطني الذي كان يسود شعرنا المعاصر كله.
أما اساليبه الثلاثة فتتمثل في الشعر العمودي التقليدي البناء ثم الشعر الجديدة المتطور البناء، وأخيرا الشعر العامي الذي يجمع بين الشكلين التقليدي والمنظور.
وكنت قد استمعت في أحد الشرائط الغنائية القادمة من الوطن إلى اغنية رقيقة للشاعر عثمان أبو ماهر يتحدث فيها بلهجة تهامة (عن زارع محب، أو زارع الأرض) وهزت بلحنها مشاعري، وضاعفت من حنيني إلى الوطن وقد أسعدني أن تكون هذه الأغنية ضمن هذا الديوان:
وءتي ام مبطاح وا مراعي غزال امبشر
سلام وا زخم، وا خي خي امقمر
وا صاحب امكف مسمر حان غرس امشجر
مد اميدين وا جهد. أدعيك ماحد امر
غرّس وانا بامعرق. شسقي عروق امشجر
هكذا تستمر القصيدة شعبية اللهجة، شعبية اللحن، في مناجاة الفلاح وفي دعوة إلى الحنان بالأرض والإخلاص للتراب الذي يعطينا القوة والحياة.
وإلى جوار هذه القصيدة الغنائية قصائد شعبية غنائية أخرى أن تكون قد أسهمت في حجب الشاعر الفصيح فقد بلورت شاعر الأغنية الأصيل وجعلته في مقدمة كتاب هذا النوع المطلوب من أغاني العواطف الوجدانية بين الحب العام والحب الخاص.
ولعل من بين القصائد التي تتسم بالجديد قصيدة “قبلة” التي يناجي فيها الشاعر الوطن:
قبلت جبهتك العريضة ألف قبلة
وشممت فيها الحب.. حبك ألف مرة
وبكيت بين يديك.. أرقت دمي لحبك ألف كرة
وعصرت كل حصاك بين ضلوعي العشطى
يا صنعاء خمرة
ان بلادنا منذ فرضت وجودها الحديث غنية غنى واضحا في مختلف الحقول، وهي بشبابها الطامح إلى أن يحتل مواقعه المتقدمة في مختلف مجالات الحياة، أكثر غنى وأشد تفاؤلا بالحاضر والمستقبل.
وقد لعب الأدب وسيظل يلعب دورا قياديا في قيادة الحياة الفكرية والاجتماعية، وليس يهم أن يكون هذا النوع من الأدب فصيحا أو عاميا، المهم أن يكون صادرا عن تجربة وإحساس عميق بالواقع، وهذا ما تفصح عنه معظم قصائد هذا الديوان، بأشكاله المختلفة، من عمودية، وجديدة، وشعبية:
أجوع وأبكي لأشبع من دمعة الحب
من دمعة الشوق
للأرض للزرع للماشية
أغني لنهر عشقناه
يمر على تربة الجائعين
فليستمر غناء هذا الشاعر على طريق النهر.. النهر الذي يمر على تربة الجائعين والكادحين من مواطنينا، ليستمر هذا الغذاء حتى يستوي صوته وتثمر أغصانه بالجيد والنافع من الثمار.
د. عبدالعزيز المقالح
القاهرة – سبتمبر 1977
______
– هذه المقدمة تنشر للمرة الأولى على شبكة الانترنت، بمناسبة الذكرى الثامنة لرحيل الشاعر عثمان أبو ماهر المخلافي رحمه الله. مع جزيل الشكر للدكتورة لمياء الكندي.

عناوين ذات صلة: