السلالية الخرافية سامرية متجددة

السلالية الخرافية سامرية متجددة
الشيخ علي المحثوثي

الشيخ علي المحثوثي يكتب عن: السلالية الخرافية سامرية متجددة


سامري بني إسرائيل شخصية ذكية (عابرة للتاريخ) عنده خارقة إدراك ليست عند غيره من قومه، تميز بالذكاء واستغلال الفرص واللباقة اللغوية وملكة الإقناع، لكنه وظف هذه المواهب في إعادة بني إسرائيل إلى الوثنية والخرافة، فعبدوا العجل وارتدوا عن دينهم بعد رؤية الحقيقة وسماع الحق، “قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي”.

ولأن التاريخ يتكرر مع اختلاف الصور، فقد ظهر في الأمة المسلمة من شابه السامري في أحواله، لكن مع مزيد خداع وحمق، فظهر السامريون في أنحاء الحياة يفسدون ويخربون ويعيدون الأمة إلى أمراضها الأولى التي حررهم الإسلام منها، وقد صدق في عودة هذه الظاهرة قول رسول الله (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة) إلا أن السامرية في الأمة المسلمة أعتى وأطغى فقد ثبتت ورسخت وكافحت حتى تحولت إلى واقع يحكم حال كثير من المسلمين تحت يافطات دينية متعددة، بينما سامري بني إسرائيل مكث قليلا ثم كان مصيره {قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا}.

ولأن السامري استغل الخارقة في إضلال بني إسرائيل، فقد اتخذ السامريون (السلاليون) المحسوبون على الإسلام ذريعة من الشعوذة وإغراق الناس بالحديث عن الكرامات الخارقة المرعبة والتي يتملك الولي المزعوم فيها بعض الملك الإلهي -كما يزعمون كذبا- فيخلق ويدبر ويرزق ويشافي ويضر وينفع، وكل ذلك تحت شعار: يعطي الله الولي من الكشف والإذن والخلق والبصر مالم يعط غيره، كقول السامري تماما {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ}.

ثم أوغلوا في استخدام الجن كخارقة لإرهاب المحيط الذي هم فيه، وتفاخروا بذلك وعرفه الناس عنهم، حتى قال القائل من الناس: السيد معه جن، بل دونته كتبهم كما في كتاب تاج الأعراس على مناقب القطب العطاس ٢/ ٥٦ – ٥٧ وفيه الحديث عن تملكهم للجن وضربهم لخصومهم بذلك، وهو وجه من وجوه استخدام السحر والكهانة، وما قصة استخدام الإمام أحمد يحيى حميد الدين للجن لتخويف معارضيه حتى لُقّب (أحمد يا جنّاه) بخافية.

وتعامل السلاليون الخرافيون مع كتاب السحر الأكبر (شمس المعارف) ككتاب علم ومعرفة، ودرسوه في أطر خاصة بينهم، بل مؤلفه عالم صوفي سلالي (أحمد بن علي البوني الجزائري الجفري القرشي). وهذه أمثلة ونماذج من واقع كبير كثير، ولايتسع مقال كهذا لكل مامكتوب ومعروف.

وعمد هؤلاء القوم لإعادة تسلط الجن بخرافاتها على الجهلة في المجتمعات المتخلفة، بينما جاء الإسلام لتحرير الناس من خرافات الجن وسلطتها على الجهلة من خلال السحر والشعوذة والكهانة والعرافة والأذى للخلق، وهذا المظاهر أزالها رسول الله بالتوحيد والتفريد ومحاربة السحر والكهانة، وقد بينت سورة الجن بعض أحوالهم واعترافاتهم {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا}، {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا}، وعادت الجن عن طريق هؤلاء من جديد.

وبتلك الخرافات وخوارق الشعوذة السامرية أعادوا فئاما من الأمة إلى الخرافة والوثنية، وصنعوا من أولياء الخرافة والدجل أصناما تُعبد من دون الله، وأقاموا لهم قبابا وقبورا وحوليات ضخمة لصناعة هالة تعظيم وتقديس واعتقاد حول أمواتهم
حتى سموا شيوخهم (بالشيخ المعتقد، وللناس فيه اعتقاد) بمعنى أن الناس يعتقدون فيه الضر والنفع والوساطة، فضلوا وأضلوا، وأكلوا وشربوا من وراء ذلك حتى قال قائل: “القبقبة للولي والفائدة للقيوم”.

ولأن السامري من الذكاء بمكان، فقد حاول أن يتملك بالخرافة قلوب بني إسرائيل، حتى رأوا في الخرافة دينا حقا وحقيقا، وصنع منهم مقاتلين لأجل (العجل) لما أنكر عليهم هارون ما وقعوا فيه من الشرك عزموا على قتله {قال ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي} ويتكرر هذا المشهد مع جماعة الخرافة، إذ يحوطون الخرافة بحالة من الجهلاء والسفهاء ورجال السلاح، وربما ضرب المعارضين والمنافسين بالسحر، فمن أنكر عليهم أو ناصحهم دخل مرحلة الخطر.

ونحن إذ نكتب مثل هذا، نبعثها حروف نصيحة وإرشاد للمغترين والمخدوعين أن يراجعوا فطرهم ويسائلوا عقولهم إن كان كان هناك منفذ للتفكير والإستقلال {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ }.