رواية معراج الخلود.. إلياذة الشهيد البطل

عبد الرزاق الحطامي يكتب حول: رواية معراج الخلود.. إلياذة الشهيد البطل


بعد روايته “ثورة العبير” ومجموعته النثرية “ذات وعد مسروق” يعرج الروائي خالد العلواني بقارئه على سلم أحد أكثر الأجناس الأدبية شهرة وأندرها وجودا في الأدب المعاصر ، حيث يندثر تماما أدب ما يعرف بملحميات العالم الآخر، وألياذة الماورائي.

ومعراج الخلود للعلواني نص نثري ثري، بلغة شعرية دافقة وقالب روائي متعدد الشخوص والمشاهد، وهو يرتقى خطا عموديا، تتصعد فيه الأحداث والرؤى على براق الرمزية المكثفة والأخيلة المحلقة في آفاق ما هو أبعد وأسمى من فعل الاستشهاد الجسدي نفسه، في سبيل الوطن والقضايا الإنسانية النبيلة.

وقبل الدخول في عتبات النص الملحمي ل” معراج الخلود” لا بد من التعريج بداية على أشهر الأعمال الأدبية التي اقتحمت هذه الآفاق الغيبية اللامرئية، وهي أعمال جابت شهرتها آفاق الأدب والتاريخ، وما زالت محط الدراسات النقدية والاندهاش، ولا شك أن رسالة الغفران لأبي العلاء المعري تأتي في مقدمتها، كونه المؤسس الفعلي لهذا النمط الأدبي وأول من اخترق عوالمه الميتافيزيقية، بلغة فلسفية معقدة، وأبعاد فنية وأدبية بديعة، شكلت قوام هذا الأسلوب الجديد من أدب العالم الآخر وملاحمه الشعرية والنثرية.

وكما هو معلوم تحضر الأيديولوجيا محددا رئيسا في تحديد هوية هذا النمط الأدبي، وثمة ركائز أخر تعد جزئيات هامة من مجال هذه الهوية أو ملامح محورية في تشكيل وجهها العام، ففي رسالة الغفران يكون الدين الإسلامي، وفي الكوميديا الإلهية لدانتي تكون الديانة المسيحية، على الرغم من مقارباتها الإسلامية المتعددة ، والتي دفعت الكثير من النقاد لاعتبارها تفريعا من رسالة الغفران للمعري.

وبما أن معراج الخلود للروائي خالد العلواني، منجز أدبي يمني، يحلق في آفاق هذا الجنس الأدبي من الملحمات الروحية وإلياذات الماورائي، إلا إن انطلاقها من ثيمة “الشهيد” الذي هو جوهر مضمونها ومبتغاها الفني في النص، يجعلها أقرب ملامسة لرواية مأساة واق الواق للشهيد محمد محمود الزبيري، فكلاهما ينبني على ذات القضية ويدور حول فكرتها اليمنية الخالصة، وهما ينشدان معا الخلود والمدينة الفاضلة.

غير أن ملحمة ” معراج الخلود” للعلواني تبدو بزمن نشرها وثيمة مضمونها ذات قيمة أخص، كونها تربط بين جيلين ثوريين، وتعيد تجسير العلاقة بين شهداء ثورتي سبتمبر وأكتوبر ، وشهداء ثورة فبراير 2011، ومعركة الدفاع عنها وعن أهدافها التي تكابد طريقها دما نازفا على طريق التحقق.

إن لحظة لقاء بين الشيخ ربيش وهبان العليي وبين الزبيري في “معراج الخلود”، لتقودنا إلى هذا الجسر الشاهق والمهم ، كما أن معراج الخلود للعلواني تمثل إحياءً أدبيا لرواية مأساة واق الواق، العمل الروائي الوحيد للشاعر أبي الأحرار محمد محمود الزبيري والتي لم تنل حقها من الحضور في مساجلات الأدب والدراسات النقدية، رغم أهميتها للجيل الحاضر.

و مع أن مأساة الزبيري تنتمي إلى الفن الملحمي الذي افتتحه المعري نثريا وطوره دانتي شعريا ، إلا أنها تخترق مجالا خاصا بها، لكونها عملا روائيا وتعتمد الشهيد الوطني شخصية محورية وبطلا مركزيا في رحلتها الروحية إلى العالم الآخر، ونشدان المدينة الفاضلة بالاحتفاء بروح الشهيد واتساق القضية بين عالمين: الدنيا والآخرة ، جحيم الحياة الفانية وجنة المأوى الخالدة للبطل الشهيد.

أي أن ثيمة الصراع بين الخير والشر في مأساة واق الواق للزبيري، ومعراج الخلود للعلواني تأخذ بعدا أنبل في قضيتها الجوهرية مما هي عليه في رسالة المعري وملهاة دانتي ، فلا هي – أي الشهيد القضية – ردا شخصيا يستعرض فيه المعري قدراته اللغوية بغور فلسفي في رده على رسالة إبن القارح ، و لا هي باتريس المحبوبة والمرشدة السياحية في رحلة دانتي السماوية وملهاته الشهيرة.

والقضية في مأساة الزبيري ومعراج العلواني وطنية بامتياز وواحدة، الشهيد بطلها وشخصية فردوسها الجوهري، والمشروع الإمامي الكهنوتي والمتجدد بنسخته الحوثية شيطان جحيمها، والصراع هنا يدور ، وتعتمل أحداثه المتصاعدة ثورة وتواصلا بين الأجيال وعشقا وتضحية ، وما ثم ما هو شخصاني وذاتي في هاتين الإلياذتين اليمنيتين، وهما يعرجان معا على ذات السلم نحو الأسمى وسدرة المنتهى، حيث مجد الخلود ووحدة القضية.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية