مصر شطر القلب الآخر للوطن

مصر شطر القلب الآخر للوطن
عمار صالح التام

عمار صالح االتام يكتب: مصر شطر القلب الآخر للوطن


مصر، هي الموطن الذي يسحرك اسمه بمجرّد أن يُذكر أمامك، فيكفي أن تغلق عينيك، وتسرح طويلاً في خيالك الرائع، لتتخيل نفسك تتجول في شوارعها وأزقتها، تشمُّ رائحة العراقة والأصالة، والعمق الحضاري الممتد عبر آلاف السنين.
تمشي في شوارعها لتشعر وكأنّك تمشي في أزقة بلدك، وبين أبناء حارتك، لترى كلّ الوجوه تبتسم لك، ترفع لها يدك للتحية وكأنها أعمدة معبد أوام بمأرب، لتلوح لك بيدٍ يبدو طيفها *كأهرام* الجيزة فتعانقها بعبق التاريخ لتبعث فيك العزم اللامحدود،وتشعرك بسمو ذاتك الإنسانية العربية في عناقها.

كطالب يمني تشرفت بالالتحاق بمعهد الدراسات العربية بالقاهرة ماجستير فرع علوم سياسية للعام الدراسي 2020/2021م على أيدي علماء ومفكرين وقادة مصريين عظماء محيطين بالعلوم السياسية، وممارسين للسياسة، وإدارة عند مستوى المسؤولية وزملاء صحبنا طيفهم على منصات التواصل الاجتماعي من عدة بلدان عربية لا أستطيع أن أخفي مشاعري وانطباعي بل دعوني اترك لهما العنان آصالة عن نفسي ونيابة عن زملائي اليمنيين بهذه الدفعة:

مصر – حضور مبكر بالذاكرة والوجدان على امتداد أعمارنا

“ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين” أول عبارة بعد نزولنا من سلم الطائرة حين وصلنا مطار القاهرة حيث لم تكن مجرد رحلة علاجية العام الماضي بصحبة الوالدين حفظهما الله من تاريخ 10فبراير الى10يونيو 2020م، بل كانت حلما مبكرا حتى قبل معرفة التفاصيل عن موطني الغالي اليمن في سن الطفولة.
فقد كانت مصر مسلسلات واغاني وتواشيح ومسرحيات تضحكنا بقدر ما تبكينا، وتُسعدنا بقدر ماتُحزننا، لكنها كانت تملأ فراغ طفولتنا وتفتح مداركنا قبل المدرسة، وإن كنا لانستوعب محتواها بعمق:لكن كنا نلتقط مشاهدها المعبرة بشغف، ونحاول المحاكاة الطفولية البريئة لتمثيل مشاهدها، أو التعالي أمام أصدقاءنا الأطفال في محاولة لرواية أحداثها التي لاقدرة لنا على سرديتها بتلك السن ولكن أولئكَ الأصدقاء لايبخلون علينا بإظهار اعجابهم لتلك الشذرات التي نرويها لهم بلكنة كلام لاهو لهجة *يمنية* *ولامصرية* لكنها لذيذة كلذة الطفولة وبراءتها.

*اللهجة الصنعانية المصرية تشكلان إدراكنا قبل العربية .*

يكتسب الانسان مفردات اللغة من اسرته وبيئته واللغة ليست حروف وكلمات فقط ،بل انغام والحان موسيقية وحركات جسدية أيضا وهي هوية معبرة عن مجتمع ما، نطلق عليها لهجة نميز بها بين أبناء مجتمع عن المجتمعات الأخرى.

لم تستفرد بنا اللهجة الصنعانية في الأسرة والبيئة التي عشنا وترعرعنا فيها:بل كان كانت حضرتك.. تزاحم انتوا..، وازيك.. مع… كيف حالك، و كصبحتوا مع صباح الفل، ويا ود جوار ياولد، وتيتى وقدو مع جدتي وسيدي، ويا مدام عرفنا أنها.. يا بنت.. أو يا مره…، وما تعيطش حأك عليَّا… مع ايقاع…. لاتبكيش أنا فدالك..من فم أمهاتنا، في بيئتنا الأسرية بالبيوت.

كنت اعيش في ريف صنعاء على بعد 14كيلوا من مدينة صنعاء، لكني عرفت القاهرة والاسكندرية ومرسي مطروح والجيزة كمدن قبل صنعاء وشوراعها التي وإن ذُكرت بالأخبار والبرامج على التلفزيون أو المذياع لكنها لم تكن
دراما وكوميديا وسينما وغناء وتواشيح كالمدن المصرية.
وما ذنبي كطفل؟؟ حين انصرف من أمام التلفاز أو المذياع ضجرا من نشرة الأخبار أو البرامج الأخرى التي لاتعني طفولتي شيئا.

كان الأساتذة المصريون هم أول من تتلمذنا على أيديهم بالمدرسة وجملة: خلي بالك،… وشاطر…… لازمة صوتية: يكررها جميع معلمينا المصريين، وكنا نعرف انها للتنبيه قبل دخولنا المدرسة،كانت علاقتنا بهم رائعة وهم يشرحون الدرس أو يقيمون النشاط أو يمارسون العقوبة علينا تجاه تقصير في واجباتنا المدرسية والمنزلية أو التاخر والغياب، حينها لم نكن نحس اننا بصف دراسي بل نستدعي الخيال لنعيش وكأننا جزءٌ من سيناريوا مسلسل أو مشاهد فيلم أو جمهور مسرح وما الدراما والمسرح والسينما إلا انعكاس لشخصية المصري الآسرة الجذابة.

هتاف أهلي… هيه… هيه… حين نعتلي صندوق سيارة بمزارعنا في الريف عند عودتنا للقرية من بداية دخولنا،حيث عرفنا الاهلي والزمالك وكرة القدم مع الكابتن ماجد وبسام ووليد ورعد وكنا نحاكي الاهلاوية والزملكية حينا، ونجوم كرتون الكابتن ماجد حينا، في لعب كرة القدم وسط أحياءنا أو بعد التحاقنا بالمدرسة.

حين نذهب للصلاة في المسجد ونجد معليمنا المصريين ينادونا تعال ياعمار،…. بتفخيم الميم والألف والراء………، وهم بالجلابية الصعيدية بين مغرب وعشاء يتلون القرآن الكريم ولا يستطيع المعلم المصري غالبا وهو يقرأ القران الكريم أو يدعونا لحصة تلاوة أن يبتعد عن لهجته المصرية فيبدأ “” بأعوز بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والزُحى والليل إذا سجى،، في الغالب لكنه لايسمح لنا بتقليده ابدا بالايحاء ونحن نعرف زلك طبعا.
لكن قراءة آية المنافقين بسورة النساء على المنبر على لسان استاذ مصري حبيب كان عبارة عن فاصل اعلامي يفرض علينا الضحك مع سد الفم واعتلاء الابتسامة لكامل الوجه ودمع العين “مذبذبين بين ذلك” بلهجة مصرية لذيذة لمعلم كنا نحبه بلاحدود وايضا وقد ورد في الحديس الشريف….

الشيخ عبدالباسط عبدالصمد مع الشيخ القريطي ومحبوب ومحمد حسين عامر رحمهم الله جميعا نستيقظ في طفولتنا عند سماع أصواتهم بالصباح في الراديو أو المسجل حيث كان الوالد حفظه الله طالما أشاد بالشيخ عبدالباسط وقص عليَّ قصته وكرر رواية مشهد قراءته في الحرم المكي عبر مكبرات الصوت بأمر من إدارة الحرم في موسم حج كان الوالد حينها حاجا لبيت الله العتيق.

أغاني فريد الأطرش وأم كلثوم وقصتها ومحمد عبدالوهاب من فم الوالد احسن الله خاتمته وخاصة يا ليلي… يا ليلي…. وغني.. لي….. شوية شوية….
في مزارعنا بمواسم الحرث والبذر والحصاد، ولم أجد هدية معبرة له بعد لقائي به بمحافظة مأرب ونزوله من صنعاء بعد فراق دام خمس سنوات سوى جمع تلك الاغاني كرد للجميل واسماعه ما يحب منها ونحن في نزهاتنا المتكررة على السيارة.

أعتذر عن تجاهلي الحديث عن مفكري مصر وشعراءها وأدباءها لما أدين لهم من الإحترام والتقدير الكبير لهم، ولأن المقام يقتضي عدم الإطالة .

كنا نتلذذ بكلمة بحبك من بُء “فم” نجم مصري بمسلسل أو مسرحية، في الوقت الذي يعلو خدودنا الإحمرار ان خُوطبنا بها حتى من الوالدين كوننا مجتمع محافظ حديث عهد بانغلاق ثقافي وخارجي قبل قيام الجمهورية المباركة عام 1962م وكان لمصر العربية يد طولى فيها وحاسمة في انتصارها ولم ولن ننسى أبدا ذلك الدور الكبير لأشقاننا المصريين الذين اختلطت دماؤهم ودماؤمنا بتراب اليمن الغالي لتصبح مصر شطر القلب الآخر للوطن.

مصر والحب فلسفة عميقة وسلوك إنساني عظيم

لا نستطيع الكتابة عن مصر أم الدنيا إلا بلغة الحب وإن كنا نعيش ظروف الحرب باليمن حتى وإن كنا طلاب علوم سياسية، لكننا سندع لغة السياسة خاصة بمشروع البحث الذي أهديه لأم الدينا مصر وطننا الثاني وإلى روح ضباط وجنود الجيش المصري العظيم الذين قضوا شهداء على جبال اليمن وسهولها دفاعا عن مهد العروبة اليمن وإرساءً لقيم الجمهورية والحرية والكرامة فيها.

ولأن حربنا هي بعض تكاليف حبنا لليمن والعروبة، ضد فلول الإمامة الرجعية ومشروع ملالي طهران الداعم لها،فإنا نقول وجدنا معنى الحب الحقيقي حين زرنا مصر، وعرفنا الحب بمعناه السامي في ثقافة التعايش بين مكونات المجتمع المصري، بل تجلى لدينا واضحا في كل المكونات المصرية في الاعتزاز بمصر العروبة موطنهم الغالي، وجدنا معنى الحب في تعامل الدولة المصرية والشعب المصري مع إخوانهم اليمنيين جميعا بمصر دون تصنيف بل بكونهم يمنيين وكفى.

لقد عرف اليمنيون المقيمون بمصر وهم قرابة المليون ونصف يمني حرص كل المصريين للحفاظ على بلدهم ودولتهم.

وأجزم أن اليمنيين الذين سيعودون من مصر بعد هزيمة الإمامة وحليفها الإيراني سيتحولون إلى معلمين في حب اليمن لتشربهم معنى الانتماء للوطن بلغة الحب فترة جلوسهم بمصر الحبيبة بلدنا الثاني.

وتُوج الحب الإستراتيجي خلال هذا العام الدراسي ونحن نتابع الدكتورة هدى ميتكيس، و د. صفي الدين خربوش و د. زكريا حسين، و د.ريهام الباهي، ومعالي الوزير د. سامي الشريف، وسيادة السفير د. محمد بدرالدين، ود. محمد مبروك، كل اساتذتنا الافاضل في كل المقررات الدراسية التي تعلمنا واكتسبنا فيها السياسة بلغة الحب لليمن ولمصر وللأمن القومي العربي ولغة الكره لكل ما يستهدف وطننا وعالمنا العربي لحساب إيدلوجيا مثالية تكرس تخلف مجتمعاتنا وتبعدنا عن واجبنا المقدس تجاه أوطاننا.

كرها يدفعنا لتقديم مصلحة أوطاننا وعالمنا العربي للريادة الحضارية والوفرة التنموية إن شاءالله .

الكلام كثير لكني أختم وأقول:
شكرا مصر
قيادة
وجيشا
وشعبا
شكرا معهد الدراسات العربية
شكرا هيئة التدريس والإدارة والزملاء من الدول العربية.
*
اليمن-مأرب الحضارة والتاريخ*
الاثنين 5/7/2021م

عناوين ذات صلة:

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية