الزهر والحجر مكتبة في كتاب

الزهر والحجر مكتبة في كتاب
غلاف كتاب الزهر والحجر الطبعة الثالثة (نشوان نيوز)

مصطفى محمود يكتب: الزهر والحجر مكتبة في كتاب


وكأنَّ القارئَ يشاهد فلماً سينمائياً ضخم الإنتاج والإخراج، أُعِدَّ بشكل احترافي ومهنية عالية، تدور أحداثه حول وضع بلدٍ منهكٍ ومكسح، لكنَّ لديه معجزةً تميزهُ عن كافة بلدان المعمورة (ضعف مصدر قوتهِ).
ينقلك بين أحداث المستقبل والحاضر والماضي، ويأخذك بعيداً في الماضي السّحيق، ويحلق بك في سماء الحاضر ؛ لكي تعلوَ وتسموَ، وترى المستقبل جنيناً ضعيفَ التكوين، ومجهداً، وبحاجة إلى الوحدة الوطنية، والتضحيات الجسيمة.
يحضر المؤلف بشكل مفاجئ فيصبح بينهما أُلفةً وبشكل تلقائي هو من يقود رحلتك وجولاتك داخل كتاب الزهر والحجر، وبامتلاك المعلم الأحمدي أدوات الكتابة الفنية، وعمق معرفته بالتاريخ السياسي، وبالقضايا التي يتناولها، وأسلوبه القادر على النفاذ إلى داخل النفوس، دخل عالم التأليف من أوسع أبوابه، وهو بلغته الصافية البعيدة عن التوعر والتعقيدات، وواقعيته، أعاد خلق الشخوص الإماميين والجمهوريين، والوقائع والأحداث، في العهدين: الإمامية والجمهورية بفترتها الطويلة بفنيةٍ وإبداعٍ.
فيصعدُ ويهبطُ ويتشعبُ ويتفرعُ، فتشعر بأنهُ تاهَ وتوهك معه في دوامة الأحداث، لكنك تضطر إلى أن تدعه يقودُ الرحلةَ، وتواصل المسير، حتى وأنت تراهُ أمامَ عينيك يُلمْلمُ بعثرةَ الأحداثِ التاريخيةِ، والمعاصرة، وجمع تفاصيلها الصغيرة وأجزاءها المتناثرة في شتات الجمهورية والإمامة، ويفصلُ بين الألوانِ المتداخلة، ثمَّ يُعيدُ تركيبها وفقَ نواميس الكونِ، وقوانين الطبيعةِ، وعناصر الإنسانية والوطنية والهوية اليمنية ؛ ليُنتِجَ صورةً مكتملةً وواضحةً لليمن ومشكلاته، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، ثمَّ يضعُ الصورةَ بين يديك ومع آخر ورقةٍ في الكتاب، ويختفي المؤلفُ فجأةً تاركاً لكَ حريةَ التأمّلِ في الصورة، وحرية الحكمِ، وحرية تحديد مواقفك ومسالكك ودروبك،
فور صدورهِ أخذ كتاب “الزهر والحجر” شهرةً واسعة في أوساط النخبة اليمنية بكافة مستوياتها إبانَ التّمرّدِ الحوثي في بعض مديريات صعدة، لكونه أول كتابٍ يتناول تمرّدَ الحركة الحوثية وفقّ منهجٍ علميٍّ، تناولها بكافة أبعادها السياسية والدينية والتاريخية والإقليمية، وتنبأَ بحدوث أشياء كثيرة في حينها، كان تصديقها ضرباً من الجنون، فقبل ستة عشر عاماً من اليوم وبالتحديد 2006م.
تنبّاّ مؤلفُ الكتابِ عن إمكانية تطور التّمرّد الحوثي داخل مناطق شمال الشمال، وسيغير هويتها الزيدية إلى الاثنا عشرية، وتنبّأَ بحتمية سقوط الدولة على يد حركة التمرّد الشيعي القادمة من كهوف صعدة إذا لم تتمكن الدولة من إسقاط الحركة في مهدها، وخلا ستة عشر عاماً من صدور الكتاب، تحقق أغلب ما تنبّأَ به، ومازال يحمل الكثيرَ من استشراق المستقبل..
إنَّ كتاب الزهر والحجر ليس مجرد كتاب وإنما هو مكتبةٌ في كتابٍ.
بحيث يقدم سيسيولوجيا التمرد الشيعي تحليلاً تاريخياً واجتماعيا وسياسياً واقتصادياً لليمن عموما، وللمجتمع الزيدي الذي تولدت منه حركة الحوثيين الشيعية وعلاقتها الصدامية بالسلطة السياسية في اليمن مقابل علاقتها المتشابكة مع إيران وبقية الشيعة في المنطقة العربية من خلال مقاربة العلاقة بين المقدّس والدنيوي في مناشئ حركات الهاشميين السياسية والاقتصادية والاجتماعية السابقة لحركة التمرد العسكري الحوثي.

الكتاب مليء بالوثائق والبيانات التفسيرية المميزة والمطارحات الاجتماعية المفسرة للتاريخ السياسي والتي يتلوها المؤلف باستنتاجات، الزهر والحجر يعطيك نظرة شاملة عن جذور المذهب الزيدي، والتشيع وجذوره ومذاهبه وأهدافه وعن التركيبة السياسية والاجتماعية اليمنية، وعلاقة التمرد الشيعي الحوثي بإيران، وعن مفهوم الإمامة في اليمن كفكرة دينية وفكرة سياسية، وكيف كانت تتعامل مع الشعب اليمني بوصفه إنسان أقلّ من السلالة الهاشمية، لا يقتصر على تعامل السلاليين وممارستهم معه وحسب.
وإنما بالخرافات والخزعبلات تمكنوا من إقناع اليمني أنه كائن أقل منهم، وإن مهمة اليمني في الدنيا طاعتهم والانشغال بقوت يومه، وعن الزيدية والجارودية والاثني عشرية والتحولات بينهم.
الزهر والحجر وثيقة تاريخية وفكرية وثقافية،، يميط اللثام عن الواقع المرير الذي عاناه ولا زال يعانيه اليمن، ويكشف سوداوية الأفكار التي تراكمت حتى أوصلته إلى ما هو عليه اليوم، مما يجعل القارئ يفهم أحداث الماضي ويستوعب تشابكات الحاضر.
ويمكّنه من استشراف المستقبل، يحدد الزهر والحجر في ثيولوجيا السوسيولجيا السياسية
والاقتصادية لحركة التمرد الشيعي في اليمن ( الحوثيين ) وما وراءها من محركات تاريخية وسياسية إقليمية، وكون التشيع هو إحدى الطبائع التدينية.
-استخدام المؤلف مصطلح تديني لا ديني ؛ وذلك وفق ما حدده ماكس فيبر من تفقس أنماط عن الدين
( كنموذج مبدئي تتلوه نماذج أكثر تعقيداً في تفسير حالة الأنماط تلك ) – وكذا الحاوية للون الشعبي
( دوركهايم ) وما تحويه من نزعات قبلية وتوجهات مناطقية كلها كانت مؤثرة في محاولات جمع الكيان الحوثي، يربط التكون الشيعي بانسحابه على المجتمع الزيدي نحو الاثنا عشري..
أستودعكم الله إلى أن نلتقي في حلقة قادمة لقراءة كتاب آخر…

عناوين ذات صلة:

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية