إيقاف الحرب هدفٌ جامعٌ لكل اليمنيين

إيقاف الحرب هدفٌ جامعٌ لكل اليمنيين
أحمد قائد الصايدي

لقي النداء الموجه إلى الدول الممسكة بقرار إيقاف الحرب في اليمن، لقي ترحيباً غير متوقع، وحماساً دفع بالكثيرين لا إلى إضافة أسمائهم إلى قائمة المشاركين في النداء فحسب، بل واعتبروه نداءهم، وهو نداؤهم فعلاً، وجندوا أنفسهم لنشره على نطاق واسع، داخل اليمن وخارجه، وأخذوا يجمعون أسماء الراغبين بالمشاركة فيه. وبعضهم تصدى بقلمه لمن تسرعوا في مهاجمة النداء، من مؤيدي الطرفين المتقاتلين، الذين إما لم يتمعنوا في معنى النداء ومغزاه، أو تجاهلوا كوارث الحرب وضرورة إيقافها. ولأننا نؤمن بأن الحسم والإنتصار في هذه الحرب المشؤومة وهم كبير، فإن التحرك لإيقافها هو إنقاذ لليمن كله ولليمنيين جميعهم. إذ من يمكنه أن يدَّعي الإنتصار، بعد أن يكون بلده قد دمر وشعبه قد مزق، وخيرة شبابه، في كلا الجبهتين المتواجهتين، قد قتل؟
نداء إيقاف الحرب، نداء يخاطب من يمولون الحرب ويستثمرونها ويتحكمون فيها ويمتلكون قرار إيقافها. هذا من الناحية الشكلية. أما من ناحية المضمون، فمضمون النداء يهدف إلى توحيد اليمنيين، بمن فيهم المتقاتلون، توحيدهم حول قضية محورية، وهي إيقاف القتل والتدمير والتجويع، والعودة إلى دائرة البحث عن حلول سلمية، تخرجنا من المحنة التي حلت بنا وكادت أن تمزق نسيجنا الإجتماعي وأسلمتنا أرضاً وبشراً للإرادة الإقليمية والدولية.
ولأن الغرض من النداء هو حشد اليمنيين حول هدف لايختلفون عليه، فقد تحاشى الدخول في تفاصيل الحل السياسي ومرجعياته. تاركاً هذا الأمر إلى طاولة المفاوضات ومبادرات المكونات السياسية اليمنية ودول الجوار والمجتمع الدولي. لأن الدخول في التفاصيل سينسف الهدف الجامع، وهو (إيقاف الحرب)، ويجعلنا نواصل الدوران في متاهات الفعل ورد الفعل، الإتهامات والإتهامات المضادة، وحتى الشتائم والشتائم المعاكسة، التي سمح البعض لنفسه الولوج فيها، مع الأسف الشديد.
فقد أخذ البعض، من مؤيدي الجبهتين المتقاتلين، يكيل الإتهامات ويثير الشبهات، حول النداء ومضمونه ودوافعه، بل ولم يتورع عن مهاجمة هذا والإساءة إلى ذاك، بصورة شخصية لا مبرر لها. وكأنه يهدف من وراء ذلك إلى خلق حالة من الإرتباك عند من شاركوا في النداء وعملوا على توسيع دائرة المشاركين فيه، المنشدِّين إلى هدفه النبيل. كما يهدف في الوقت نفسه إلى إيجاد حالة من الخوف والتردد عند من لم يشاركوا بعد، لمنعهم من المشاركة. دون أن يطرح هذا البعض بديلاً عقلانياً لكيفية الخروج من المحنة، التي حلت باليمن. فإيقاف الحرب في نظره، كما دلت على ذلك بعض الردود والتعليقات المنفعلة، القادمة من مؤيدي الطرفين المتجابهين، سيحرم الطرف الذي يؤيده من تحقيق النصر العسكري الوشيك. لذا يجب أن تستمر الحرب حتى يتم إلحاق الهزيمة العسكرية بالطرف الآخر، ويرفع المهزوم الراية البيضاء.
هذا المنطق، أي عدم إيقاف الحرب إلا بعد تحقيق الحسم العسكري المنتظر، إن صح أن نسميه منطقاً، كان يمكن تقبله خلال الأسابيع الأولى من الحرب. أما بعد عامين من دوران عجلة الموت والتدمير والتجويع، التي دهست كل اليمنيين، مع تشبث كل طرف بوهم الحسم العسكري، الذي لم تظهر بوادر حقيقية تؤكد حدوثه قريباً، أما بعد هذا كله فإن الوقوف ضد نداءٍ يهدف إلى إيقاف عجلة الموت المجنونة هذه عن الدوران، أمر يتجاوز حدود العقل والحس الآدمي السليم. وكأن العراق وسوريا وليبيا، ومن قبلها الصومال، لا تقدم دروساً كافية لليمنيين، تقنعهم بالجنوح إلى السلم، والتعجيل في إيجاد مخرج من الحرب، قبل أن يصبح هذا الأمر مستحيلاً.
قد يقول قائل: كلنا ضد الحرب، ولا داعي للمزايدات. خيراً، هذا شيء جميل. نحن حقاً لا نريد مزايدات ولا مناقصات. لكننا نتساءل: ماهو الحل في نظركم؟ هل تريدون من نداءٍ دافعه الرغبة في جمع اليمنيين حول هدف مشترك، ليتقاربوا بعد تباعد، ويتآلفوا بعد تمزق، ويفتحوا باباً للحل السلمي، بعد أن بدت كل الأبواب موصدة، هل تريدون من نداءٍ كهذا أن يضع شروطاً يرفضها هذا الطرف، من أطراف القتال، أو يرفضها الطرف الآخر؟ أم أن الصواب هو إقناع الجميع بإيقاف عجلة الموت أولاً، وإيجاد موقف إقليمي ودولي إيجابي، ورأي شعبي عام ضاغط، يجبر الأطراف المتقاتلة على التوجه، بنية صادقة، إلى الحوار السلمي، الذي يؤسس لبناء دولة اليمنيين جميعهم: الدولة التي لا ينفرد فيها مكون بالسلطة والثروة، ولا يُقصى فيها أحد، ولا يتوهم أي مكون بأن في إمكانه مصادرة السلطة والثروة بقوة السلاح. الدولة التي تفصل بين سلطاتها الثلاث (التشريعية والقضائية والتنفيذية)، ولا تبقيها ملحقة بالسلطة التنفيذية، كما تفصل بين السلطة والثروة، ولا تسمح بأن تبقى الثروة الوطنية مغنماً للحكام والمتنفذين. دولة يكون السلاح فيها بيد المؤسسة العسكرية الرسمية وحدها، ويصبح صندوق الإنتخابات، هو الطريق الوحيد للوصول إلى السلطة، وتصبح البرامج السياسية للأحزاب المختلفة، وتقبُّل المواطنين لها، تصبح هي الفيصل، لا الرصاص والقذائف والجنوح إلى العنف المسلح.
كيف ستكون ردود الفعل تجاه نداء وطني عام، يهدف إلى جمع اليمنيين كلهم لإيقاف الحرب والإتجاه إلى الحل السلمي، كيف ستكون ردود الفعل تجاهه إذا تضمن عبارات ينفر منها أحد طرفي الحرب، أو كلاهما؟ سيبدو الأمر حينها وكأن هدف النداء هو الدفع بعجلة الحرب نحو الأمام. فعندما تضع نصاً هدفه حث الجميع إلى التوجه نحو الخيار السلمي، ثم تضمِّنه هجوماً على هذا وإدانةً لذاك، أو حتى تضمِّنه ما يُشتم منه إنحيازاً لطرف ما، فأنت في الحقيقة لاتساهم في تهدئة النفوس، بل في إثارتها. وتهدئة النفوس أصعب بما لا يقاس من تهدئة البنادق والمدافع. لأن النفوس المتَّقدة هي التي تمسك بالبندقية والمدفع. وإذا ما تركَتْهما، فسوف يخرسان لا محالة. ولعل ما بدر، بعد نشر النداء، من ردود فعل سلبية، من قبل بعض مؤيدي الطرفين المتقاتلين، لا من قبل مؤيدي طرف واحد فقط، لعله دليل كافٍ على أن النداء يعبر عن الموقف الصحيح. وعلينا جميعاً أن نستمر فيه حتى ننجح في مسعانا، أو ينجح البعض في إفشالنا. والله المستعان.
اللهم أغث اليمنيين وفرج كربتهم وأقل عثرتهم وأزل محنتهم وآخ بينهم ولم شتاتهم واشملهم بلطفك وعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين. واهدنا جميعاً إلى سواء السبيل.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية