القاضي العمراني.. إرث العظماء محبة الخلق

القاضي العمراني.. إرث العظماء محبة الخلق
العالم والفقيه القاضي محمد بن اسماعيل العمراني مفتي الجمهورية الراحل (ارشيف)

د. سعاد الحدابي: القاضي العمراني.. إرث العظماء محبة الخلق


في اللحظة الفارقة وعند آخر محطة في الدنيا، وأول محطات الآخرة يتجلى إرث العظماء، تتجلى تلك السرائر التي أخفوها عن الخلق وعلِمَها ربُّ الخلق، يتجلى ذلك السِّر بين العبد وربّه بصورة القبول في الأرض..

ولقد شهدت صنعاء أكبر جنازة في تأريخها للقاضي محمد بن اسماعيل العمراني، القاضي الذي أجمع اليمنيون على نزاهته، واجتمعت قلوبهم على حبه رغم اختلاف مشاربهم.

لقد تسابقت تلك الجموع الغفيرة لتحمل جنازته، وصلوا عليه داخل اليمن وخارجها.

هذا الإرث العظيم إنما هو محبة من الله ألقاها في قلوب الخلق، المحبة التي لا تُنال يسلطان ولا تُشترى بالمال، ولقد طالعتنا قنوات السوشل ميديا بصور لتلك الجنازة التي تعد شهادة حب ووفاء لقاضٍ عرف عنه نزاهته وتواضعه.

القاضي الذي حرص على تسجيل وصيته لليمنيين بالصوت والصورة قبل رحيله:

“يحافظوا على دينهم وتقاليدهم، لا يتحزبوا، ويكونوا أحرارا، لا يتحزبوا لأي حزب سياسي أو ديني، وإنما يعملوا مثلما أنا محايد لكل شيء، هذا أنصحهم بعد تقوى الله والمحافظة على الصلاة والصيام”.

جاءت وصيته خلاصة تجربته ونهجه طيلة 99 عاما من العمل لخدمة دينه ووطنه، لقد سنّ لنفسه نهجا مسالما، فلم يصدر عنه موقف واحد مؤيد لسلطة أو لحزب أو لحاكم، رغم أنه عاصر حكم الإمام الطاغية أحمد وحتى العهد الجمهوري الذي عاصر فيه جميع الرُّؤساء الذين تعاقبوا على حكم اليمن، والذين كان استقرارهم في صنعاء، وكان على مقربة منهم عاكفا على كتبه في مسجده، معلما لطلابه ومرشدا لمريديه، ومبينا للفتاوى في برامج الإذاعة والتلفزيون.

لقد ظل كرسي القاضي بعيدا عن صراع الكراسي، وظل مع طلابه ومحبيه بعيدا عن الحزبية والمذهبية والطائفية
لقد وفى مع شعبه، فكان وفاء الشعب له تلك الجنائزية المهيبة التي لم تشهد لها اليمن مثيلا.

لقد انتفضت صنعاء لموته، وخرج الناس جميعا للصلاة عليه في ودائعية مهيبة..
إنها الجنازة التي جمعت أطياف الشعب اليمني في يوم مشهود.
إنه يوم الجنائز، يوم استقبال السماء لروح طيبة صاعدة من الأرض.

لقد صدق العمراني مع ربّه فصدقه الله.

لقد عُرف القاضي محمد بن إسماعيل العمراني بنزاهته، وبساطته ورفقه بطلابه ومحبيه، وشُهد له بالتيسير للناس في أمور دينهم، لقد سار على نهج الإمامين: الشوكاني وابن الأمير، في وسطية منهجه، وزاد على ذلك نكتة حاضرة ولهجة عامية جعلته أقرب العلماء لقلوب العامة.

لقد رحل بعد عمر طويل وأثر جميل. رحل العمراني تاركا إرثا من المنهج الوسطي، ودروسا بليغة في الفقه وعلم الحديث والفتاوى، رحل تاركا بصمته في السماحة والبساطة والتواضع والمحبة ذلك هو الميراث الحقيقي الذي تركه القاضي العمراني رحمه الله.

عناوين ذات صلة:

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية