الدستور.. بين التوافق والأغلبية

هائل سلام

بشكل عام: الدستور عقد إجتماعي، والعقد بطبيعته رضائي، يقوم على مبدأ الإختيار وحرية الإرادة. وأي إكراه، بل وأي عيب، يشوب الرضى، يعيب العقد ويفسده. ولذلك فالأهمية في الإستفتاءات على الدساتير تنعقد للتوافق أكثر مما تنعقد على الأغلبية.

فلا معنى للقول بالأغلبية مهما بلغت نسبتها طالما كانت الأغلبية لاتمثل توافق الأحزاب أو الطوائف أوالشرائح أوالفئات أو الطبقات أو المناطق أو الجهات المكونة للمجتمع، أطراف العقد. ففي مجتمع مكون من طائفتين أو فئتين ( تمثل أحداهما 85% والأخرى 15% من مجموع السكان مثلا) لامعنى للقول بأن التصويت على الدستور بنعم قد تم بنسبة 80% اذا ماكانت تلك النسبة تمثل أصوات الفئة الأولى وحدها، وإلا كانت هذه الفئة تتعاقد مع نفسها.

الدستور وثيقة شعبية، إجتماعية، سياسبة، مؤسسة وتأسيسية، وأهميتها بالنسبة للدولة كأهمية العمود بالنسبة للخيمة.

ولذا فإقرار الدستور أصلا أو تعديلا، يتطلب توافق سياسي وإجتماعي وشعبي واسع الطيف ونسبة تصويت ” إيجابية ” معتيرة، الى أقصى حد ممكن.

والمقارنة بين نسبة تصويت بنعم في إستفتاء دستوري وبين نسبة فوز مرشح في إنتخابات رئاسية أو نيابية، مقارنة خاطئة لاتستقيم على منطق، كونها مقارنة بين أمرين مختلفين لكل منهما طبيعته الخاصة، إذ تغدو مقارنة بين ثابت تأسيسي ومتغير تنفيذي. ولأن الدساتير وثائق توافقية في الأساس، فلا فائز في إستفتاء على دستور أو على تعديل دستوري.

والزهو بتصوير ذلك على أنه فوزا لحزب ما – كما لو أنه فوزا في إنتخابات – هو أمر يلغم الدستور وينسف العملية الدستورية من الأساس. ولأن الدستور وثيقة تعاقدية شعبية وإجتماعية عامة ورضائية أساسا، فيوم إقرار الدستور، هو اليوم الوطني في كثير من الدول.

والإحتفاء والإحتفال باستفتاء دستوري – أصلا أو تعديلا – من قبل مكون سياسي مخصوص، بحسبانه نجاحا له دونا عن سائر المكونات، أمر يتخالف جذريا مع أسس صناعة الدساتير.وأمر كهذا ليس من شأنه أن يؤسس إلا لتعايش بلاثقة ولمواجهة بلا ضوابط.

من صفحة الكاتب