نحو “مرشلة جديدة” في القرن الـ21: الدول المتعافية ومسؤولياتها الأخلاقية

نحو “مرشلة جديدة” في القرن الـ21: الدول المتعافية ومسؤولياتها الأخلاقية
ثابت الأحمدي

د. ثابت الأحمدي يكتب: نحو “مرشلة جديدة” في القرن الـ21: الدول المتعافية ومسؤولياتها الأخلاقية


“إنّ الحدودَ بين مُجتمعَين، أحدهما على درجة عالية من التطور، والثاني أقلّ تطورًا عندما يتوقف عن التقدم فإن الميزان لا يثبت على توازن مستمر.. إنه يميلُ بمرور الوقت إلى مصلحة المجتمع الأكثر تخلفا”. آرنولد توينبي.
ثمة مسؤوليات رسمية، أي واجبة، وثمة مسؤوليات أخلاقية، وأحيانا يجتمعان معا في بعض المواقف، سواء على المستوى الشخصي للأفراد والهيئات، أم على المستوى الرسمي للدول والشعوب تجاه بعضها بعضا.
خرجت أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية شبه منهارة اقتصاديا، بشقيها “الحلفاء والمحور” نتيجة الحرب، فرأى الاستراتيجيون والمفكرون الأمريكيون أن أوروبا مقدمة على كارثة محققة إذا لم يتم تدارك اقتصادها، فأعلنوا على الفور في يونيو من العام 1947م مشروع “مارشال” عبر وزير خارجيتها الخبير السياسي، ورئيس هيئة الأركان السابق في الجيش الأمريكي جورج مارشال، والذي سُمي المشروع باسمه، وذلك بمبلغ يقارب 13 مليار دولار أمريكي. “يعادل اليوم ما يقارب من 200 مليار دولار”.
المشروع جاء آنذاك لهدفين: الأول سياسي، يتمثل في احتواء شعوب أوروبا، وخاصة أوروبا الأطلسية التي لها ألف حساب في الاستراتيجية الأمريكية، باعتبارها القلب الامبراطوري للعالم، وذلك من خطر الشيوعية القادم والذي كان في طور التشكل آنذاك، علما أن “الاتحاد السوفيتي” الذي تأسس بداية عشرينيات القرن الماضي، عقب الثورة البلشفية بسنوات قليلة كان من ضمن حلفاء أمريكا في هذه الحرب، ضد ما عرف بدول “المحور” وهو الذي دمر بولندا واكتسح الرايخ وسيطر على برلين.. إلخ.
الشاهد.. رغم أن العلاقة كانت لا تزال حميمية بين القطبين الكبيرين حينها؛ لكن قراءة المؤشرات من قبل الأمريكيين كانت أذكى بكثير، فعلى الأقل استطاع هذا المشروع حماية أوروبا الغربية من خطر المد الشيوعي الذي كان يسري في العالم كله سريان النار في الهشيم، أكثر من سريان النظام الرأسمالي، بحكم مثالية الفكرة وشبابية المشروع ذاته، وكانت أمريكا قد واجهت هذا الخطر بالمكارثية مطلع الثلاثينيات، ورصدت لهذا المشروع ما يزيد عن ثلاثين مليار دولار.
الهدف الثاني: إنساني، لإنقاذ شعوب أوروبا من كارثة اقتصادية وشيكة، ستتطاير شظاياها إلى الأمريكان أنفسهم، فعمدت الولايات المتحدة الأمريكية إلى سُقيا الشتلة الظامئة المشارفة على الهلاك، حتى قوي عودُها وتجذرت واستوت على سوقها، وها هي اليوم عملاق اقتصادي، وخاصة ألمانيا. ولو لم يكن مشروع مارشال آنذاك لكانت أوروبا اليوم أشبه بالمنطقة الأوراسية يتناهشها الصراع والبؤس، إذا ما استثنينا منها تركيا ذا الاقتصاد الناهض.
لقد تحمس الرئيس الأمريكي آنذاك هاري ترومان للمشروع، وزاد منه بعد ذلك، من موقع المسؤولية الأخلاقية التي يجب أن تضطلع به دولته تجاه حلفائه الذين تضرروا من الحرب، وإن خرجوا منها منتصرين، فبريطانيا الحليف الأكبر لأمريكا كاد اقتصادها يتلاشى عقب الحرب؛ لأن من طبيعة الحروب أن الفائز فيها خاسر..! وأكثر من ذلك ــ لقد تم عرض المساعدات نفسها على الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية التابعة له، إلا أنها رفضت هذه المساعدات خشية تغول الرأسمالية على حساب الشيوعية..
على صعيد مشابه اليوم.. الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك، فعلى الرغم من القوة المهولة التي تتمتع بها الأولى، إلا أنها تنظر إلى المكسيك جارتها “الفقيرة” التي تتصل بها في شريط حدودي كبير كحليف استراتيجي؛ “كون السلام والأمن في تلك المنطقة مهمين للأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية وللتجارة الدولية. وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أكبر شريك تجاري للمكسيك، فيما تعتبر المكسيك ثالث أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة… ويرتبط البلدان أيضًا ارتباطًا ديموغرافيًا؛ إذ يعيشُ ما يقاربُ مليون مواطن أمريكي في المكسيك، فيما تعتبر المكسيك أكبر مصدّر للمهاجرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية. كانت الهجرة غير القانونية، والاتجار غير المشروع بالمواد المخدرة وبالأسلحة النارية من بين أسباب الخلاف بين الحكومتين، ولكنها كانت ــ في نفس الوقت ــ من أسباب التعاون بينهما”. “ويكي”.
وعلى الرغم من هذه القوة إلا أننا نجد صيحات التحذير تتوالى من قبل المفكرين والاستراتيجيين الأمريكيين، مقررة أن المكسيك كارثة محتملة لأمريكا، منتقدين أمريكا أن حولت اهتمامها إلى الشرق الأوسط أكثر من اهتمامها بالمكسيك. وعمليا بدأت توجهات جادة مؤخرا من قبل أمريكا باتجاه المكسيك. كما وجدت روسيا نفسها مجبرة اليوم على أن تعيد حساباتها كثيرا مع كازاخستان التي كانت جزءا منها سابقا، وتعمل على تحرير اقتصادها المتأخر.
أيضا تبنت إيران العديد من مشروعات توليد الطاقة الكهرومائية والطرق الحديدية في بلدان آسيا الوسطى، والتي تخطط لربطها بها في المستقبل القريب. وهناك خط أنابيب الغاز الطبيعي الذي يربط جنوب شرق تركمانستان بشمال شرق إيران..
وعلى صعيد مشابه.. أسهمت اليابان في تحديث النمور الأسيوية إن لم يكن خلقها من جديد وتأهيلها، مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا وأندونوسيا، خشية الخطر المستقبلي من الجار الفقير للبلد المتقدم؛ بل لقد تبنت اليابان اليوم استراتيجية جديدة، ذات بُعد إنساني وأخلاقي معا، بعيدة عن برجماتية الغرب القائم على المصلحة بلا مبدأ في تعاطيه مع الآخر.. و

هو عكس ما تبنته هي في مرحلتها الإمبريالية، مُنطلقة من ثقافة “الشنتو” ببعدها التاريخي وطابعها الأخلاقي، ولهذا السبب تراجعت اليابان من ثاني اقتصاد عالمي إلى ثالث اقتصاد، بعد أن تنازلت عن جزء من فائضها الاقتصادي لجيرانها “النمور”. وبعلم الجميع أن هذه النمور كانت إلى بداية التسعينيات في حالة يُرثى لها، ولولا الدعم الياباني لكانت اليوم أشبه بدول وسط أفريقيا وجنوبها.
ختاما.. مصالح الأمم والشعوب مترابطة عضويا ببعضها البعض، خاصة مع ظهور المليشيات المؤدلجة العابرة للحدود السياسية، وحروب الجيل الخامس، والأمر يستدعي إعادة النظر في وضع استراتيجية طويلة المدى لمزيد من التقارب والتلاحم، خاصة الشعوب ذات الأرومة الواحدة والمصير الواحد.

عناوين ذات صلة:

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية