لمَ أنتم متفاجئون هكذا؟

لمَ أنتم متفاجئون هكذا؟
محمود ياسين

هذا أمر ليس فيه اي غرابة ولا مدعاة للدهشة، الغرابة ان صراع الجماعات المسلحة في مناطق تعز والجنوب في اليمن لم ينفجر إلا متأخرا. هل تعتقد حقا ان التجول بين فنادق الخليج وزيارة عدن من آن لآخر مع وعد بصرف المرتبات هو دولة ؟ وبالتالي يمكننا الاندهاش من صراع جماعات في مناطق الدولة الشرعية، الشرعية تكفي بالكاد لاستلاب الوجود الانقلابي وانكاره اكثر، ولا يمكن للمسمى الشرعي المغطى باموال الخليج وطائراته ملأ المساحات المكتظة بالجماعات والمغامرين، بقيمة دستورية ووعد بدولة تتخلق بين المنافي وتتنازعها نخب هاربة متناقضة.

البديهيات يلتقطها قارئ للتاريخ، لا يجد عناء في فهم ما بعد انهيار الدولة ولا يندهش ازاء تكون جماعات مسلحة تقاتل في البدء خصما مشتركا ثم تقتتل فيما بينها، ولربما تكون المفاجأة فقط في التوقيت، وهو انه في الغالب ما تتقاتل جماعات المقاومة المسلحة لاحقا بعد التخلص من العدو الذي استدعى نشأتها ووجودها، وهي المرحلة التقليدية المعروفة عن صراع فرقاء لم يعد يجمعهم خصم واحد، في تجربتنا هذه بدأ صراع الجماعات المسلحة على ماضي الانقسامات والجذور ومغانم تعويضات وهبات التدخل، المواجهات على ضغائن متعددة بينما لا يزال الخصم المتوحد هو ذاته الذي استدعي نشوء التكوينات المسلحة كشكل من المقاومته، ربما انهم فقط لم يعودوا بحاجة لهذا الخصم كسبب، اذ وجدوا أسبابهم الجذرية والاكثر تعبيرا عن نزعتهم للوجود وليس القتال فحسب.

العصابة هنا وبالمقابل ليست دولة، هي فقط عصابة اكثر انضباطا ومتماسكة على ثنائية ما تبقى من فكرة الدولة العميقة وطموح دولة الحق الالهي، وسيقتتلون ايضا، لكنهم اكثر وعيا بالضرورة التي تبقيهم معا ازاء فرقاء لا يتطلب دفعهم للاقتتال فيما بينهم لمؤامرة ولا لمخبرين تم زرع بعض منهم في جماعة أو اخرى، ذلك أن الاقتتال بين كل الجماعات اليمنية هو النتيجة الرياضية لانهيار الدولة والفراغ الذي خلفته، وبقاء فكرة الشرعية دولة منفى تبحث عن حقها بوثيقة شرعية ولا تجد مربعا صغيرا تجلس عليه أو تبدأ منه على الارض التي تقول أنها تحت سيادتها.

كنت لأنهي مقاربتي هذه بذلك العرض الوطني المتفائل، وكيف ان اليمن اقوى من هذه القوى كلها، وهذا ما اومن به حقا، غير أننا تخطينا مرحلة الرهان على معجزة روح اليمن التي ستنهض يوما، إلى مرحلة انه امسى علينا فعل شيء اخر وتكوين قوة بمعزل عن خيارات هذه القوى، فلربما نجد يوما بعضا من قوة يد نمدها لبلادنا لتنهض بنا وليس بمعجزة روحها الأبدية.