تكوين الإنسان المقهور في اليمن (التنشئة الاجتماعية الجديدة) – قراءة سوسيولوجية

  

بلال الصعفاني يكتب: تكوين الإنسان المقهور في اليمن (التنشئة الاجتماعية الجديدة) – قراءة سوسيولوجية


تحدثت في المقال السابق عن العدوى الاجتماعية التي أصابت المجتمع اليمني، وفي الحقيقة تلك معضلة ومرض عارض نتيجة للعوامل المؤثرة والمحيطة بالإنسان اليمني، قد يزول مفعولها بزوال المؤثر.
ولكن هنالك أمراض اجتماعية أكثر فتكًا وتأثيرًا واستلابًا للعقلية اليمنية، وهي العائق الفعلي لاستعادة طابع المجموع اليمني (ثقافته، تفكيره، معتقده، سياسته، عرفه، تقاليده، تفاعله مع الآخر، حتى إيمانه بنفسه وأمته وجمهوريته).
منذ أن سقطت بعض مؤسسات الدولة، وهوية المجتمع اليمني يتم تجريفها عبر ما يمكن تسميتها بـ “التنشئة الاجتماعية الجديدة” التي لم ندركها مبكرا، بالرغم أن البعض مازال يقلل من مخاطرها وقدراتها في طمس الهوية!
يلتصق مصطلح التنشئة الاجتماعية بالأطفال في فلسفات أفلاطون، وابن خلدون، والغزالي، وابن سينا بالإضافة إلى جان روسو، وذلك لأنهم أكثر الفئات تقبلا للآراء والأفكار والمعتقدات الجديدة، دون إخضاعها للتقييم الذاتي، كذلك غياب التفكير النقدي والموضوعي لديهم.
ولكن يعتبر مفهوم التنشئة أكثر شمولية في علوم الاجتماع والنفس الحديثة ليتعدى كل مراحل العمر، وقد قدم البحث العلمي الحديث دلائل على أن الناس يتشكلون من خلال التأثيرات الاجتماعية إضافة إلى الجينات.
لقد انتشر المصطلح كثيرا بعد الحرب العالمية الثانية، خصوصا إبان نظرية تالكوت بارسونز فيما يتعلق بالفعل الإرادي، وهذا ما أؤمن أنه لم يعد متاحًا في اليمن بفعل ما يجري من تغيير ممنهج وسأتناول الأمر بالتفصيل لاحقا.
تولي المليشيات والجماعات المتطرفة هذا الجانب جل اهتمامها، بل أصبح شغلها الشاغل إيجاد وسائل جديدة، ودراسة سيكولوجية الافراد ممن يراد استهدافهم، حيث تشمل التنشئة الاجتماعية فروعا كثيرة مثل التنشئة السياسية، والتنشئة السلالية، والعقائدية، وغيرها.
وتهدف هذه الجماعات سواء كانت في شمال اليمن أو جنوبها إلى إعادة تكوين خصائص الإنسان اليمني وإيجاد الأليات المناسبة للتكيف معها، أو إنشائها من الصفر خصوصا لفئة القاصرين (عمرًا، فكرًا، أو ثقافتًا) بحيث تصبح هوية وطابعا لهم.
كما تحّول هذه الجماعات الإنسان اليمني من كائن بيولوجي يؤمن بإرثه الضارب جذوره في عمق التاريخ، ومن إنسان يعيش حياة الكرامة والأنفة المعتز بقوميته اليمنية، إلى إنسان بيولوجي تدب في روحه تقديس الخرافة والسلالة، هكذا يعرف أميل دور كايم التنشئة الاجتماعية “الممنهجة” حيث تستبدل الجانب البيولوجي بأبعاد ثقافية واجتماعية جديدة لتصبح هي الموجهات الأساسية لسلوك الفرد الذي سيكون وقودًا يحترق ليبقى وهج هذه المليشيات.
ولم يكن للتنشئة الاجتماعية قالب أو نمط واحد جامد وإنما تعددت أنماطها ووسائلها ويرجع ذلك إلى أنها عملية تتأثر بالكثير من العوامل كالخلفية الثقافية للمجتمع وبيئته السائدة ونوعها (بدو، ريف، حضر)، ولا ننسى العوامل الأسرية، وأوضاعها الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، وقدر ما تمتلكه من أفراد، واتجاهات الوالدين في التربية والتنشئة.
وتستقطب هذه الجماعات الأطفال بشكل رئيسي تطبيقا لفلسفات علم الاجتماع، كذلك كلًا من الفقراء، والعاجزين عن التأقلم مع الوضع السياسي في العقد الأخير، والمنبوذين، والأقليات، والمراهقين، والملونين، ويضيف إلى ذلك فيلسوف الأخلاق الأمريكي إيرك هوفر فئات مرتكبي المعاصي وشديدي الطموح، والمفرطين في الأنانية، إضافة إلى الواقعين تحت عادات الرذيلة لأي تكتل قائم على العنصرية!
لا يدرك البعض أن جيلًا كاملًا وهو ذلك الذي بدأ الاستيعاب أواخر العام 2014، يحمل ألغاماً عقائدية وفكرية كفيلة بتدمير مستقبل اليمن لثلاثة عقود متوالية، إضافة إلى نقل العدوى والتأثير السيئ للأجيال التالية، فقد نشأ الطفل اليمني على ثقافة العنف والغوغائية السياسية والعقائدية، وتردي الحياة الكريمة، ولا ننسى أنه تشبع بسمات ما أسماه د. مصطفى حجازي بسيكولوجية الإنسان المقهور، وهو ذلك القهر الذي وراءه تخلف مجتمع العالم الثالث، والذي يحجب المجتمعات عن أي خطوة للأمام.
فيذهب حجازي إلى أن علاقة القمع -لكي تستمر- قطعا تحتاج إلى ما يُغذِّي نرجسية “السيد”. وبالتنشئة أو تلاشي احتمالية التكافؤ بينه وبين من يقهره، تزيد القوة والقدرة على العنف والتعسّف كذلك قدرة الفكرة والجماعة الدخيلة على البقاء، لتتفاقم نظرة المتسلط للمستضعف إلى نظرة الدونية والاحتقار.
وإن حالة التردي الاقتصادي والفكري والاجتماعي الحاصل في اليمن يعتبر الغاية والوسيلة الوحيدة التي تجعل من المجتمع المقهور قابلاً لإعادة التنشئة، إضافة إلى إصابته بالامراض المجتمعية أقلها العدوى الاجتماعية.
وهو ما تثبته نظرية استاذ علم الاجتماع في جامعة هارفارد تالكوت بارسونز الخاصة بالسلوك والتنشئة، حيث تعتمد حياة الفرد المستهدف سواء كان طفلاً أو راشداً، على التقليد والمحاكاة والتوحد مع الأنماط العقلية والعاطفية والأخلاقية والمهارات الاجتماعية التي تمكنه من أن يتكامل مع البيئة الجديدة، ويسلك سلوكا تكيفيًا معها، أو قمعه ليكتسب أدواراً وسلوكات واتجاهات بما تشمل عليه من ضغوط وما تفرض عليه من واجبات، حتى يعرف كيف يلتزم بها، وقد تبدأ الرحلة من الميلاد داخل الأسرة وتستمر في المدرسة وتتأثر أخيرًا بشكل مباشر بهذه الجماعات.
وهناك أشكال عديدة للتنشئة سواء السلبية أو الإيجابية، حيث تنقسم إلى التنشئة المقصودة واللامقصودة، وتختزل المقصودة في المؤسسات والمنظمات الموجودة في المجتمع، والتي تكون على احتكاك وتماس مباشر مع الفرد اليمني مثل، منظمات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية التي يجري تدميرها في اليمن، ودور العبادة التي تم ترسيخ ثقافة التمييز الطائفي فيها كذلك الدورات والمعسكرات التأهيلية، وأهم من ذلك التنشئة اللامقصودة وتتمثل في وسائل الإعلام، وتوجهات حكومات الأمر الواقع ومؤسساتها، أو المليشيا وأدواتها.
وتعد مؤسسسات الإعلام المختلفة أكثر خطرا، ودون أن تفصح عن عملية التوجيه والتنشئة وبث ثقافة الإنسان المقهور، يكتسب الفرد اليمني منها العادات والقيم والمعايير وغير ذلك من أنواع السلوك التي تريد الجماعات أو حتى الدول توصيلها للأفراد، ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة في اليمن تم توجيهها وحرف بوصلتها لتؤثر حتى على الفلاح وهو يعمل على أرضه ومزارعه.
وتدخل الشركات والمؤسسات ومراكز العمل في عملية التأثير، حيث لها دور في تنشئة الفرد من خلال التحكم في سلوكه، وكما هو معلوم فقد تم تجريف كل شيء متعلق بها، حتى أخلاقيات وسلوكيات العمل للأسف!
بالمختصر، إن عملية إعادة تنشئة الفرد اليمني أصبحت شاملة ومعقدة، وسيحدث من خلالها انتقال الثقافة من جيل إلى جيل، وهذا الأمر سيحدد الطريقة التي سيتم بها تشكيل المجتمع اليمني في المستقبل منذ طفولة أفراده وحتى فنائهم.
وعليه وللحفاظ على آخر ما تبقى للإنسان اليمني والأمة اليمنية من قيم، وثقافة، ومعتقدات، وأعراف، حتى قوميته وغير ذلك، لابد أن تولي الدولة جل اهتمامها لبناء مجتمع وجيل سليم، عبر سن قوانين واضحة، وخطط مدروسة لدعم الأسرة والمجتمع، وتعزيز تكاملية التنشئة بين الدولة ومؤسساتها من جهة، ومؤسسات المجتمع المدني المؤمنة بالقانون والدستور اليمني، وغيرها من الكيانات والتكتلات المؤثرة بشكل إيجابي من جهة أخرى، فإذا ما تمت بلورة التنشئة، والإهتمام بها بالشكل الأمثل، أنتجت الإنسان اليمني والمجتمع الواعي، الكفء، الخالي من الأمراض الاجتماعية والنفسية.
وبالتالي يستطيع اليمني أن يكون عضوا فاعلا منتجا، قادر على بناء اليمن المنشود أرضا وإنسانا، لا أن يكون حجر عثرة فيه.

– موقع “اليمنيون”

عناوين قد تهمك: