سياسة ملء البطنين: نموذج الدويلة الكهنوتية الحوثية في شمال اليمن (1)

سياسة ملء البطنين: نموذج الدويلة الكهنوتية الحوثية في شمال اليمن (1)
وديع الأصبحي

وديع الأصبحي يكتب حول سياسة ملء البطنين: نموذج الدويلة الكهنوتية الحوثية في شمال اليمن (1)


عقب سقوط العاصمة اليمنية صنعاء في 21 سبتمبر 2014، شرعت السلالة عبر ذراعها المسلح (جماعة الحوثي) بشكل منفرد إلى فرض رؤيتها في شكل الدولة، والمضي قدما لإرساء قواعد مشروع نظام الحكم الإمامي السلالي ومحاولة إلباس النظام الجمهوري، الذي تأسس بعد قيام ثورة 26 سبتمبر 1962، جلباب الإمامة كمشروع دولة وسلطة.

ومن الواضح أن عدم إعلان السلالة، بشكل رسمي، استبدال النظام الجمهوري بالنظام السلالي الإمامي، لم يكن أمرا سهلا، فإعادة مثل هذه النظام الكهنوتي يحتاج إلى جملة من الإجراءات المتعددة والمختلفة.

ولذلك اعتمدت السلالة سياسة ملء البطنين لتكريس مشروعها، والمتتبع للسياسات والإجراءات المتبعة، سوف يلاحظ دون عناء أن تلك الإجراءات الحوثية هي ترجمة عملية لإعادة مشروع نظام الحكم الإمامي السلالي، حيث يتم تهيئة المناطق الجغرافية الخاضعة لسيطرة الحوثيين فعليا وبالتدريج لعودة نمط قديم من النظم الكهنوتية السلالية المافيوية.

وبناء عليه افترضنا في هذه الورقة أن سياسة ملء البطنين التي سلكتها أو اتبعتها السلالة الهاشمية ظلت تعمل على تحقيق الاهداف التالية:

– تحقيق الاحتكار الفعال للقوة في المجتمع.
– تكوين طبقة جديدة مسيطرة ومهيمنة على المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري والجغرافي.
– اعادة مشروع نظام الحكم في خصوصيته الإمامية التاريخية اليمنية، الذي أطاحت به.

ولاختبار الفرضيات المذكورة انفا، سنحاول تتبع تلك الإجراءات التي سلكتها السلالة الهاشمية وأثرها المحدث، بحسب ما يأتي لاحقا.

• سياسة البطنين كمدخل تحليلي

استخدمت هذه الورقة البحثية عبارة “سياسة ملء البطنين” بصفتها نمط حكم ومدخلا تحليليا أو تفسيريا للسياسة الحوثية، والتي من خلالها يمكن تحديد الإجراءات التي سلكتها السلالة الهاشمية في المناطق اليمنية الخاضغة لسيطرة ذراعها العسكري المسلح لفرض مشروعها.

وعندما نقول إن الحركة الحوثية هي الذراع المسلح للسلالة الهاشمية والتي تمثل الحكم الكهنوتي الإمامي، لا ندعي أن جميع أنصار هذه الحركة هم، عمليا، من أفراد السلالة الهاشمية، أو لان جميع المناصب المهمة والحساسة داخل الحركة يشغلها أشخاص ينتمون للسلالة، إنما نعني بذلك انها تمثل الفئة السلالية لأنها مستمدة منها منبثقة من صلبها، خرج الإماميون الجدد كحكام من بين صفوفها محاولين إحكام السيطرة على السلطة والقوة الاجتماعية واحتكار مصادرها في “البطنين”.

وقد قمنا باستعارة عنوان “سياسة البطون” من كتاب ل “جون فرانسوا بيار” حول الدولة في افريقيا الصادر سنة 1989*، واستبدال كلمة “البطون” ب عبارة “البطنين” كدلالة رمزية ومعنوية لما يسمى ب نظرية البطنين التي تستند إليها السلالة الهاشمية في مشروعها السياسي، وهي نظرية دينية وسياسية وعرقية عنصرية، تجمع بين الديني والسياسي، بين المذهب الديني القائم على السلالة، وأحقية السلالة في الإمامة والسلطة والثروة، فهي تقوم على فكرة الاصطفاء الإلهي للسلالة الهاشمية وحصر الإمامة والخلافة في البطنين من أولاد فاطمة بن محمد (عليه الصلاة والسلام) من علي بن أبي طالب.

ومن هذه النظرية نستطيع أن نقرأ ونحدد ليس فقط الخلفية الاعتقادية، الأيديولوجية والسياسية للسلالة الهاشمية في نظرتها للحكم وللآخر [اليمني]، وحقه في الحكم والسلطة والثروة ورؤيتها إلى معنى الدولة والاقتصاد والوحدة والشعب، وإنما المسار الذي سلكته جماعة الحوثي (الجناح المسلح للسلالة) لاستكمال السيطرة على الدولة والاستحواذ على السلطة والثروة واحتكارها في “البطنين”، لإعادة مشروع نظام الحكم في خصوصيته الإمامية التاريخية اليمنية بما يحمله هذا المشروع من وهم تاريخي زائف وضد التطور الاجتماعي والسياسي المعاصر. وهو ما سنتلفت إليه الآن.

• احتكار السلطة والقوة في البطنين

عندما استولت جماعة الحوثي بالقوة على الحكم في صنعاء لم تكن السلالة الهاشمية تمتلك من مصادر القوة، إلا تلك التي كانت تستمدها عدد من الأسر الهاشمية من امتلاكهم للموارد المادية (الأراضي الزراعية والراسمال بانواعه) أو من وظائف المنتمين إليها في مؤسسات الدولة المختلفة.

ولذلك فهي كانت تدرك أن إعادة النظام الكهنوتي الإمامي مرتبط أولا باكتمال عملية إحكام السيطرة على السلطة والقوة الاجتماعية واحتكار مصادرها في البطنين، أو ما يمكن تسميته الاحتكار الفعال للقوة في المجتمع.

ويقصد بالاحتكار الفعال للقوة في المجتمع “احتكار مصادر السلطة والقوة الاجتماعية وليس مقاليد الحكم فحسب. فالاستيلاء على الحكم من قبل فئات لا دور لها في العملية الإنتاجية أو في العملية السياسية وتعتمد على استعمال القوة السافرة أو العنف المسلح في فرض هيمنتها لا يدوم طويلا “[1].

وهناك، عادة، ثلاثة مصادر للقوة والسلطة في المجتمع [2]:

(أ) القوة المستمدة من التنظيم الاجتماعي (القوة المنظمة) كما البيروقراطية المركزية للحكومات أو الأحزاب السياسية.

(ب) القوة المستمدة من الكثرة العددية (كما في النقابات العمال والحركات الاجتماعية).

(ج) القوة المستمدة ملكية الموارد المادية كما في الثروة وامتلاك رأس المال (ملكية الأرض، العقار، والرأسمال بأنواعه).

وبالعودة إلى السياسات السلالية، فقد اتبعت الإمامة في طبعتها الجديدة سياسة ملء البطنين كمدخل للنفاذ إلى سلطة الدولة ومواردها المادية والمعنوية وكاستراتيجية للقضاء على النظام الجمهوري الذي تأسس شمالا (اليمن الشمالي) بعد قيام ثورة 26 سبتمبر 1962، وهذه العملية تتطلب احتكارا قسريا واستبداديا للدولة ومواردها. وتتمثل تلك السياسيات والإجراءات التي سلكتها الإمامة الحوثية لتحقيق الاحتكار الفعال للقوة في المجتمع بما يلي:

أولا: السيطرة على الدولة

استطاع الحوثيون في 21/9/2014 فرض سيطرتهم الكاملة على العاصمة، وهو ما دفع الرئيس “هادي” إلى التوقيع في اليوم نفسه على اتفاق “السلم والشراكة الوطنية” لحل الأزمة مع جماعة الحوثي معلنًا أن الاتفاق يمثل مخرجًا وطنيًّا يجنب البلاد ويلات الكوارث والحرب والتفتت، مؤكدًا أن معالجة الأزمة يجب أن تصب دائمًا في مصلحة أمن واستقرار ووحدة اليمن ومخرجات الحوار الوطني الشامل على أساس المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية.

ورغم توقيعهم على ذلك الاتفاق الذي رعته الأمم المتحدة عبر مبعوثها السابق إلى اليمن جمال بن عمر، لم تلتزم جماعة الحوثي ببنود الاتفاق، واستمرت باستراتيجتها لاستكمال الاستيلاء على الدولة اليمنية جغرافيا ومؤسسيا وذلك عبر وجهتين:

• الأولى جعرافيا: وكانت عبر التمدد والتوسع العسكري لإكمال الاستيلاء على ماتبقى من المحافظات اليمنية خاصة الوسط والغرب. وبالرغم من مرور سبعة أعوام على انطلاق عملية عاصفة الحزم التي تقودها المملكة العربية السعودية لإعادة الشرعية اليمنية، إلا أن جماعة الحوثي ما تزال تسيطر على أكثر من 30% من الجغرافية اليمنية، وتضم هذه المساحة الجغرافية التي تقطنها الكتلة السكانية الأكبر، ما يلي: تسيطر جماعة الحوثي بشكل كلي على محافظات عمران وصنعاء وذمار وريمة وإب والمحويت. كما تسيطر بشكل شبه كلي على محافظات صعدة وحجة والبيضاء. وعلى أجزاء واسعة من محافظات الحديدة والجوف وتعز والضالع ومأرب .

• الثانية مؤسسيا: استهدفت الاستيلاء على مؤسسات الدولة بالكامل، حيث تجسد الدولة شبكة المؤسسات المركبة ك الحكومة الوزارات، البرلمان، أجهزة العنف وإدارة القمع (الجيش الشرطة الاستخبارات)… الخ.

بالتزامن مع توسعها العسكري فرضت جماعة الحوثي سيطرتها على جميع المؤسسات الدولة المركزية وعلى قراراتها وأهمها رئاسة الجمهورية والحكومة، حيث وضعت الرئيس الانتقالي عبدربه منصور هادي تحت الإقامة الجبرية في منزله قبل أن يتمكن من الفرار إلى عدن ومن ثم إلى الرياض مقر إقامته الحالية.

ولا شك أن انقلاب الحوثيين على السلطة الشرعية الانتقالية والتخلص فيما بعد من حليفهم الرئيس السابق علي عبدالله صالح أدى إلى انتقال المركز الرئيسي لصنع القرار إلى يد عبدالملك الحوثي زعيم جماعة الحوثي، الذي أطلق عليه لقب قائد الثورة، حيث أصبح زعيم الجماعة أعلى شخص مسؤول في الدولة وفي رأس قمة الدولة وتحته رئاسة الدولة والحكومة وكل شيء.

وخلال السنوات الماضية فرضت السلالة الهاشمية سيطرتها على الحكومة ممثلة بمجلس الوزراء، وقامت بتعيين المنتمين للسلالة الهاشمية في الوزارات وفي المؤسسة الأمنية والعسكرية والاستخباراتية وفي المراكز القيادية الأخرى وأيضا في أجهزة الحكم المحلي (السلطة المحلية) وفي بيروقراطية الدولة حتى على مستوى مدير إدارة.*

• ثانيا: السيطرة على النظام السياسي

لم تكتفِ جماعة الحوثي بالاستيلاء على عاصمة البلد ذات الأهمية السيادية والمعنوية، بما تضم من مؤسسات مدنية وعسكرية واستخبارية، بل سعت للاستيلاء على النطام السياسي بأكمله، ولتحقيق هذه الخطوة اقتضى الآتي:

1- القضاء على كل أشكال القوى المنظمة الاخرى ك الأحزاب والتنظيمات السياسية:

بعد سيطرتها على صنعاء شنت السلالة الهاشمية عبر ذراعها العسكري (جماعة الحوثي) حملات قمعية للقضاء أو لاضعاف مختلف أشكال القوى السياسية المنطمة والفئات الاجتماعية وكل ما يمكنه أن يشكل قوة مقاومة لمشروعهم السلالي. ومن أبرز تلك القوى التي استهدفتها كانت القوى الوطنية وقوى التغيير المتموضعة مع مخرجات الحوار الوطني واليمن الفيدرالي، وفي مقدمتها القوى التي قادت ثورة فبراير 2011. ولعل أهمها كان حزب التجمع اليمني للإصلاح الذي كان هدفا منذ تصدره مشهد القوى الفاعلة في ثورة 11 فبراير 2011، حيث جرى استهداف الحزب بكل مكوناته السياسية والعسكرية والقبلية والتجارية والخيرية منذُ المراحل الممهدة لسقوط صنعاء ومراحل ما بعدها، بهدف القضاء عليه وتخفيض حضوره وهيمنته على الحقل السياسي.

وفي مرحلة لاحقة استهدفت الجماعة الحوثية حليفها السابق حزب المؤتمر الشعبي العام (جناح الرئيس السابق علي صالح) الذي لعب دورا كبيرا في تسليم مدينة صنعاء وبقية المدن للجماعة الحوثية. فحزب المؤتمر مثله مثل حزب التجمع اليمني للإصلاح حيث يتألف من مجموعة من المكونات السياسية والعسكرية والأمنية والقبلية والتجارية، وكان يعد رقما لا يمكن تجاوزه في حقل الصراع.

ولذلك لا نبالغ إذا قلنا إن تصفية الحليف السابق علي عبدالله صالح في 3 ديسمبر 2017، كان يعني عمليا انفراد السلالة الهاشمية بالمجال الجغرافي والمؤسسي الخاضع لجماعة الحوثي، كما يحقق لها عددا من الاهداف منها تذويب قطاعات صالح العسكرية والأمنية، وجزء من القوى والجماهير المرتبطة والمؤيدة له عقائديا أو نفعيا أو جبريا في سياق المشروع الحوثي.

بمعنى آخر استفراد السلاليون بالمجال الجغرافي والقرار المؤسسي، وهذا يوجد حالة موضوعية تعتبر الحوثيين سلطة واقعية منفردة – فاعل غير الدولة في الجغرافية المهيمن عليها، حيث سترث منفردة المؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية والاستخباراتية، والموارد وتدير الحياة اليومية في ذلك المجال كسلطة واقعية.

أما بالنسبة لبقية الأحزاب السياسية، لم تجد الجماعة الحوثية صعوبة كبيرة في القضاء أو السيطرة عليها، فقد كانت تلك الأحزاب السياسية بطبيعتها أحزابا ضعيفة نظراً لإضعافها الممنهج خلال المراحل السابق ونظراً لأنها أيضاً كانت آلية اشتغالها السابقة تعتمد على تعزيز مكانتها على التحالف مع الجماعات القبلية ولم تتحالف هذه الأحزاب السياسية مع قوى التحديث الأمر الذي جعلها ضعيفة.

2- تعليق العمل بالدستور والغاء الضمانات الدستورية:

في 6 فبراير 2015، اعلنت جماعة الحوثي في دار الرئاسة عن ما يسمى بالإعلان الدستوري المكمل، والذي كان بمثابة استكمال الانقلاب على الشرعية وعلى كل المخرجات التي تم الاتفاق عليها بين القوى السياسية خلال المرحلة الانتقالية.

وبالرغم من تراجع الجماعة عن الإعلان الدستوري، إلا أنها نجحت في تعليق العمل بالدستور، حيث قامت بإنشاء هياكل سياسية بديلة للجنة الثورية العليا، مثل إنشاء المجلس السياسي الاعلى وتشكيل ما يسمى بحكومة الإنقاذ. ولا شك بأن الهدف من وراء إنشاء هياكل سياسية منح جماعة الحوثي الشرعية باعتبارها سلطة أمر واقع تمكنها من استخدام مؤسسات الدولة ووسائل القوة تحت حجة الشرعية الثورية لضرب أو للقضاء على المناوئين والخصوم لها،
وكذلك للسيطرة والتمدد على المحافظات اليمنية بصفة شرعية، إلا أن هذه الهياكل مجرد ديكور، فالذين يسيطرون ويمتلكون السلطة هم الأشخاص المنتمون للسلالة الهاشمية وعلى رأسهم زعيم جماعة الحوثي عبدالملك الحوثي. ويعتقد الكاتب أن هناك مجلسا غير معلن يتزعمه عبدالملك الحوثي ويتشكل من قيادات سلالية، وهذا المجلس هو المركز الرئيسي لصنع القرار.

3- الغاء كافة المكتسبات الديمقراطية التي كانت خلال المرحلة الماضية موجودة ولو شكليا.

وهكذا فإن السيطرة على النظام السياسي منح زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي والقيادات السلالية التي تسيطر على جماعة الحوثي وظائف التنفيذ والتشريع والإشراف على القضاء، أي منحهم سلطة سياسية واجتماعية لا حدود لها. حيث أصبح زعيم الجماعة أعلى شخص مسؤول في الدولة، ويتمتع بصلاحيات مطلقة وبسلطة مفرطة تصل حد التقديس والتنزيه عن الخطأ. وهو في الحقيقة الآن بمثابة الإمام الجديد غير المعلن.

ثالثا/ السيطرة على القوة العددية

منذ سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة اليمنية صنعاء في 21 سبتمبر 2014م وما تلاها من احداث، سعت الجماعة إلى السيطرة على مصادر القوة العددية ممثلة بمنظمات المجتمع المدني كالنقابات والاتحادات والمنظمات والجمعيات، حتى لا تتحول إلى مصدر منافس أو قوى احتجاجية أو جسر لبناء قوى منظمة جديدة خارج دائرة سيطرة السلالة الهاشمية.

ونتيجة السلوكيات القمعية والترهيبية والاستيلائية التي مارسهتا جماعة الحوثي بحق المنظمات ونشطائها منذ سيطرتهم على السلطة، اختفت منظمات المجتمع في مناطق هيمنة الحوثي. “وتشير التقارير أن جماعة الحوثي قامت عبر مسلحيها باقتحام 50 منظمة مجتمع مدني ونهب محتويات 34 منها تنوعت بين جمعيات خيرية ومؤسسات تدريب وتأهيل ومؤسسات تنموية، كما قامت بملاحقة وتهديد العديد من نشطاء المجتمع المدني واعتقال العديد منهم وتشريد آخرين” [3].

وتوجت هذه البيئة القمعية لعمل منظمات المجتمع المدني بقرارات أصدرتها وزارة الشئون القانونية التي تسيطر عليها جماعة الحوثي بتجميد أرصدة 21 منظمة مجتمع مدني وإيقافها عن العمل بحجة انتهاء شرعية سلطتها التنفيذية بينها منظمات تقدم الرعاية لذوي الاعاقة ومؤسسة القدس وغيرها [4].

مقابل استهداف وتقويض مؤسسات المجتمع المدني في مناطق سيطرة الحوثي، سعت السلالة الهاشمية إلى إنشاء مؤسسات مدنية جديدة مؤيدة لها توظفها كذراع ناعم وتستخدمها كوسيلة للسيطرة وتضليل الرأي العام والنهب.

لقد وظفت السلالة الهاشمية المؤسسات المدنية المؤيدة لها على أنها أذرع ناعمة، فالنوع الأول يتركز أنشطتها في الوقفات الاحتجاجية المعارضة للعمليات العسكرية لقوات التحالف العربي. والنوع الثاني تضلل الرأي العام المحلي والدولي من خلال تقارير غير محايدة تحجب انتهاكات جماعة الحوثي وتغييبها تماما كطرف متسبب في كل ما يحدث. والنوع الثالث يتركز نشاطها في نهب المساعدات الإنسانية والاغاثية.

ومن هنا يمكن القول بأن إنشاء السلالة الهاشمية لمؤسسات مدنية جديدة مؤيدة لها تستخدمها كوسيلة للسيطرة وتضليل الرأي العام والنهب، بالإضافة إلى سيطرتها على منظمات المجتمع المدني وكذا السيطرة المطلقة على وسائل الإعلام، قد منحها قوة هائلة وسلطة لا حدود لها. لقد كانت نتائج هذه الإجراءات ليس فقط إيجاد أذرع ناعمة تخدم مصالح السلالة الهاشمية وترسخ حكمها، وإنما عزل الشعب اليمني وقواه وتنظيماته عن كل مشاركة في الحكم، والقضاء على المشاركة الشعبية في السلطة واتخاذ القرار، بحيث يصبح دور السكان في المناطق الخاضعة لهيمنة الحوثي يقتصر على التأييد والتهليل والتطبيل والتسول.

رابعا/ السيطرة على النظام الاقتصادي

في إطار إكمال عملية تحقيق الاحتكار الفعال للسلطة والقوة في المجتمع سعت السلالة الهاشمية إلى الاستيلاء على النظام الاقتصادي، وهو مصدر القوة الاجتماعية المستمدة من ملكية الأرض والرأسمال والثروة (أي القوة المادية).

لقد اتبع الحوثيون سياسة الفيد وسلطة الغنيمة، وهي عمليا تشبه السياسة ذاتها التي كانت تتبعها دويلات الإمامة خلال فترات حكمها، حيث تبنى نظاما اقتصاديا همه الأول تعظيم المنافع والغنائم والامتيازات للسلالة الهاشمية المحتكرة للسلطة والمناصب الرسمية، وافقار اليمنيين حيث لا يتم النظر أبدا لا لمشاكل التنمية والفقر ولا إلى مصير ملايين البشر الذين ينتظرون فرص عمل حتى يضمنوا معيشتهم ويحققوا ولو جزءا يسيرا من انسانيتهم أو شعورهم بكرامتهم. هكذا يبدو الأفق الاقتصادي مغلقا تماما أمام اليمنيين خاصة أجيال الشباب، ولا أمل لأحد منهم بالخروج من قبضة الفقر والبؤس والبطالة إلا بالهجرة أو بقبول التسول على أعتاب مافيات السلطة والأمن والمال وخدمتهم.

وخلال فترة زمنية قصيرة أصبح الاقتصاد في المناطق الخاصعة لسيطرة الحوثي اقتصاد مافيات تتقاسم فيه الأسر الهاشمية المنافع والمغانم بالإضافة إلى أعداد محدودة جدا من الأسر والعائلات القريبة من الحكم أو العاملة على أطرافه، حيث تحول نمط الاقتصاد خلال الحرب إلى اقتصاد حربي قوامه: النهب، والإتاوات والجبايات والابتزاز، والسيطرة على التجارة، ومصادرة الارض وسرقة المساعدات.. الخ.

ولا شك أن نمو اقتصاد الحرب الذي رسخ نفسه في البلاد، خصوصاً في المناطق التي تسيطر عليها جماعة الحوثي، ساهم كليا في عمليات تأمين الموارد الخاصة للحوثيين بمعركتهم، كما خلق للسلالة الهاشمية فرصاً مربحة لجني المال والثراء الفاحش. ويقوم اقتصاد الحرب على ما يلي:

1- النهب

منذ استيلائها على صنعاء، مارست السلالة الهاشمية سياسة الفيد وسلطة الغنيمة، وقامت بشكل ممنهج بنهب الممتلكات والأموال العامة والمختلطة والخاصة الواقعة في مناطق هيمنتها، وأبرز ما استولت عليه ما يلي:

أ – الاستيلاء على المال العام:

لقد قامت السلالة الهاشمية بنهب الإيرادات العامة للدولة، وتتمثل تلك الإيرادات المنهوبة في الاتي:

– نهب عائدات قطاع الاتصالات:

اتخذت جماعة الحوثي من قطاع الاتصالات والانترنت الحكومي والمختلط والخاص أداة لجمع الأموال والتجسس على المواطنين واستغلالهم، وبلغت إيرادات قطاع الاتصالات خلال خمس سنوات ثلاثة مليار ومائة واثنين وعشرين مليون دولار أمريكي.

كما قامت بنهب صندوق المعاشات والتقاعد، وكذا نهب مرتبات القطاع العام والمختلط، “ووفق تقرير فريق خبراء مجلس الأمن الصادر في يناير 2021 فإن جماعة الحوثي نهبت مليار و800 مليون دولار أمريكي من الإيرادات التي كانت موجهة في الأساس لدفع رواتب موظفي القطاع الحكومي [5].

– نهب الاحتياطي النقدي للدولة:

بعد انطلاق عاصفة الحزم في 26 مارس 2015، استمر الحوثيون في سيطرتهم على المركز الرئيسي للبنك المركزي اليمني، الذي تم نقل مقره من صنعاء إلى عدن في مرحلة لاحقة، وبقي البنك لأكثر من عامين خاضعا لإدارة الجماعة تحت مسمى التحييد. وبعد صدور قرار جمهوري بنقل البنك المركزي من صنعاء إلى العاصمة المؤقتة عدن كان صدور هذا القرار متأخرا، فخطة تحييد البنك مكنت الحوثيبن خلال تلك الفترة من استنزاف 4 مليار دولار وتوظيفها في حربهم لاستكمال الاستيلاء على الدولة.

ب – نهب المال الخاص:

لم تكتفِ السلالة الهاشمية بنهب الممتلكات والمال العام، بل قامت بنهب ومصادرة الموارد المادية (أراضٍ، عقارات، الرأسمال بأنواعه) التي كان يملكها خصومها المعارضون لمشروعها السلالي، في خطوة تهدف إلى تصفية الفئات المعارضة للمشروع السلالي نهائيا وحرمانها من مصادر قوتها.

لقد ابتكرت هذه السلالة نظاما اسمته “الحارس القضائي” لنهب وسرقة أموال وممتلكات اليمنيين، في خطوة تهدف من جهة أولى إلى تصفية الفئات المعارضة للمشروع السلالي نهائيا وحرمانها من مصادر قوتها، ومن جهة ثانية منح قياداتها والأسر السلالية الأموال الطائلة منها ممتلكات وأموال خصومها وتعزيز الاقتصاد الخاص للجماعة موازيا لاقتصاد الدولة، ومن جهة أخيرة إفقار وتجويع وترهيب المواطنين.

ففي ديسمبر/كانون الأول 2015، عقدت المحكمة الجزائية الابتدائية المتخصصة بصنعاء جلستها الأولى لمحاكمة عدد من الشخصيات، بمن فيهم الرئيس هادي والعديد من شركائه وحلفائه، عدهم الحوثيون خونة لارتكابهم جرائم ضد الدولة. واستمرت جلسات المحاكمة خلال 2016 والربع الأول من عام 2017، وفي 25 مارس/آذار 2017، أصدرت المحكمة حكمها في القضية رقم (68) وأدانت هادي ومستشاريه بتهمة الخيانة العظمى، وحكمت عليهم بالإعدام، وقضت بمصادرة ممتلكاتهم وأصولهم [6].

وفي منتصف 2017، أنشأ المجلس السياسي الأعلى لجنة حصر واستلام ممتلكات من وصفهم ب”الخونة”، وأمرت اللجنة في ديسمبر/كانون الأول من العام ذاته البنك المركزي في صنعاء بمصادرة الحسابات المصرفية وممتلكات 1,223 يمنيًا من المناهضين لجماعة الحوثيين. كما أنشأت المحكمة الجزائية المتخصصة نظام الحارس القضائي لإدارة الأموال والممتلكات المصادرة من المعارضين الذين فروا من المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. وعُيّن اللواء صالح مسفر الشاعر -الموالي للحوثيين -رئيسًا للجنة حصر واستلام ممتلكات “الخونة” ونظام الحارس القضائي. وإجمالًا، حُولت مليارات الريالات من الأموال المحجوزة والممتلكات الخاصة التي يملكها أو يديرها خصوم الحوثيين في العاصمة صنعاء إلى حساب في البنك المركزي يسمى “ممتلكات الخونة” [7].

وخلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2019، صادر الحارس القضائي ملكية 37 شركة تابعة لشخصيات مناهضة للحوثيين مقيمة في الخارج، بما في ذلك أموال وأصول لا تقل قيمتها عن 50 مليار ريال، كما تدخل الحوثيون خلال هذه الفترة في عمل أكبر ستة مستشفيات في صنعاء وطردوا مدراء وموظفين واستحوذوا على نحو 50% من عائداتها [8].

ومن الممكن القول إن نظام الحارس القضائي يحاكي النموذج الإيراني للبنياد، وهو رسميًا نظام صناديق خيرية اُستخدم للاستيلاء على أصول الشاه وأنصاره بعد ثورة 1979، وتطور عمله مع مرور الوقت ليصبح قوة اقتصادية نافذة في البلاد. وبالرغم من أن نظام الحارس القضائي أُنشئ بشكل رسمي وبموجب قرار قانوني، لكنه عمل خارج نطاق الدولة كأداة سلطة موازية استخدمها الحوثيون لنهب أموال الآخرين، ويعكس عمله تدخلًا صريحًا في سلطات وصلاحيات السلطة القضائية، وتقويض مبدأ الفصل بين السلطتين التنفيذية والقضائية كما هو محدد في الدستور اليمني [9].

2- الجباية والإتاوات

منذ استيلائها على الحكم في صنعاء، قامت السلالة الهاشمية بمصادرة جميع الإيرادات القانونية للدولة وفرض جبايات غير قانونية جديدة، حيث فرضت بالقوة على المواطنين في المناطق الخاضعة لسيطرتها، جبايات وإتاوات تحت مسميات عدة كالمجهود الحربي والزكاة والمولد النبوي وغيرها من المسميات. وأبرز تلك الجبايات والإتاوات هي:

أ- الجبايات الجمركية في المواني والمعابر الحدودية:

تشكل الإتاوات والإيرادات الجمركية التي يحصل عليها الحوثيون من الموانئ الخاضعة لسيطرتهم في الحديدة والصليف، ومن المعابر الحدودية التي انشأها في مدينة ذمار وإب، والتي تمر عبرها جميع الواردات تقريباً بعد وصولها إلى اليمن من المعابر والموانئ الخاضعة لسلطة الحكومة الشرعية، أحد المصادر الرئيسية لإيرادات الحوثيين التي تدر عليهم مليارات الريالات.

ولا أحد يمتلك أرقاما دقيقة لحجم الإيرادات الجمركية التي يجبيها الحوثيون من المرافئ والمعابر الحدودية التي انشأها. حيث قدر تقرير أممي، صدر نهاية يناير 2019، أن ما لا يقل عن 300 مليون دولار سنوياً يحصل عليها الحوثيون من خلال الرسوم المفروضة على واردات الوقود عبر ميناء الحديدة، بمتوسط شهري يبلغ 24 مليون دولار” [10].

ب – إتاوات ضرائب ورسوم ترخيص:

في عام 2019 أشار تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة، إلى أن الحوثيين يتحصلون على 407 مليار ريال يمني (نحو 740 مليون دولار)، كإيرادات تأتي من الشركات ورسوم ترخيص شركات الاتصالات السلكية واللا سلكية والتبغ وغيرها” [11].

ج – الإتاوات المفروضة على المواطنين:

فرضت السلالة الهاشمية بالقوة عبر ذراعها المسلح جماعة الحوثي الإتاوات والجبايات على المواطنين حيث فرضت ضرائب، تحت مسميات مختلفة، على المحلات التجارية وملاك العقارات والأراضي الزراعية، وعلى بائعي القات والباعة الذين يفترشون أرصفة الشوارع، كما انها تمارس الابتزاز على المواطنين حيث تفرض إتاوات على مالكي شاحنات النقل ومالكي سيارات الأجرة والدرجات النارية.

3 – فرض ضريبة الزكاة والخمس

يشكل فرض قانون الزكاة والخمس أخطر القوانين العنصرية التي أصدرتها السلالة الهاشمية، ففي 29 ابريل 2020، وضعت سلطات الحوثيين في المناطق الخاضعة لسيطرتها لوائح تنفيذية جديدة بشأن تحصيل وصرف أموال الزكاة، وفرضت تلك اللوائح الجديدة لقانون الزكاة ضريبة الخمُس الذي يفرض ضريبة نسبتها 20% على الانشطة الاقتصادية المنطوية على موارد طبيعية، والتي تشمل قطاعات المعادن والنفط والغاز والمياه والصيد البحري، في المناطق الجغرافية الخاضعة للجماعة والتي تشمل معظم مناطق الشمال حيث يعيش أكثر من 60% من السكان.

وبموجب هذا القانون الذي شرعه مجلس النواب الخاضع لسيطرة الحوثي، فإن عائدات الخمُس، التي وزعت على ستة أسهم (مستفيدين)، حددت المنتمين إلى السلالة الهاشمية، أو ما يسمى ب آل البيت والتي ينتمي إليها زعيم جماعة الحوثي، كمستفيدين أساسيين. كما خول القانون زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، بالتصرف بأموال الخمُس وتوزيعها كما يشاء، بصفته في هذه الحالة ولي الأمر أو الحاكم الذي تذهب إليه بموجب القانون أموال الخمُس.

4- السيطرة على التجارة

في سبيل سعيهم للسيطرة على النظام الاقتصادي والإثراء الفاحش، شرعت السلالة الهاشمية للسيطرة على التجارة، من خلال سيطرتهم على الأسواق السوداء وإنشاء الشركات وإصدار تصاريح للشركات للاستيراد والمضاربة في سوق العملة.

أ- الأسواق السوداء للوقود:

خلال سنوات الحرب ألغت جماعة الحوثي، في مناطق سيطرتها، سوق المشتقات النفطية الرسمي، وحولته إلى سوق سوداء لتعظيم الأرباح من تجارته التي باتت تتصدر قائمة مواردها المالية. ويدير السلاليون هذه التجارة المزدهرة والتي تتم بإشرافهم وتدر عليهم أرباحاً طائلة. ويؤكد خبراء اقتصاد، أن السوق السوداء تعد أهم مورد مالي بالنسبة للحوثيين، وتجني السلالة الهاشمية أموالاً طائلة من عائداته، ويعد الوقود أحد المصادر الرئيسية لإيرادات الحوثيين، “وأوضح تقرير لمنظمة هيومن رايتس وتش بشأن اليمن، أن فريق خبراء تابع للأمم المتحدة أفاد أن الحوثيين جنوا في عام 2019 ما يصل إلى 1.14 مليار دولار من توزيع الوقود والنفط في السوق السوداء” [12].

ب – إنشاء شركات:

أنشأ الحوثيون خلال الحرب مجموعة كبيرة من الشركات، متنوعة المهام، جميعها مملوكة لقيادات سلالية في الجماعة وموالين لها، تبدأ من شركات الخدمات النفطية وشركات ومؤسسات تجارية واستثمارية، واستيرادية وتصديرية، وفي المقاولات العامة والتعليم والصرافة وتحويل أموال من وإلى خارج اليمن، بالإضافة إلى ذلك تدير السلالة العديد من الشركات والمؤسسات الخاصة المملوكة لخصومها والتي استولت عليها بالقوة عبر ذراعها المسلح.

ج – إصدار تصاريح للشركات للاستيراد:

بعد سيطرة الحوثيين على السلطة مطلع 2015، قاموا بإصدار تراخيص استيراد لشركات شتى، ووفقا للتجار فإن كل ترخيص يكلف ما يقارب 800 دولار، وفي الفترة من سبتمبر 2016 وحتى أكتوبر 2018، قامت 52 شركة بدور وكلاء بيع في معاملات استيراد الوقود” [13].

5- مصادرة الأرض وتوزيعها

بعد سيطرتهم على الحكم في صنعاء استولت السلالة الهاشمية على أراضي الدولة والأوقاف في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وقامت بتوزيع تلك الأراضي سوا في محيط صنعاء أو غيرها لأنصار وقيادات الجماعة من المنتمين للسلالة الهاشمية. ولطمس هذا الإجراء قامت بإحراق أرشيف مكتب الأوقاف في صنعاء.

بهذا الصدد يمكن القول بأن قيام الحوثيين بتوزيع أراضٍ في محيط صنعاء وإحراقهم لأرشيف مكتب الأوقاف لا يمكن أن تأتي من فراغ، بل هي سياسة مدروسة وممنهجه تهدف من خلالها إلى تطبيع الوضع الانقلابي القائم، من خلال توزيع الأراضي لتحسين مستوى الأسر السلالية وأتباعهم ومنحهم هذه الامتيازات لتثبيت سيطرتهم الاقتصادية. وكذلك ضمان ولاء تلك الجماعات والشخصيات القيادية للجماعة الحوثية، فعندما تصرف هذه الأراضي فهذا يعني حتما السيطرة على كل الجغرافيا في صنعاء، بالإضافة إلى توفير مداخيل لعناصر هذه الجماعة للاستفادة من هذه الأراضي بالإيجار والبيع والاستثمار، وبالتالي تصبح هذه السلالة على المدى البعيد مسيطرة بشكل تام سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

6 – سرقة المساعدات

لقد اتبعت جماعة الحوثي استراتيجية المدخل الإنساني لكامل الجغرافية الخاضعة لنفوذه، حيث عمدت إلى تدمير المنظومة الصحية وحصار المدن، وإعاقة وصول المساعدات الانسانية ونهبها، والامتناع عن دفع الرواتب لفترات تمتد لعدة أشهر ومن ثم يصرف ربع راتب (نصف راتب كل شهرين)، ثم يعود الانقطاع لفترة طويلة، ورفع أسعار المواد الغذائية والمشتقات النفطية والاحتياجات من خلال السوق السوداء؛ وفرض الإتاوات على المواطنين والجبايات الجمركية في المواني وعند مداخل المدن.

ولا شك بأن سياسة خلق كارثة إنسانية يحقق للحوثيين أهدافا متعددة لعل أبرزها الاتي:

الأول اشتداد الضغط الدولي على السلطة الشرعية ودوّل التحالف العربي لإيقاف العمليات العسكرية تحت مبرر الوضع الإنساني المتدهور، والذهاب نحو تسوية سياسية قبل تحقيق الأهداف ومنها تقويض قوة الحوثي.

والثاني زيادة حجم المساعدات الإنسانية والإغاثية التي تقدمها المنظمات والحكومات الدولية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وتستثمر الجماعة الحوثية الوضع الإنساني المتدهور في المناطق الخاضعة لسيطرتها، حيث تستلم الجماعة معظم القوافل الإغاثية بشكل مباشرة دون إشراف المنظمات المانحة على توزيعها، ورغم علم تلك المنظمات بأن الحوثيين يقومون بنهب وبيع المساعدات الإنسانية في السوق السوداء، إلا أن تلك المنظمات تتغاضى عن ذلك.

• الخلاصة

ومن هنا يمكن القول، بأن سياسة ملء البطنين بقدر ما أدت إلى تمزيق المجتمع وتدمير الدولة والاقتصاد وتفاقم حدة الأزمات الإنسانية والأوضاع المعيشية والصحية والخدمية؛ إلا أنها كانت في الجهة المقابلة مصدر ربح وإثراء للسلالة الهاشمية التي تراكمت أصولها الاقتصادية بشكل سريع وفاحش في ثرائه، وتحولت السلالة على إثره من أقلية عرقية استولت بالقوة على السلطة بعد سقوط العاصمة صنعاء إلى فئة متسلطة ومهيمنة على المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري والجغرافي في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

بمعنى آخر، إن الإجراءات التي سلكتها السلالة الهاشمية، في المناطق الخاضعة لهيمنة ذراعها المسلح، أدت دون شك إلى إحكام السيطرة على السلطة والقوة في المجتمع واحتكار مصادرها في البطنين، بيد أن محصلة الاحتكار الفعال للقوة والثروة في المجتمع ستكون ميلاد السلالة الهاشمية كفئة جديدة حاكمة تفترس الأمة اليمنية وتنهب اقتصادها، وهي الفئة التي تملك الدولة وتملك كل شي في المجتمع، ألا وهي الدويلة الكهنوتية المافيوية.

فما هي إذن هذه الدويلة الكهنوتية؟ وكيف يمكن لليمنيين إجهاض مشروع هذه الدويلة الكهنوتية الذي تسعى السلالة الهاشمية إلى إعادته؟ هذه الأسئلة ستكون محور نقاش في الجزء الثاني لهذه الورقة البحثية.

_______

قائمة المراجع:

* ان نظرية (سياسة البطون) هي عنوان فرعي من كتاب ل “جون فرانسوا بيار “(حول الدولة في افريقيا ، الصادر سنة 1989) حيث تتمثل الأطروحة الاساسية لهذه النظرية في أن النفاذ إلى سلطة الدولة هو بحد ذاته إيجاد مدخل أو النفاذ إلى الموارد المادية والمعنوية لهذه الدولة، هذه العملية تتطلب احتكارا قسريا واستبداديا للدولة ومواردها الذي يأخذه مصطلح التراكم، في هذه النظرية هذا التراكم سيتحول إلى سياسة البطون، ذلك أن جهاز الدولة ماهو إلا قطعة من الكعكة الوطنية، حيث يحاول المحتكرون للسلطة عن طريق الإكراه تكوين طبقة مسيطرة والتي تمارس أو تحاول ممارسة الهيمنة ومن ثم تسعى هذه الطبقة لابتكار نمط للحكم يقوم على الثقافة الأصلية للسكان أو تاريخنية الدولة. للاطلاع أكثر انظر: بروسي رضوان، “الدمقرطة والحكم الراشد في أفريقيا، دراسة في المداخل النظرية: الآليات والعمليات ومؤشرات قياس نوعية الحكم”، رسالة ماجستير غير منشورة، مقدمة لجامعة الحاج لخضر، باتنه، تنظيم سياسي، 2008، 2009، ص 49.

1- انظر، خلدون حسن النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991)، ص 139.
2- نفس المرجع، ص 139.
* للمزيد انظر: تعيينات الحوثي: السلطة المطلقة في أجهزة الدولة اليمنية، موقع العربي الجديد، تاريخ النشر 5 يناير/ كانون الثاني 2018.
3- جميلة العثماني، منظمات المجتمع المدني.. قمع ومصادرة ممتلكات وعمل محفوف بالمخاطر، تقرير صحفي منشور في موقع ، تاريخ النشر 6 ديسمبر 2015.
4- نفس المصدر.
5- للمزيد انظر تقرير…
6- مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، “افرض الضرائب واحكم: الحوثيون وضريبة الخمس، نحو مأسسة النخبة الهاشمية”.
7- نفس المصدر.
8- نفس المصدر.
9- نفس المصدر.
10- المصدر أونلاين،”ذريعة الانقلاب وخزينة الحرب.. هكذا تناسلت شركات النفط والأسواق السوداء خلال أربع سنوات”، تاريخ النشر 16 فبراير 2019.
11- نفس المصدر.
12- نفس المصدر.
13- نفس المصدر.

عناوين ذات صلة:

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية