الطائفية.. إطارات وتروس

الطائفية.. إطارات وتروس
محمد شداد

د. محمد شداد يكتب: الطائفية.. إطارات وتروس


كل من يتبع بشكل متعصب طائفة معينة ويرفض باقي الطوائف ويغمطها حقها، ويعطي لطائفته ما لا تستحق من حقوق الغير هو طائفي بامتياز. لا بأس من اعتزازك بطائفتك ومدينتك وحزبك ان تسعى لمحاولة تحسين اوضاع منطقتك، قبيلتك أو طائفتك دون الإضرار بحق الآخرين. يُعرِّف الدكتور طه العلواني الطائفية من منظورها الاجتماعي بأنها ” الأقلية العددية المتحركة في إطار الكل، دون أن تنفصل عنه”.
وارتبطت مؤخراً كظاهرةٍ ممقوتة بالنخب الاجتماعية العشائرية المتنافسة على الحكم، بهدف السيطرة عليه واكتساب النفوذ وإقصاء الآخر، سواء كان ذلك في إطار هيكلية الدولة، أو على صعيد توزيع السلطة الاجتماعية خارجها.
وعليه فالطائفية الاجتماعية المعجونة بالعصبية والعرقية هي الأشد فتكاً بالمجتمعات والأكثر ضرراً من الطائفية السياسية، لأن الأولى تقوم على إقصاء الآخر وحرمانه من كل حق دون استثناء.
اما الطائفية السياسية فتقبل بالآخر طالما آمن بمبادئ الحزب ومنهجية حكم النظام. احتوى حزب البعث العراقي كل الأعراق والمذاهب والأديان ولم يميز بين أحد طالما آمن وأخلص للنظام الذي بات مبغضيه يبكون عليه اليوم قبل محبيه بعد ظهور الطائفية الاجتماعية على أصولها في العراق.
اليمن كأحد النماذج للطائفية السلالية الهادمة لكل أثر عند التشظي وانفراط عقد الدولة على نحو ما جرى في العراق، راح معظم اليمنيين يهيمون ويتَّبع كلاً منهم هواه إلا الثابتين منهم كالقابضين على الجمر حباً للوطن، ركبوا آلة الطائفية والمناطقية التي زرعها المتوردون من الطبريين وبقايا الفرس أواخر القرن الثالث الهجري بقيادة يحي الرسي، الذي تبع البعض مآربه عن جهل وسوء تقدير.
المفصل التاريخي الذي لم ترَ اليمن بعده العافية، لأن زرع الخلاف الطائفي والمذهبي بين اليمنيين كانا الآلة الحادة الأمضى والأكثر فتكاً لتمزيق الصفوف وإخضاع الناس.
فتكت بالنسيج الاجتماعي وقتلت اليمنيين ببعضهم وجعلت الحرب تأكلهم كما تأكل النار الحطب! رحاً تدور دون توقف حتى أخرجته من عداد الدول العصرية تسوقهم روحةً وجيئة تخرج من صعدة تتمدد إلى حدود أطراف الدولة بقدر ضعفها وتعود إلى مخبئها بقدر قيام الدولة القوية القادرة على حرق الخرافات، يستمر الوضع على حاله حتى تعود الآلة السلالية المذهبية بأصحابها من جديد.
فشل صانعو الآلة المتحركة في بناء دولةً عادلةً وحارسة للجميع، عززوا فعلها الطائفي والمذهبي لأن خيالهم لا يسمح برؤية اليمنيين في عيش رغيد، ينعمون بما حباهم الله وميزهم به من مزايا أرضهم.
ابتليت الشعوب بالاستعمار الذي كرس الانشقاقات العرقية والدينية والمذهبية كي تبقى أياديهم تلعب في أحشائها، وأبقت على أذناب لها تسعى لتقويض المشاريع الوطنية إذا ما قدر لها أن تقوم، غير أن مصيبة اليمن شماله تحديداً كان جائحةً استعمارية شديدة الفرادة وبالغة التعقيد.
المستعمر يرحل بهويته ولغته وعصاه ويزيله الشعب من على أرضه وذاكرته وخياله إذا ما استطاع، غير أن المستعمر الرسي الطبري لبس جلباب الإسلام وعمامة اليمني وتمنطق بالخنجر الحميري المسمى “بالتوزة” وجعله الهوية في التميز الاجتماعي وقال أنا يمني وهذه الأرض لي وسكانها عندي عبيد يا لهول الكارثة.
استمرت الأحوال كذلك تجري مسرعةً حيناً وزاحفةً في أحايين كثر، حتى قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، تخطى اليمن كل تلك العتبات وتجاوزت بالمخلصين من أبناءها كل الصعاب. رحل اللاهوت السلالي، بقيَ البعض وذاب الكثير منهم في المجتمع واقتنعوا بيمنيتهم وأنه لا طائل من الخرافات التي تجاوزها الزمن لأنها تتصادم مع مقتضيات العصر وتثير السخرية عند الجميع.
تهاوت سيقان الإمامة الطينية إلا أن آلتهم الطائفية التي انتقلت بعد ثورة 26 من سبتمبر إلى الشيوخ القبلية والدينية أبقت المكنة على حالها! أُزيل من عليها طلاء السلالية والمذهبية ولبست ثوب الطائفية القبلية والمناطقية. نهبت الثورة من قبل المتسلقين، صودر تراب قبور الشهداء، وبدل من احتواء الجميع تحولت الدولة إلى مسرح لتنازع العصبيات القبلية والطائفة والدينية فكانت الطامة الكبرى التي أعادت الآلة وفلول الإمامة، فعادت بفعلهم الغبي.
ربطت زواملها بقلوب بعض القبائل وبقايا الظلاميين الذين جعلوا منهم إطارات لها تروس وأحزمةً ناسفةً وأشلاء مبعثرةً من قلب صعدة حتى شعاب مأرب وصحاري الجوف مروراً بالضالع حتى أسوار تعز وصولاً إلى ربوع التهايم. المأساة التاريخية المتكررة سوقٌ جماعي إلى أعماق للحود ومنها إلى أرض المحشر كي تعيش الخرافة، يستمتع بظلامها الخفافيش التي لا تقوى على العيش في الشمس وتستمتع بأنوار باقي النجوم.
إذا لم تصحُ الشعوب المجاورة لنار الفرس اللعينة سيمتد أوار الطائفية إلى كل ربوع العرب لأنها تزخر بشتى اطياف التنوع الطائفي من المحيط إلى الخليج. مكوناتها العرقية ستصحو، وسوف تتفكك إلى كنتونات ملتهبة كما قالها عراقي في مقابلة له يخاطب المشاهد العربي “يلعن والديك” أما ترىشو حاصل في العراق جراء الطائفية وأذناب إيران اللعينة شو بدك من اتباع إيران؟ البردوني المبصر في الزمن الأعمى كتب عنها وقال
على باب ((كسرى)) رميت الجبين*** وأسلمت نهديك يوم (السقيفه)
وبعت أخيرا لحى (تبع)*** وأهداب (أروى) وثغر (الشريفه)
أتعطيك (واشنطن) اليوم وجها؟*** خذي .. حسنا .. جرّبي كلّ جيفه

  •  صفحة الكاتب

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية