دفاعاً عن الإمام زيد بن علي

دفاعاً عن الإمام زيد بن علي
حمود العودي

د. حمود العودي يكتب: دفاعاً عن الإمام زيد بن علي رضي الله عنه


1- حيثيات الخطأ.
في أحدث إصدارات الحاضر عن أقاويل وتقولات الماضي وقع في يدي كتاب عن الإمام زيد بن علي رضي الله عنه في طبعته الأولى (2019) في (277) صفحة من الحجم المتوسط، مقدم له من رابطة علماء اليمن، وهو عبارة عن شذرات وأحاديث ووقائع منسوبة للإمام زيد بن علي في قضايا شتى وتقديم والتعليق عليها من كثير من الأشخاص بهدف تأويلها في اتجاه سياسي متعصب للأنا وضد الآخر بنفس سلالي ومذهبي مقيت..
وإذا لم يجد البعض ما يحملون عليه موقفهم من الأقوال والأفعال المنسوبة لزيد بحق أو بدون حق لا يترددون عن القول الافتراضي بأسمه دونما أدنى سند مقبول أو حتى غير مقبول، كقول أحمد علي المهدي في ص217 من الكتاب بشان مفهوم الولاية قوله: “وأوضح – يقصد الإمام زيد- أن الولاية هي تعيين من الله لأهلها.. وأوضح أن ولاية أمر الامة بعد نبيها (صلعم) لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه بدليل آية الخاتم “إنما وليكم الله ورسوله والذين أمنوا الذين يقيمون الصلاة ويأتون الزكاة وهم راكعون” … ثم الولاية من بعده لأبنه الحسن ثم للحسين .. ثم في الأخيار من ذريتهما”، مستشهداً بقوله تعالى” إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ” ويضيف مستدلاً بقوله تعالى ” إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ” (أنتهى نص الاقتباس).
2- الأبعاد والدلالات.
أ- الحقيقة في وجه الأكذوبة.
ما يمكن قراءته من الأبعاد والدلالات المتعلقة بالحيثيات السابقة هو الآتي:
* لم يورد المتحدث أية سيغة لفظية منسوبة لعلي بن أبي طالب أكثر من قوله بدلاً منه أو كذباً عليه على الأصح “وأوضح أن الولاية هي تعيين من الله لعلي بن أبي طالب إلى أخر النص آنفاً، ما يعني أن الإمام علي قد تحدث عن نفسه وأفتى لنفسه بما أوحى الله آليه بأن الولاية هي تعيين من الله له ولذريته من بعده من دون الناس، وبصرف النظر عن فساد مثل هذا القول المفتعل والإساءة البالغة به لواحد من خيار امة محمد فأين هو القول نفسه وأين مكان وزمان قوله ومصدره وروايته وإسناده؟؟ لا شيء بطبيعة الحال أكثر من لوثة عقل هذا المهدي غير المنتظر.
بل وأين يمكن وضع مثل هذه الأكذوبة في مواجهة حقائق حياة وفكر وجهاد زيد بن أبن علي القائل بما لا خلاف فيه بأن “الإمامة هي في الأفضل من المسلمين، وحتى لو ألت إلى رجل فاضل رغم وجود الأفضل منه فهي حق منعاً للفتنة، وإجازته طبقاً لذلك لإمامة أبي بكر وعمر باعتبارهم من الفضلاء رغم وجود من هو أفضل منهما في إشارة إلى الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في رأيه ورأي الكثير من الناس.

ب- موقف الإيمان في مواجهة الخذلان.
بل وإين سنذهب بموقفه الذي دفع فيه حياته في جنوب العراق حينما أصر غلاة الشيعة هناك على مجيئه إليهم من المدينة للخروج على ظلم الوالي الأموي ببغداد، فعاجله الخليفة هشام بن عبدالملك في دمشق بالارسال إلى وإليه في بغداد بسرعة إرضاء من يختلف معهم بما يرتضونه من المال والمتاع قبل وصول زيد، مقسماً عليه بأنه إن وصل زيد قبل أن يفعل ما أمر به فإنها الفتنة التي لا قبل لأحد بها… ففعل الوالي وزاد ولم يصل زيد إلا وقد قضيت حاجة الغلاة والمنتفعين بالدين وتجاره، لكنهم احتاروا بكيف يجدوا لأنفسهم عذراً من نكثهم بالوعد بالخروج بعد أن قضيت حاجتهم، فتقدم بعضهم أو كبرائهم بالحل واجمعوا على سؤاله عن رأيه في الشيخين “أبي بكر وعمر” رغم معرفتهم برأيه فيهما سلفاً، فرد عليهم بقوله المأثور “أخ كريم وابن أخ كريم والله لن أقول فيهما إلا خيراً” وكان ردهم ببساطة كغلاة وتجار دين من أجل الدنيا هو “إذن أنت ليست من أهل البيت ولا نصرة لك عندنا مالم تلعنهما وتكفرهما” فأبى وقال لهم أذهبوا فإنتم الرافضة، وبقى مع قلة ممن تبقى من أتباعه تحت بطش الوالي وبطشهم ليستشهد في مأساة لا تقل عن مأساة الحسين، ودون في أدبياتهم ملعوناً وغير ذي صلة بأهل البيت حتى اليوم، فأين كل حقائق التاريخ هذه من أكذوبة هذا المهدي غير المنتظر ولوثته العقلية في زمن ثورة المعلومات وهندسة الوراثة ومفهوم المواطن الإنسان العالمي، وليس زمن السادة والعبيد والزنابيل والقناديل.
2- من يكذب على الخلق لا يخجل من الكذب على الخالق.
وحتى يعزز صاحبنا هذا كذبه على زيد بن علي لا يتورع أو يخجل من الكذب على الله في تحريف كلامه عن مواضعه أو تحميله مالا يحتمل من التفسير السياسي الغرض كما يتضح من الآتي:
أ- خطاب الآيات الكريمة للعموم وليس الخصوص.
* الآية الأولى: هل الإيمان وإقامة الصلاة والزكاة حق عام أم حق خاص؟
في الآية الأولى يستدل هذا المهدي غير المنتظر بقوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) على أحقيته هو وأمثاله في السلطة والثروة من دون الناس، متذرعاً أو متوسلاً بالإساءة إلى سمعة علي بن أبي طالب وبنيه رضي الله عنهم وتحريف كلام الله عن مواضعه، والتساؤل الأهم في وجه هذا المكر السيء هو:
هل سياق ودلالة الآية الكريمة هي صفة ودلالة العموم بأحقية الولاية لكل الذين آمنوا والذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويركعون تعبداً لله؟ أم أن لها صفة الخصوص لعلي وبنيه” ومن يدعي زوراً الانتماء السلالي إليهم؟ والإجابة ببساطة بما لايدع مكاناً للشك عند كل ذي عقل هو خطاب للعموم وطبقاً لحكم الولاية الصريح في كتاب الله “وأمرهم شورى بينهم”.
غير أن الأخطر من تحريف كلام الله ومعانيه عن مواضعه على هذا النحو هو الاعتقاد الباطن عند هذا المهدي غير المنتظر ومن على شاكلته من أنه لا يوجد مؤمن ولا من يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة إلا هو وأمثاله ومن على مذهبه وماعداهم فليس إلا مجرد كفار تأويل، طبقاً لفتوى إمامهم الاسبق المتوكل على الله إسماعيل الذي استباح أموال وأعراض وحقوق اليمنيون وحينما طلب إليه التخفيف من الظلم رد بفتواه الشهيرة “بأن لله لن يعابه على ما يأخذه منهم بل على ما يتركه لهم باعتبارهم كفار تأويل” ما داموا على غير سنته ومذهبه السلالي العنصري، والتي لم يعترض عليها أحد من شيعته حتى اليوم وما يجري هذه الأيام ويؤسس له هو العكس تماماً مع الأسف الشديد.
ب- من اصطبح بالكذب ما تغدى به.
وفي الآية الثانية التي يستدل بها على حقه المكذوب في الولاية متذرعاً بالكذب والإساءة إلى علي والحسن والحسين هو استدلاله بقوله عز من قائل ” إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ” مذيلاً الآية بقوله “ومحمد وآل محمد من ذرية إبراهيم”، ومن سوء حظه أنه لم يستبعد حرف الجر “من” في عبارة تعليقه على الآية الكريمة حتى يتضح مقصده الحقيقي المنحرف في تأويل الآية من أنه وأمثاله هم وحدهم ولد آدم ونوح وإبراهيم وعمران …الخ، والذين تم اصطفائهم على العالمين من الجن والانس.
أما وقد كتب “من” هنا للجر والتبعيض بحسن نية منه أو بدونها فقد نجا من خطيئته الأولى وأكد وأعترف على الأصح بما لا يؤمن به من أن كل البشر هم من ولد آدم ونوح وإبراهيم… الخ وأن الاصطفاء هو للجميع وليس للبعض دون الآخر، عوضاً عن أن الاصطفاء “كمفهوم لغوي” لا يعني قط التمييز السلالي والعنصري للبعض على البعض الآخر من الناس كما يظن أو يعتقد هذا “الغير مهدي” بقدر ما يعني الهداية إلى الحق والبعد عن الباطل الذي هو اختيار لكل إنسان لقوله تعالى ” فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه “.
وخلاصة القول أن صاحبنا هذا إذا كان قد كتب حرف “من” بحسن نية فقد أصاب ونفى عن نفسه وعن أمثاله ما سبق وأن قاله كذباً وإساءة إلى الإمام زيد، أو أعتقده باسم الحق الإلهي المكذوب في السلطة والثروة من دون الناس فله الشكر والتقدير، وإن كان العكس هو الصحيح وأن ورود الحرف “من” في تعليقه على الآية الكريمة هو مجرد سهو أو خطأ مطبعي وهو الأرجح فما من إضافة لدينا سوى التذكير بالحكمة القائلة: “من اصطبح بالكذب ما تغدى به”.
3- أن تكذب على الخلق وتؤول كلام الخالق شيء، أما أن تزوره فشيء خطير؟.
أما الاستدلال الثالث والاخير على أحقية هذا المهدي غير المنتظر وأمثاله في السلطة والثروة من دون الناس هو إيراده للآية الكريمة مبتورة النص والدلالة وبلا خجل هكذا: ” إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي…” وعلى “طريقة ويل للمصلين”؟؟ وأوجه فحش التعدي على كلام الله إلى هذا الحد يتمثل في الآتي:
‌أ- بتر نص ودلالة الآية بحيث تبدو بعكس دلالتها ومقصدها تماماً، فبدلاً من إيراد الآية كما أنزلها الله بكامل نصها ودلالتها ومقصدها على أبونا إبراهيم هكذا: ” إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ” فَحَذْف جواب السؤال بالرفض قد حول السؤال إلى أمر أو سيغة إثبات بدلاً من النفي على طريقة ” وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ…” وهذا هو منتهى الفحش والتعدي بتزوير كلام الله.
‌ب- إن سياق الآية الكريمة وموضع نزولها هو خطاب الله لنبيه إبراهيم عليه السلام الذي خصه بالرسالة لقومه والإمامة فيهم، والذي طمع كبشر أن يكون لذريته ماله من بعده، إلا أن الله قد أبى عليه ذلك نفياً لكل إدعاء أخذ أو الطلب من الله من أي حد أن يورث أهله من بعده ما قد من الله به عليه من الفضل والنعمة، لأن كل ذلك مرهون بكسب الإنسان في حياته من الخير أو الشراء لا بما يرثه من ذلك عن أبيه أو أمه خير كان أم شر، وإلا لما كان لإبراهيم عليه السلام أن يخالف ماورث له أبوه وقومه من عبادة الأصنام، ولا لنوح أن يجعل من أبنه عمل صالح وهو غير صالح.
‌ج- وحتى الأهلية أو القرابة ليس الأصل فيها قرابة المولد أو النسب والسلالة قط، بقدر ماهو العمل الصالح أو الغير صالح بالدرجة الأولى، وذلك مصداقاً لقوله تعالى في رده على نوح بشان تشفعه لأبنه يوم الطوفان بقوله ” قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ “.
‌د- أما التساؤل الأهم والأخير في الأمر فهو: ما علاقة قصة مناجاة نبي الله إبراهيم ونبي الله نوح وأبنه الذي ليس من أهله مع ربهم بعلي بن أبي طالب وبنيه وصولاً إلى هذا المهدي غير المنتظر وأمثاله؟ والرد لا شيء على الإطلاق سوى عمليات الاسقاط النفسي والمرضي العقيم في التنطع على كلام الله وأنبيائه وخيار خلقه بالكذب والتزييف والتحريف وصولاً إلى مالم ينزل الله به من سلطان من أكذوبة الحق الإلهي في السلطة والثروة من دون الناس، بعد أن دحض الحق بدينه الحق كل ذلك في الماضي، وفي زمن ثورة المعلومات وهندسة الوارثة وتكنولوجيا “النانو” وحقوق إنسانية الإنسان العالمي في الحاضر.
4- الوصول إلى السلطة والثروة بالحق أجدى من استحالة ذلك بالباطل.
أخيراً يا أخي وصديقي العزيز ويا كل العقلاء من مجانين هذا الزمن الرديء خذوها كلمة حق من نصيحة ناصح صادق من أجلكم وليس ضدكم بان من حقكم وحق كل إنسان في اليمن والوطن العربي والإسلامي وعلى امتداد الوجود البشري على سطح الأرض أن ليس من حقه أن يحكم ويتملك في وطنه وامته وحتى على امتداد عالم اليوم كله – كما هو حال أمريكا التي تحكم العالم بالعلم وحقوق الإنسان رضى من رضى وكره من كره-، إلا أن الصعب في ذلك لم يعد الإقرار بحقك أو حق غيرك فيه فيه بقدر ما أن الأصعب هو فهمك بكيفية الوصول إليه، فهل الوصول إلى ذلك برأسمال المعرفة التقنية في العمل والانتاج والإدارة العلمية للدولة وصناديق الاقتراع؟ أم بأكذوبة الحق الإلهي وخرافة المهدي المنتظر؟ هل بتشيع الآخاء والمحبة وتسنن القدوة الحسنة التي يدعوا إليها دين الله الحق أم “بشيطنة تشيع العنف والكراهية وتسنن الظلم والعصبية” التي لم ينزل الله بها من سلطان؟؟
أجيبوا ياعقلاء واعقلوا يا مجانين، لأن الله لن يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية