يمن.. إقليمان.. أقاليم.. تفتت

يمن.. إقليمان.. أقاليم.. تفتت
مصطفى أحمد النعمان

لم يبق مجال للمداراة والتلاعب بالألفاظ للحديث عن الوضع الكارثي بكل المقاييس الذي وصلت إليه اليمن. حكومة تمثل الشرعية تخلّت عن مسؤوليتها الأخلاقية والوطنية مكتفية بالتصريحات والسفريات وغير قادرة على ممارسة أي من مهامها. سلطة انقلاب فشلت في إظهار أي قدر من الإنسانية أو الإمكانات أو الإدارية للتعامل مع العاصمة الجامعة والمناطق التي تسيطر عليها لأنها تنطلق من فكرة الشك بالغير وعدم الثقة إلا بالأتباع وهم أيضاً بلا خبرة ولا رؤية تمكّنهم من إدارة البلاد. هناك أيضاً قوى محلية مسلحة نشأت في فترة الحرب تمارس نفوذها على الأرض ولا تعترف بالمواطنة المتساوية. أخيراً أغلبية ساحقة من المواطنين لا يثقون بأي من هذه المكونات.

 

ألقى أنصار الله – الحوثيون لقلة تجربتهم وتعصّبهم المذهبي وأنانيتهم اليمن كلها في حلبة صراع مدمّرة من العنف وحطموا مفاهيم الحكم والإدارة، وتبارى معهم سياسيون وأحزاب دافعهم اللهث وراء السلطة والحكم ولا يمتلكون أي رؤية وطنية يلتف حولها الناس فأصبح المشهد اليمني ساحة تتصارع فوقها القوى اليمنية التي تحمل السلاح على جسد مريض امتلأ بالعلل وأصابه الوهن ولم يعد يمتلك من أمره شيئاً سوى مُعجزة قل حدوثها في هذا العصر لتبعد عنه هذه الوحوش التي تنهش جسده المنهك وتصب عليه حمم القذائف من كل حدب وصوب.

 

لم يعد اليمنيون يمتلكون وقتاً يقضونه في ترف إعادة البحث عن الأسباب التي دمّرت كل مناعتهم ومزّقت أواصرهم الاجتماعية والمناطقية فهي واضحة ولا تحتاج إلى تفسير ولا تبرير. بلغ الأمر مداه في تشرّد الكثيرين خارج وداخل الوطن وانتهاك الحرمات وقتل النفس التي حرّم الله، ومسار كهذا مآلاته واضحة. بدلاً عن اللهث وراء السراب يجب على من يمسكون بعناصر القوة والمال أن يعلموا أنهم سيدفعون أثماناً غالية لعل أبخسها العيش في منفى داخلي أو خارجي كل حسب قدراته واستعداده النفسي.

 

إن كل لحظة قاسية تمر على اليمنيين وهم يتابعون مشاهد القتل والاحتراب تزيد من انتقاص آدمية المواطن وستتنامى الكراهية داخل المجتمع المنقسم نفسياً وسيكون اليمن بلداً يعيش أهله عالة على المجتمعات الأخرى هذا إن أبدت تعاطفاً معه. في خضم هذا الصراع المدمّر يدور جدل حول المخارج المتاحة من هذه المحنة.

 

فريق “الشرعية” ينطلق من فكرة أحقيته في استعادة الحكم كاملاً ثم البحث في كل القضايا التي كانت مبرراً لانقلاب الذي قامت به جماعة أنصار الله – الحوثيون. لكنه يتجاهل أنه لم يعد يمتلك سلطة على أرض الواقع أكثر مما تجود به القوى المحلية الجديدة عليه، من السخرية أنها تريد إقامة احتفالات لتبرهن أنها لا تحس بأن كل بيت يمني صار مساحة للدموع والأحزان.

 

فريق “الانقلاب” يتصوّر أنه فرض واقعاً يمنحه فرصة حصة حكم تتناسب مع قوته العسكرية، ولا يعترف بأن الشراكة الوطنية الحقيقية لا تستقيم ولا تكون مستدامة دون اعتراف بأهلية الآخرين وحقوقهم، ويفضّلون على ذلك التمسّك بمفاهيمهم المذهبية التي لا يمكن القبول بها في عصر تجاوزها ولم يعد ممكناً ولا مقبولاً فرضها على الآخرين بالقوة.

 

هاذان الطرفان بابتعادهما عن مصالح الناس وانتفاء روح المسؤولية الأخلاقية عنهما أوصلا الأوضاع إلى مرحلة صارت الخيارات فيها شحيحة.

 

هناك حديث حول قيام يمن اتحادي متعدّد الأقاليم بحسب ما تم فرضه على المشاركين في لقاءات “موفينبيك صنعاء” بدون دراسات اقتصادية وفنية ولابد أن الذين فرضوه يعضّون أصابع الندم على تسرّعهم ولعلنا نتذكر الصور التي شاهدناها عند التوقيع على وثيقة التقسيم ودلّت على الأسلوب الذي مرّرت به ومن العجب أنها قسّمت الجنوب إلى إقليمين وفي الشمال تم التعامل معه بدون إدراك لتبعات الأمر وبدون قناعة عدد من الأحزاب التي وقّعت عليه.

 

حديث آخر يقول بأن اليمن يجب تقسيمه إلى إقليمين يعيدان الخطوط الجغرافية إلى ما كانت عليه إلى ٢١ مايو ١٩٩٠عشية الوحدة اليمنية، وهذا الرأي يستجيب لرغبة أغلبية جنوبية كان منطلقها إحساس بالغبن والحنق لما أصابهم من تهميش بعد الوحدة وخصوصاً بعد ما يعرف بحرب ١٩٩٤، والتي كان عدد من الجنوبيين مشاركين بها. هنا يجب الاعتراف بأحقية الجنوبيين في اتخاذ الموقف الذي يرغبون به شريطة أن يتم بالتفاهم مع الجزء الثاني من اليمن لأن مثل هذا القرار لا يمكن اتخاذه أحادياً خصوصاً إذا ما كانت أغلب المواقع الرئيسية في الدولة من الجنوبيين على رأسهم الرئيس الحالي ورئيس حكومته وأغلب وزراء الحكومة التي تعمل تحت مسمى اليمن الموحّد وتلتحف الشرعية رداءً لنشاطاتها.

 

موقف ثالث يتبنى تقسيم اليمن إلى ثلاثة أقاليم (شمال وجنوب ووسط). هذا التوجّه الذي يطالب به جزء كبير من أبناء تعز واب مبني على مرارة تاريخية تفاقمت أحزانهم بعدها خلال العامين الماضيين باقتحام مدنهم من قبل ميليشيات الحوثي وعدد من المعسكرات المتواجدة هناك وتسبّبت هذه الحرب بجراح مذهبية غائرة بلغت آثارها داخل الأسرة الواحدة وجعلت التناحر شعاراً لمعاركهم ولا أرى كيف يمكن استعادة سلم اجتماعي عاشته لقرون بعد ما شاهد الجميع آثار الدمار وسيل الدماء.

 

للأسف فإن المشهد الذي أراه أمامي مختلف تماماً لأن الحرب أفرزت مناطق نفوذ لقادة حرب أكثروا من دماء الناس وعبثوا بهم. هؤلاء لا يريدون للحرب أن تقف لأن ذلك سيحرمهم من نفوذ شكّلوه عنوة فتمزّقت مدن وصارت مربعات تديرها ميليشياتهم دون التفات إلى معاناة الناس وأحزانهم.

 

اليمن بلد يتفتت أمام أعين الجميع واستمرار الحرب يحجب أي فرصة لتدارك الأمر وحان لها أن تتوقف فوراً وإلا فما نراه في سوريا والعراق سيكون مشهداً تتكرّر تفاصيله في اليمن.

غير مصنف

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية