عندما يسقط البعض من المثقفين!

عندما يسقط البعض من المثقفين!
هيثم العبدي

هيثم العبدي يكتب: عندما يسقط البعض من المثقفين!


كلما زادت خلفية الانسان الثقافية وتراكُمه المعرفي انعكس ذلك على سلوكه في التعامل مع المخالفين والشرائح المجتمعية الاخرى، فالثقافة والاطلاع تهذب النفس وتزيدها تواضعاً، فيما التعالي والغرور مؤشر لشعور بالنقص والخواء الفكري.

وبما أن النقد من أهم أدوات المثقف في تناول القضايا والاحداث والسلوكيات العامة، فعليه الالتزام بأسسه وضوابطه، لا ضير أن يتبنى رأي مخالف، فالاختلاف وتباين الرؤى ظواهر صحية لتناول الفكرة من زوايا مختلفة تُكمل بعضها البعض، المحبط أن يتجاوز هذه الضوابط من يُفترض انهم مثقفون كبار ليحولوا الموضوع من تبادل آراء ونقل أفكار إلى مشاداة واستهداف شخصي يقزّم رأيهم ويضعف حجتهم.

في السنوات الأخيرة انصدمت بأحد الكتاب والمفكرين المرموقين الذي أخرجتهم معارفهم عن آداب النقد ليسقطوا في فخ الشخصنة والانتقاص من مجتمعهم وعاداته وتقاليده وحتى تاريخه، غرور وصل للدرجة الذي يرى فيها أن أي فكرة أو موقف صدرت من العامة هي محل شك في نية صاحبها وبالتالي فأن عليه شيطنتها وشيطنت نوايا من قام بها، فالأفكار والمواقف العظيمة كما يراها لا تكتسب قيمتها واهميتها إلا أذا صدرت من نُخب وأقلام وازنه لها ثِقلها.

غمرتني الحسرة عندما وجدته قبل سنوات، يستهدف أحد الشباب الواعي الذي لمع نجمه بتأسيس فكرة لطيفة عمل من خلالها على تبني قضايا وهموم مجتمعية بطرح كوميدي ونقد لاذع ولغة عامية بسيطة لامست قلوب الناس فالتفّوا حوله بما فيهم نُخب يوازي مستواها الفكري هذا المثقف المغمور..
بحثت عن حُجه منطقيه لتبرير استثارته المتجاوزة للشاب المستهدف إلى الاشخاص المتفاعلين مع طرحه والتهديد بتحديد موقف منهم، ولم أجد مع الاسف إلا الغيرة من التفاف الناس حول كاتب من أوساطهم، كاتب وصفه هذا المثقف واقرانه بالكاتب “الشعبوي”، لا اعلم بالضبط معنى هذا المصطلح، لكنهم أطلقوه بسياق فيه انتقاص من شخصية الشاب وطرحه، وامتعاض من الوعي المجتمعي لتأثره بهكذا كتّاب.

العام الماضي أطل علينا هذا المثقف من جديد بزوبعة أخرى انتقص خلالها التاريخ اليمني بطرح سطحي سخِر فيه من افتخار اليمني بحذاء تاريخي عمره 2700 سنة وبلده لا يوجد فيه معمل لصناعة الاحذية معتبراً أن ذلك مؤشر بؤس، وأن مفاخرته بخط المسند وشعبه يعاني من الأمية لا يعدو عن كونه غباء، وأن الأثار من الماضي والماضي مكانه المتحف.

لا أدري ما المزعج في اعتزاز المواطن بتاريخه الحضاري وقِطعه الأثرية، فذلك مدعاة للانبساط وليس الانزعاج.. صحيح أن حاضر اليمن المُعاش مرير، غير أن تلك المرارة صنعتها النخبة السياسية والدينية الفاسدة الذي فضّلت مصالحها الشخصية على المصلحة العامة، ولم يصنعها الموروث الحضاري حتى يسوق هذا المثقف جُل حِقده وغضبه عليه، وبالعكس من ذلك فكل دول العالم تفاخر بإرثها التاريخي وآثارها وتُدرجها كمواد الزامية في المناهج الدراسية لتعريف أبناءها بإرثهم القومي لما يُشكله هذا الإرث من أهمية في صنع شخصية الفرد وترسيخ الهوية الوطنية بين أفراد المجتمع وإشباعها بحب الوطن وتقديسه.
لو تشبع الساسة والمثقفين بإرثهم التاريخي لغلّبوا مصالح أوطانهم وعملوا لأجلها ولما انزلقت بلدانهم للمجهول. لكننا للأسف بُلينا بساسة نرجسيين، بفسادهم ضاعت مصالح الناس، ومثقفين استعلائيين ينظرون لشعبهم باحتقار ودونيه.

ما اغناه عن الوقوع في هكذا زلات غير مبررة خصوصاً وانه يمتلك كل مؤهلات الانتلجنسيا، ولديه أطروحات جميله في مختلف المجالات، فلماذا يقزمها بين الفينة والاخرى بهفوات لا اظنه وقع فيها بجهل كونها واضحة وضوح الشمس في وضح النهار.
فهل يُعقل ان يفضي الانتقاص من الماضي والعادات المجتمعية إلى الصعود للمستقبل والحداثة، وهل الاستهداف والشخصنة أسلوب ينتهجه مثقفين ونخبويين، وهل هكذا طرق يمكن التعويل عليها لتصحيح وعي جيل، بالطبع لا.

المثقف الحقيقي يتعامل مع مجتمعه كتعامل الطبيب الناجح مع مرضاه، يتفاعل معهم بمنتهى الرقي، ويبذل مجهود لإقناعهم بأنهم بحاجة للعلاج، فاذا أقتنع المريض بمرضه وبجدوى العلاج يسهل على الطبيب حينها الانتقال للمرحلة الثانية كتشخيص المرض ورسم الخطة العلاجية والبدء بتنفيذها، حينئذِ يمكن التفاؤل بنتائج إيجابيه، أما لو افترضنا، وهو محال أن يحدث، وجود طبيب منفعل يصرخ في مرضاه ويتع إلى عليهم بما يمتلكه من خبره طبيه ويشتمهم بإمراضهم، كما يفعل هذا المثقف، فهل سيتماثل المرضى للشفاء بنفس نسبة مرضى الطبيب الاول، لا اعتقد، فالأول هيأ الشريحة المستهدفة للوصل إلى الهدف، فيما الآخر نفّر الشريحة المستهدفة من الوصول لذات الهدف.

نفس المعيار ينطبق على المثقف عندما يشوف الجيل متخبط فالواجب أن يمد يده يساعدهم وينور مسارهم وينمي وعيهم لتجاوز الاشكالات المعاشة، لا ان يوبخهم ويحتقرهم ويشيطن الافكار الصادرة من أوساطهم.

أما من يعيش في برجه العالي ويرى شعبه من خلف نظارات سوداء ويعتقد أنه أعلى من الناس، ويتعمد استفزازهم فهذا مثقف تقليدي لا يُعول عليه ولا على افكاره.
ختاماً ما أحوجنا لمثقفين كبار بعقولهم تصغر أمامهم الحلول وتتحطم العراقيل ويُصلح بهم الشعب ما أفسده الدهر والنخب التائهة.

عناوين ذات صلة:

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية