الوجه الآخر للحرب.. هدم كيان الإنسان وتدمير منظومة القيم

الوجه الآخر للحرب.. هدم كيان الإنسان وتدمير منظومة القيم
يحيى اليناعي

يحيى اليناعي يكتب عن الوجه الآخر للحرب.. هدم كيان الإنسان وتدمير منظومة القيم الأخلاقية والسياسية السوية


يعد الانقسام في الهوية أحد أهم عوامل الفوضى التي تعيشها المنطقة. اليمن بات جزءا من هذه الفوضى، والحرب الدائرة فيه هي امتداد لحرب ذات وجوه مختلفة، بدأت بغزو بغداد في 2003م، واستهدفت استنهاض الهويات القاتلة، لمحاولة تغيير وجه المنطقة العربية.

لقد غاب عن أذهان الساسة اليمنيين أن بلدهم كانت هي الهدف التالي بعد العراق في مخطط إغراق المنطقة بالفوضى.

لقد أعطي الضوء الأخضر لجماعة الحوثي لإعلان التمرد المسلح على الدولة، بعد غزو بغداد بأقل من عام (الحرب الأولى في صعدة 2004م).

في لقاء مسجل مع قناة الجزيرة بتاريخ 21 مايو 2019م يقول الحاكم العسكري الأمريكي السابق للعراق بول بريمر “عندما أطحنا بصدام حسين فقد أطحنا أيضا بألف من سنة من التسلط السني في المنطقة”.

يعترف بريمر أن غزو بغداد كان بغرض هدم جدار الصد المتمثل في نظام صدام، والذي كان يعيق تمدد وصعود الهوية الشيعية، بعد أن تولدت قناعة لدى الغرب بأنه لا هوية قاتلة يمكن لها أن تحدث كل هذه الفوضى والتشظي في المنطقة العربية، إلا الهوية الشيعية، كما أشار لذلك “ولي نصر” عضو مجلس السياسات الخارجية الأمريكية في كتابه “صحوة الشيعة”.

اللافت أن هنتنغتون كان قد طرح في كتابه “صِدام الحضارات” ما أسماها بالخطة الجديدة لإعادة تقسيم العالم على أساس الهوية الثقافية، وأنذر بحروب من نوع آخر تقلب الموازين.

اليوم بات من السهل رؤية كيف أدى صعود الهوية الشيعية إلى حروب طاحنة وأنهار من الدماء في اليمن والعراق وسوريا.

أحد الوجوه الخطيرة لهذه الحرب أنها ليست من نوعية الحروب التي يراد منها تحقيق سيطرة عسكرية وسياسية فحسب، بل إنها من الحروب التي يراد لها تدمير هوية الإنسان وهوية المجتمع وتاريخه ووعيه الكامل، والتي تهدف لإحداث تحولات ثقافية واجتماعية وفكرية عميقة على صعيد الهوية والبنية الثقافية والدينية والمعرفية، وتعمل على محو يمن ما قبل 21 سبتمبر 2014م بكل ما فيه وزراعة يمن آخر مختلف كليا.

كما لو أن الأمر له علاقة بمخطط تم وضعه لاقتلاع بلدان عربية وزراعة أخرى، تحدث عنه الكتاب الشهير “محو العراق: خطة متكاملة لاقتلاع عراق وزرع آخر” لمؤلفيه: مايكل اوترمان وريتشارد هيل وبول ويلسون.

لقد بدا أن ما في هذا الكتاب ينطبق على يمن ما بعد الانقلاب الحوثي، ويتوافق مع الأسس التي حددها “كيت داوت” لتحطيم الدول مستعينا بتجربة يوغسلافيا سابقا التي تحولت إلى 6 دول فيما بعد.

وهو ذات السيناريو الذي تم وضعه في مراكز الأبحاث الغربية بعد دراسة لطبيعة المجتمعات التي يراد تمزيقها، وتفتيت الدول التي يعيش بها مجاميع بشرية مختلفة منذ قرون، من خلال تفجير الكراهية.

يقول الدكتور سامي الرشيد في قراءته لهذا الكتاب الذي يشرح مخطط محو العراق واقتلاعه وزراعة عراق آخر:

“لا يتم قتل الرجال والنساء والأطفال فحسب، بل المدينة بطقوسها ومناهج حياتها.

لا تتم مهاجمة مجموعة من الناس فحسب، بل تاريخها وهويتها وذاكرتها الجماعية.

لا يتم هدم النظام الاجتماعي فحسب، بل أيضا المجتمع نفسه.

هذه حرب لإبادة المجتمع في عراق ما بعد صدام حسين. حيث تم هدم كل قيم التضامن، وعلاقات الجوار والأحياء السكنية والمذاهب، وبناء نظام الحواجز المادية والنفسية والدينية وسيطرة الارتيابية والخوف من الآخر.

والأخطر هو انقلاب المقاييس، بحيث يصبح المخادع ذكيا، والنبيل العفيف غبيا، لأنه لا يشارك في الوليمة العامة والنهب، ويصبح اللص سويا، والشريف منحرفا، وغيرها من التناقضات التي تقلب منظومة القيم الأخلاقية والسياسية السوية لصالح نقيضها.

يقول “كيت داوت” كيف يحدث هذا؟

من خلال خطة منسقة الأعمال، مختلفة، تهدف إلى تدمير الأسس الأساسية للمجتمع ونتائجها بوحشية.

تتضمن تدمير: التضامن، الهوية، الفرد، العائلة، المجتمع، المؤسسات الاجتماعية، وعي الذات، لكي يصبح الارتياب وسوء النية التوجهين السائدين لدى الناس.

يعلق مؤلفو الكتاب الثلاثة، مايكل اوترمان وريتشارد هيل وبول ويلسون، على فقرات كتاب كيت داوت هذه بالقول:

التدمير المقصود للعراق وشعبه الذي قامت به الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها إبان حرب الخليج وحقبة العقوبات الدولية، ومن ثم غزو بغداد، يأخذ شكل محاولة إبادة اجتماعية ليس للشعب فقط إنما للدولة العراقية، رغم التاريخ الطويل لهذه الدولة وتعايش مكوناتها المتعددة.

لكن كيف تحقق ذلك خلال 14 عاما من الحروب والدمار والإرهاب والنهب، وتغيير القيم والمفاهيم والمعتقدات، حتى كثير من سلوك الأفراد التي جعلت نزعات الانفصال لأسباب غير أخلاقية، لا تثير أي رد فعل غاضب من المجتمع والشعب، ومصرع العديدين سواء بفعل الإرهاب أو الحرب ضد القاعدة وداعش أمرا طبيعيا.

وكذلك الرشوة والسرقة والاستيلاء غير الشرعي على أملاك الدولة وتدخل الدول الأجنبية السافر بشؤون العراق واقتطاع أرضه ومياهه، وتشرد الملايين من مناطق النزاع، وهجرة أكثر من 4 ملايين عراقي خارج الحدود.

كيف تحقق هذا في العراق؟

يجيب الكتاب الثلاثة موضحين عملية تمزيق الكيان العراقي:

إن مشاعر الاغتراب واليأس والكآبة والقلق والمشاعر السلبية، هي ظاهرة سائدة بين الناس الذين تنقلب أسس حياتهم بصورة عاصفة، ويشعر الناس الذين يعرفون بعضهم قبل سنوات، أنهم في الحقيقة غرباء عن بعضهم، ليس لأن هؤلاء خدعوا بعضهم كما يلوح على السطح، بل لأن نظرة الجميع للحياة تغيرت تماما.

الأسس الاجتماعية والثقافية والصحية والأخلاقية وروابط اللغة والتاريخ والقربى والصداقة قد تم حرثها بل قلبت تماما.

لم يعد للناس ما يحكمون به على بعضهم، بل على أنفسهم، إلا بالحقد والخوف والنقص والكراهية والشك.

هي أعراض تدمير البنية العضوية للمجتمع وروابطه وزعزعة الأساس الداخلي للإنسان، وتحويله إلى كائن هش، أو إلى مخلوق ساخط، يتعرى سلوكا ولغة في الساحات والمنابر العامة، بوهم أنه تحرر من كل القيود السابقة، وسوف تنهك قواهم وهم يتصارعون فيما بينهم.

ويتهم كل واحد الآخر بالعمالة لتلك الجهة أو غيرها، وتستنزف ثروات العراق ودم الملايين من أبنائه في حروب داخلية تمهد في مجملها، لتمزيق الشعب والدولة العراقية، وهذا هو جوهر مشروع الشرق الأوسط الجديد.

لكن لو عدنا للتاريخ وإلى الوراء سبعة قرون نجد ابن خلدون الذي هو مؤسس ورائد علم الاجتماع كتب حول هذا الموضوع في مقدمته في القرن الرابع عشر الميلادي :

عندما تنهار الدول يكثر المنجمون والمتسولون والمنافقون والمدعون والكتبة والقوالون، والمغنون النشاز والشعراء النظامون، والمتصعلكون وضاربو المندل وقارعو الطبول والمتفيقهون، وقارئو الكف والطالع والنازل، والمتسيسون والمداحون والهجاءون وعابرو السبيل والانتهازيون.

تنكشف الأقنعة ويختلط ما لا يختلط، يضيع التقدير ويسوء التدبير وتختلط المعاني والكلام ويختلط الصدق بالكذب والجهاد بالقتل.

عندما تنهار الدول: يسود الرعب ويلوذ الناس بالطوائف، وتظهر العجائب وتعم الإشاعة.

يتحول الصديق إلى عدو، والعدو إلى صديق، ويعلو صوت الباطل، ويخفت صوت الحق، وتظهر على السطح وجوه مريبة وتختفي وجوه مؤنسة.

تشح الأحلام ويموت الأمل وتزداد غربة العاقل، وتضيع ملامح الوجوه. يصبح الانتماء إلى القبيلة أشد التصاقا، وإلى الاوطان ضربا من ضروب الهذيان. ويضيع صوت الحكماء في ضجيج الخطباء، والمزايدات على الانتماء، ومفهوم القومية والوطنية والعقيدة وأصول الدين، ويتقاذف أهل البيت الواحد التهم بالعمالة والخيانة، وتسري الإشاعات عن هروب كبير، وتحاك الدسائس والمؤامرات، وتكثر النصائح من القاصي والداني.

ما أشبه اليوم بالبارحة، فكل ما يمر بنا الآن قد وثقه ابن خلدون وغيره قبل قرون.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية