المجتمع المحارب.. مؤشرات المعركة الفاصلة في اليمن

المجتمع المحارب.. مؤشرات المعركة الفاصلة في اليمن
حسين الصوفي

حسين الصوفي يكتب: المجتمع المحارب.. مؤشرات المعركة الفاصلة في اليمن


عقب هزيمة الجيش المصري العظيم عام 1967 من القرن الماضي؛ خرج الزعيم الملهم جمال عبد الناصر ووجد القاهرة قد خرجت كلها عن بكرة أبيها إلى الشوارع تهتف له بالتحية والمجد رغم أنه يعاني مرارة الهزيمة، فخاطبهم بكل فخر: لقد خسرنا المعركة، لكننا لم نخسر الحرب، لأننا نمتلك روح التحدي والصمود والعزيمة والإيمان”!

روح التحدي الجمعي وقود النصر، الجيوش التي تصنع الانتصارات هي الجيوش التي تحتضنها الشعوب المشتعلة لديها روح التحدي والمواجهة، وعقيدة النصر للكرامة والسيادة والمساواة والحرية والرخاء والأمن والقانون ودولة الحقوق الضامنة.

الذين يغرقون في تفاصيل معركة لحظية لا يدركون معنى النصر، ليسوا أهلا لكسب الحرب، والحروب التي تنتهي بالنصر الكبير هي حروب الشعوب، والشعوب وحدها فقط.

وما الذي نعنيه بحروب الشعوب؟!.
هذا سؤال مهم وجوهري، ومعنى ذلك أنك تلقى الشعوب هي التي من أجلها تخاض الحرب، ويرتقي الشهداء، ومن أجل الشعب وحريته وحقوقه تعظم التضحيات وتهون، هذه هي الحرب من أجل المجتمع، وفيها يتحول المجتمع كله الى “مجتمع حرب” ومجتمع الحرب هو الذي يصنع النصر الأخير.

الحرب نوعان، ولها غايتان، حرب المجتمع، وفيها تجد المجتمع وحده وبكل تلقائية ومن شعور عميق وحقيقي بأهمية المعركة يجود بكل ما يراه واجبا لتعزيز صمود المقاتلين ومساندتهم وتوفير احتياجاتهم.

هذا المجتمع يرى أن المقاتل يدافع عنه وعن حقوقه ومستقبله، هذا المجتمع هو المجتمع المحارب، المجتمع الذي يقدس التضحيات ويصونها ويقف لها بإجلال وتعظيم وامتنان، ثم يقدم ما يستطيع بكل خجل وبكل رضى، وبكل حرص على أن يسجل له سطرا في سفر تضحيات الابطال.

***

قبل أيام تواصلت بي إحدى الأخوات عقب استشهاد البطل زكريا حسن عناب، وقالت إنها جمعت مبلغا يكفي لشراء سلاح من نوع آلي كلاشنكوف، فرحت لهذه الروح، تعززت عندي الطمأنينة وتضاعف يقيني بقرب النصر الوطني الكبير، أثنيت عليها حينها وتغافلت عن المتابعة لأنني أولا لست جهة ذات صلة بالدعم اللوجستي، ولها أهلها، وثانيا فقد وجدت ما أهتم به كصحفي ومتابع ومتفحص للاحداث الظاهرة وكوامنها، ومؤشرات المستقبل، وجدت أن روح التحدي والصمود والعزيمة متجذرة في قلب المجتمع اليمني العظيم وتترسخ يوما بعد يوم.

وعصر اليوم وجدت رسالة عتاب عظيمة المعنى عميقة الأثر، اقشعر لها جسمي، وأقسمت لحظتها بأننا نقترب من تحرير صنعاء وكل شبر في اليمن، وأن النصر قاب قوسين أو أدنى، ولا زلت أجدد القسم بالنصر بكل يقين وأراه اللحظة رأي العين، عين اليقين.

جاء في رسالتها:” اعلم أن قطعة سلاح لا يمكن أن تحدث أثرا كبيرا بالنسبة للأبطال، لكنها ترفع عني عار التفرج على التضحيات، وتداوي في وجع تأنيب الضمير، فلا تستقل طلبي فوالله إنني خجلى من نفسي لا اتحمل مشاهدة حسن عناب ومفرح بحيبح وأبطال العبدية وكل الأبطال يقدمون التضحيات من أجلي ومن أجل أولادي ومستقبلي وحريتي وأنا لم أقدم شيئا لهؤلاء الذين يقدمون أرواحهم ويضحون بدمائهم من أجلنا، فلا تتجاهل طلبي وتتسبب في مزيد من عذاب ضميري وانتقاصي لذاتي، أنقذني بقبول واجبي أو دلني على أحد يفعل ذلك فكل لحظة تمر علي أثقل من سنة أمام تضحيات الأبطال”.

أرسلت لها رقم أحد الضباط أصحاب الشأن، وبقدر الأسف الذي شعرت به والندم الذي اعتراني على التغافل، بقدر ما أقسمت أننا مجتمع محارب ينتزع الانتصار انتزاعا رغم كل التحديات والمخاطر، وجدت ذلك ايضا قبل قليل عند عودتي الى المنزل، حدثتني زوجتي عن مبادرة مائة خاتم ذهب مساندة لصمود المقاتلين، وأن الرقم يزداد كل لحظة ويكفي أن تعرفوا أنه تم جمع سبعة خواتم وقرطين في أول تفاعل.

نحن المجتمع المحارب، نحن الشعب المحارب، نتلقى الاتصالات من ذمار والرسائل من صنعاء والحديدة وصعدة وسقطرى، من الأرياف والمدن، من الأمهات والأهل، نتلقى الدعوات كل لحظة، نتلقى المساندة من شعبنا العظيم رجالا ونساء أطفالا وشيوخا، في الداخل والخارج، كل شعبنا العظيم يقول أنه شعب محارب، يقدر التضحيات ويساندها، بل وخرج في السادس والعشرين من سبتمبر ليشعل ضوء الثورة حنينا لها ويقينا أنها تعود من جديد بانتصار قريب.

في المقابل، تمتلئ سجون العصابة الحوثية عملاء الاحتلال الإيراني بالأبرياء، وكل يوم تقيم محاكم الاحتلال عشرات الجلسات لمحاكمة الشعب، ينفذون الحملات الأمنية، يختلقون المناسبات لنهب أموال الشعب، يوغلون في قهر المجتمع، يتحدون الشعب اليمني، يعدمون الأبرياء أمام الكاميرات،

يفجرون المنازل، يدمرون الإنسان، يحرقون القرى في العبدية، يتخذون من النبي أداة للنهب والنصب وإجبار اليمنيين على التمظهر بالولاء لهم، ويقتلون الوصابي الذي رفض الطلاء الأخضر، لأنهم يشعرون بالقهر والعزلة ويرون أن ايامهم معدودة وأن روح الانتقام تكاد تشتعل، وتحسبهم في إرهابهم أقوياء وهم يرتعدون من الفجيعة.

إنهم من يخوضون حربهم ضد الشعب، هم من يحارب الشعب، من أجل الكهنوتية العنصرية، يستخدمون اسم النبي الكريم ويوظفونه بكل قذارة ليقهروا اليمني ويسلبونه حقوقه ومستقبله، ويحولونه إلى عبيد أذلاء يعملون “بالسخرة” كخدم بلا مرتبات كما كان يفعل الطغاة الأرذلون من قبل.

في الحرب إياك أن تنسى ذاتك، احذر أن تجرفك الأحداث الى مستنقع التفاصيل الواهمة، دون أن تعيش بفخر لخظات صناعة الانتصار في المعركة الفاصلة.

في الحرب ينتصر الشعب، تكسب المجتمعات، قد تخسر المعركة واختها، لكن المجتمع الذي يكتظ بروح التحدي وعقيدة الانتصار من أجل المستقبل الكريم هو الذي يجيد النصر ويصنع التحول في أحلك الظروف وأشد الأوقات.

في الحرب قد تتضاعف المحبطات وتتزاحم الأوجاع، وتكبر التحديات، ويتكاثف السواد، وتضيق الخيارات، وعند هذه اللحظة فقط يكون النصر يعيش مخاضه العسير، فترقب لحظة ميلاد الفجر، فإن الشقي من أعمته الحوادث عن الاستبشار بقدوم النصر الكبير، النصر الذي يستحقه المجتمع المحارب، النصر الذي ينتقم من محارب المجتمع شر انتقام.
والله غالب على أمره.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية