“أخدود” اليمن الجديد

“أخدود” اليمن الجديد
لطفي نعمان

تشاطرت الأطراف اليمنية “المتباعدة” والدولية “المتحدة” عميق الأسف على عدم انتهاء مشاورات السلام المنعقدة في مدينة بيال السويسرية برعاية أممية، إلى إنهاءٍ تام للمعاناة اليمنية، بعد مضي تسعة شهور على “احتراق” اليمن في “الأخدود” الجديد.

 
سرى الظنُ خلال الشهور التسعة بأنها مدة كافية لإنجاز اتفاق إطفاء “الأخدود” وردمه، على غرار مدة أزمات “اليمننة” السابقة، كتلك التي انتهت مساء 23 تشرين الثاني 2011م بتوقيع المبادرة الخليجية والآلية التنفيذية، ووثيقة حل القضية الجنوبية آخر ليل 23 كانون الأول 2013م، ثم وثيقة السلم والشراكة الوطنية مساء 21 أيلول 2014م.

 
المفاوضات الأخيرة 15 : 20 كانون الأول 2015م، تزامنت مع قرب مناسبة أعياد الميلاد الإسلامية والمسيحية، ولم تَلِدَ طياً ناجعاً ليمن 2015م، مع أن إعلاناً عن “هدنة مؤقتة ووقف إطلاق النار” سبق المفاوضات التي شرعت مع “خرق الهدنة” من جانبي القتال الداخلي والخارجي، ثم تبادل كل طرف مع الآخر اتهام “الخرق” وإفشال المحادثات ب”محاولة فرض واقع جديد” يلائم كل طرف على حِدة: أكان بضربات التحالف، أم استمرار المقاومة (كلٌ يرى نفسه “مقاومة وطنية”)، أو مناوشات حدودية ومناورات سياسية. وبكل الأسف والقلق من الخرق، مضت الأمم المتحدة على مذهب “لا يلم بعضكم على (الخرقِ) بعضاً، أيها القوم كلكم أبرياءُ” وصار تعاطيها الدبلوماسي موضع لوم الأطراف اليمنية وغير اليمنية ممن يعدّ موقفها تهاوناً إزاء حقوق الإنسان وتراخياً أمام مدانين. ويتهمها الجميع بالتواطؤ مع الطرف الآخر والتغطية عليه، متناسياً إمكانيتها المحدودة كوسيط حريص على عدم إضاعة فرص نجاح مهمته ومن ثم َّإضافة مكاسب سياسية إلى رصيده وإن باغتته عواصف ورافقته خروقات.

 
الأنواء والأجواء اليمنية والحدود السعودية لم تكن وحدها ميدان “الخرق” المشترك، فالمحادثات “اليمنية” اعترضتها “طوابير” سياسية ووسائل إعلام ومواقع تواصل الأطراف “المتنافرة”، مُحرِقةً في “الأخدود” الضوابط الموضوعة لسيرِ المحادثات، فكثرت التقولات والشائعات ونُسِبت مواقف ولُفِّقت تصريحات لا تخدم السلام البتة، إذ استفزت مشاعر الأتباع والمتابعين، وألهب النعرات بينهم ما تبعثر مِن الأراجيف التي تخطاها بيان المبعوث الأممي إسماعيل ولد الشيخ أحمد وإحاطته لمجلس الأمن الدولي، متجاوزاً مَن حاولوا توجيهه لصوغ تقريره بما يريدونه ويتوقعونه هم، لا ما رآه هو كميسر للمحادثات (…)!

 
أكد المبعوث الأممي أن الجانبين اليمنيين “أحرزا تقدماً جدياً” عبر: تقرير تشكيل لجنة عسكرية (توفر مجال نشاط جديد لمستشار أممي عسكري). تمرير المساعدات الإنسانية للمحافظات المتضررة، منها “تعز”، كما تم “اتفاق على عقد اتفاق” أثناء محادثات، منتصف كانون الثاني 2016م، بمدينة أخرى (هكذا تحظى الأزمة السياسية اليمنية -بممثلي أطرافها- بجولة سياحية تجوب قارات العالم). إضافةً إلى تصوير رؤساء الوفود يتصافحون.. دون صفحٍ نفسي!

 
من البيِّنِ أن عملية ردم “أخدود اليمن الجديد” تجري وفق بديهيات متفق عليها يمنياً وإقليمياً ودولياً، نصّ عليها القرار الأممي 2216 وغيره من المرجعيات (الكثيرة!) المتوافق عليها بين الأطراف و”الأضداد” العائدين إلى ضفافهم المطلة على “الأخدود” بخلاف آمال وتصورات ووعود مسبقة بأنهم ذاهبون لاتفاق على ردمه قريباً: “وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَٰكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا” الأنفال، آية 42. وبديهي أن إرجاء وقف القتال لا يلغي حتمية انتهاء الحرب للمضي إلى مستقبل اليمن الأفضل وتجاوز عوائق السير إليه، أكانت العوائق “شخوصاً” أو “نصوصاً” مهدت شق “أخدود” يحترق فيه اليمنيون الأبرياء –وحدهم- بسبب تفكير سلبي سائد منذ القدم: “يا ضِدي كُن معي (…)”.

 
تأجيل إنهاء الحرب يثير التساؤل عن سُبُل تحديد أوان ردم “الأخدود” وإحباط مساعي السلام. من بعد التدابير الإلهية بالطبع، تتضح بصمات المؤثرين الحقيقيين على أمورٍ لا تحددها وفودُ تصوير وبعثاتُ تشويش تحمل صكوكَ وطنيةٍ يهبها كلٌ لنفسه متغافلاً عن جلاء موقعه وصراحة تبعيته (…). فالقتال لا يوقفُه ذهابُ وفدٍ وَقَد “مُنِح كل صلاحيات التوصل إلى سلام” بينما أيسر ما يكون على “مانحي الصلاحيات” نزعها (…).

 
وأسبابُ وقف إطلاق النار، ليست المآسي الإنسانية ومنغصات حياة المواطنين، وخسائر مادية واقتصادية وأضرار صحية، وعدد القتلى الأطفال ظلماً وعدواناً، والأرامل والثك إلى واليتامى، بسبب حرب الكبار وأطماعهم.

 
كما لا يردم “الأخدود” اليمني سريعاً حرارة جهود الأمم المتحدة، وبرود تفاعل الجامعة العربية.

 
إن إنهاء المأساة، من بعد أمر الله، بيد مَن يكترثون لأرباح الحرب ويتجاهلون خسائره البشرية، وللإنصاف، نقول: يتباكون على ضحاياه (…). فبأولئك “مأساتنا طالت وليست تبرحُ” حسب الأديب اليمني صالح السلفي. أولئك الذين لم يتعبوا بعد، وإن تعب البسطاء. ولم يكتفوا بعد، من حاجة الناس جميعاً إلى كفِّ هدرِ الدماء وهدمِ البناء. فمن أصغر “مقاول حرب” إلى أكبر “أمير حرب” دائماً متى امتلأت جيوبهم، توقفت حروبهم.. مؤقتاً.

 

 

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية