حدثوا الجزائر عني

حدثوا الجزائر عني
عبدالسلام القيسي

عبدالسلام القيسي يكتب: حدثوا الجزائر عني


قرأت كتاب “ألف ليلة” في صغري وكنت كلما تمعنت بالجزائر السبع في المروية تخطر ببالي جزائر التاريخ، شاهدت مسلسل ” طارق بن زياد ” وكانت الخريطة التي تعرض في المسلسل كلما أتى مشهد من هناك وعلى ورق البردي كلمة تعمم رسم لجبال الجزائر : الأوراس

كبرت قليلا، بدأت أبتعد عن السير الشعبية، لججت العمق التاريخي للبلدان، ومنها الجزائر، تكية العالم القديم، وكلما عدت للتأكد من صحة المعلومة قالت لي الكتب ” وجدت في الجزائر عظام بشرية من قبل مليوني عام ” كنت صغيرا بعمر أمريكا فقط ولم أستطع الإيمان بالتاريخ الذي يكبرني وأمريكا بمليون وثمانمائة سنة من الحياة فلما كبرت عرفت الحقيقة مجملة

في الجزائر حط طائر الفينيق، بنى عشه في أعلى الجبل، الطائر الذي طار من جبال الجزيرة وفر من صور ليهنأ بالأوراس، في الجزائر قال ” ماسينيسا ” كلمته وتوجته المدائن، مرت من الجزائر روما، وعاد يوليوس ليحكي لهم عظمة البلاد فقتلوه كيلا يهاجر شعب روما، في الجزائر نوميديا يا سادة، تأريخ مشكل من أبهة التراب ومن عظمة المارون بين الجزائر

غمزت المليحة للجميع، تصارعت بالجزائر الدول والإمبراطوريات، قرطاجنة وماسينيسا، الفينيق والوندال، روما وبيزنطة، الكاهنة في أرض الملاحة تبذر بالبخور حياة البلاد والعقبة يفقد روحه، والأمازيغ . يا لهم من قوم إن قالوا صدقوا وإن حاربوا فتحوا وإن فتحوا كانت الأندلس، كانت غرناطة، ففي الجزائر الغالبي تلى الإدريسي والإدريسي كان له قصة

الجزائر كسرت تاج اسبانيا، يمكنكم التمعن بالملك الذي رمى تاجه وأقسم، أقسم بعدما أن مرغت الجزائر جحافله بالدم أن لا أحد يستحق لبس التاج سوى الجزائر، سلوا “سرفانتس” كيف جن في الجزائر وعاد من هناك ليكتب من جنون البلاد المحاربة ” دون كيشوت ” وقبلما تولد أمريكا بقرن كان الأسطول الأول في العالم بالجزائر والأمريكي يدفع مائة ألف دولار جزية

هي دار الجهاد، منها مهد العربي بحر الله، وأمنت القارات شر الظلمات في بحر معتم بكثرة السفلة، مات بونابرت حالما بالجزائر وبقت هي شامخة كما الأوراس، لم ترضخ الجزائر كتلك الدويلات، كافحت بمليوني روح، الجزائري يا سادة أمام الواجب لا يقيم وزنا لروحه، قدمت الجزائر قرابينها لرب الجهاد، قالت بوجه الجيوش فلتحيا الجزائر وفازت، أنتصرت ككل مره وتراقصت جسور قسنطينة حتى الآن

الجزائر مدرسة النضال، قدمت الملايين في التحرير، مليوني شهيد سقطوا للتخلص الكلي من فرنسا وقدمت أبهى صورة في هذا العقد للسلمية رغم الربيع العربي الذي أحرق الشعوب في ليبيا اليمن سوريا فهي تعلم متى تسيل من أوردتها الدم ومتى تسيل الماء بالشوارع، لم تهرق كما نحن في الفوضى ماء الحياة ..،

أنا مجرد يمني، سافر عبر الكتب فقط، لم يستطع زيارة “وهران ” التي حلمت بها دهرا، فلي روح منذ قيل للخليقة أن تكن، روح ترافق الكبار في مسيرات التاريخ، فالفينيقي بعد أن أكمل بناء السفينة هرب وتركني، يريدها له وحده تلك البلاد، وعدت من صور مجتازا كل تلك الصحاري الى هذه الجبال، رجعت باكيا أشتم الرفيق الذي خانني وذهب وحده ..

في ” مليانة ” عبرت الأزقة المتوردة بالتاريخ، أقلني الأدريستي بنزهة المشتاق عبر نهر صغير الى المدينة التي ليست ككل المدن، مليانة لها امتلاء في الواقع واللغة، لم تدهشني وحدي، كل من مر من هناك، الأدريسي، ابن بطوطة، وكانت قِبلة كل المارون من هناك وقٌبلة، مليئة بالتاريخ تعطي العابرون ولا تنقص البتة

في قسنطينة، مدينه الصخر العتيق، والجسر المعلق بالسماء، عبرت من ضفة الى أخرى، فيها يطير الإنسان من الجبل الى الجبل، كلما قلت للكتاب أمامي هات قسنطينة صرخ بي غاضبا، الكتب تحدثني، صاح “سيرتا” أيها اليمني، يا من تجهل عراقتها القديمة، إنها سيرتا، وهي ذات الأياد السبعة، تمد بك الى كل قمة، على نغم الموسيقى تعبر القلل، عدت من هناك وقد حاكت لي قبعة من عروق الذهب، وهناك تعرفت على الكاتبة ” أحلام مستغانمي ”

لوهران كما شممتها رائحة الأندلس، ولعنابة لمعان الجوهر، وإليها ذهبت الحكايات للحصول على الزمرد، ثمنا لقوت القلوب التي أرادت مهرا لها الجواهر التي بحوزة مدينة سمها التاريخ الكرسي الملكي منذ الخليقة، ولعنابة شرابها المفضل، شرابنا اللذيذ، فيه دست دليلة المخدر لرأس الغول في حكايتها والزئبق، كان يعلم أنها تخدره لكنه المقدم حسن ومعه أحمد الدنف قالا لنا العناب وليكن ما يكن، خسرا مقدمية الشرطة وبغداد بعنابة ..

أما ” سطيف ” فالتاريخ لا يتحدث عنها، هي أقدم منه، ولد وقد شبت المدينة، وهي البلدة التي أنجبت الأمازيغ، الرجال الأحرار، ليست سطيف ما يمكننا التحدث عنه، نحن الذين جئنا الى هنا قبل ألاف السنوات فقط..

اذهبوا الى مقبرة الديناصورات، اسألوهن عن سطيف، متى بدأت، ولنذهب بسرعة نحو لؤلوة المغرب “تلمسان” مدينة الفن والتاريخ، واليانبيع يا سادة وقصر ” المشور” الشبه الوحيد إذ لا أربعون للعريف بغرناطة أو الحمراء سوى تلمسان التي تشبه قرطبة، تشبه دمشق، تشبه المدن في الأفلام الكرتونية المتحركة.

توقفت يا سادة، يا مواطن الحسد، الجزائر ولدت هكذا، أكبر في التاريخ والجغرافيا، أكثر ديمومة بالحضارات، لا تغضبن مني، لو قلت للجزائر صافرة العالم فما اخطأت، صفرت قبلما تكن وكانت ” قالمة، بليدة، باتنة، بسكرة، ورقلة، بجاية، سكيكدة، جيجل، خنشلة، ولي في الهوى الأوراس، منه رأى طارق بنات أندلس البيض، كن يحرثن الجنة، ولذريق يغتصبهن في الحقول فأمدهن بالمعونة والنصر.

وفي النهاية، إذ الجزائر تبدأ، أحرزت #كأس_العرب، سجلت القدمين بطريقة الجزائر وكأن من هدف هو الأوراس وحازت الكأس، فرح الجميع ووحدي لم أفرح، الفرح يأتي من الشعور بالحظ ولكنني أعرف الجزائر، ليست بالحظ، جزائرنا معجزة متواترة، كنت مؤمن بها قبلما يصفر ذلك الحكم بالنهاية أنها تفوز، الجزائر أنجبت ” لا لا فاطمة ” سجلت ” جميلة ” في مرمى فرنسا بالبارود والنار وهدف الشريف أيضا.

البلاد التي ذبحت الملايين كي تحيا الجزائر، أقسمت كي تبقى الجزائر بالساحقات الماحقات لن تخذلنا ولم تخذلنا في ملاعب الثورات، في ملعب الأدب إذ أحلام والأعرج، وفي ملعب أمة العرب قدمت أبهى صور الوفاء، في كل ملعب لها صولة، وجولة في الكرة، وفي العراق، وفي فلسطين، وفي قرطبة وفي مرسيليا، في العربية السعيدة حيث كلنا الجزائر، لم تجمعنا الكرة معكم، نحن واحد بكرة مدورة.

أردت أن ألج من الباب، باب البلاد الفسيحة؛ لأتحدث عن نصر اليوم، فلا يمكن لمثلي تعرق هوى الجزائر بي أن أكتبها كلمة وكفى، فلكل مقام مقال، قيل في الأثر ؛ ومقام الجزائر لدي كبير، وبقدر البلاد نمدد الحرف ولولا همتي في إستيعاب القارئ ما كتبت لما أنهيت مسودتي هذه حتى تطلق الجزائر صافرة النهاية.

اقرأ أيضاً: الجزائر يحرز بطولة كأس العرب بالفوز على تونس

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية