القضية الجنوبية وعلاقتها بالاستقرار في اليمن – خلاصة

القضية الجنوبية وعلاقتها بالاستقرار في اليمن – خلاصة
ياسين سعيد نعمان

القضية الجنوبية وعلاقتها بالاستقرار في اليمن في ذكرى الاستقلال – خلاصة د. ياسين سعيد نعمان السفير اليمني في بريطانيا


منذ اربعينيات القرن الماضي والجنوب يتشكل كقضية على امتداد نضاله السياسي، تجاوز الترسيم القسري لجغرافيته السياسية وذلك بأدوات سياسية وثقافية وكفاحية، وفي التعاطي مع مشروعه الوطني شكل مع الشمال خارطة اليمن الطبيعية ورفض الالحاق والضم كي لا يغدو جزءاً من بنية سياسية خربة وهشة، وحافظ على دوره ومكانته في الخارطة الوطنية بالتصميم على القيام بدور يجعل منه قوة فاعلة في معادلة البناء الوطني، ولذلك فقد قاوم كل محاولات الكسر والتطويع، وتمسك بخيار أن يبقى قضية للاستقرار.

اليوم يتحمل الجنوب، ليس بسبب وضعه في معادلة الصراع فحسب، ولكن كحامل تاريخي لاستقرار اليمن، مسئولية استثنائية في مواجهة التحدي الوجودي لهذا المشروع العنصري الخطير.. يضعه التاريخ أمام حقيقة من حقائقه وهي أن رسالته هي المستهدف الرئيسي من قبل هذا المشروع، ويخطئ من يعتقد أنه سيتوقف عند حدود 1990.

الحوثية مشروع ايراني مهمته تجنيد كل اليمن لخوض صراع إقليمي لصالح النظام الايراني، وإقدامه على قصف موانئ النفط في شبوة وحضرموت بالمسيرات الايرانية، وقبلها قصف مطار عدن بالصواريخ، وإبقاء فضاء الحرب مفتوحة مع الجنوب باشعال معارك يومية في مختلف الجبهات هو تأكيد على هذه الحقيقة التي لا يمكن للقضية الجنوبية أن تغفلها من معطيات معادلتها، مع ما يرتبه ذلك من ضرورات استراتيجية لفهم مخاطر هذا المشروع.

وبالطبع فإن إدراك هذه الحقيقة، بما تتضمنه من أهمية لدور الجنوب في التصدي لهذا المشروع، يجب أن يقابله العمل بجدية على خلق توافقات سياسية من قبل كل القوى التي تتصدى للمشروع الحوثي الايراني العنصري الذي حول اليمن إلى منصة ايرانية لتهديد أمن المنطقة والعالم، بحيث تشمل هذه التوافقات حل قضية الجنوب حلاً عادلاً على أساس الاختيار الذي يقرره الناس في الجنوب بعد أن تتم هزيمة هذا المشروع، وفي ظروف يكون فيها الاختيار غير خاضع لأي ضغوط من أي نوع.

إن حل قضية الجنوب يجب أن يتفق من حيث المبدأ مع الدور المعول على الجنوب في انقاذ اليمن وتحقيق استقراره، وهذا يعني أن هذا الدور لن يستقيم إلا بتوفير العوامل التي سيستقر معها ليقوم بهذا الدور المناط به. وأول شروط استقراره منحه الثقة بقدرته على اتخاذ القرار السليم.

لقد ارتبطت قضية الجنوب ارتباطاً وثيقاً باستقرار اليمن في كل المراحل التي مرت بها: وهي تحمل مشروع الاستقلال وتبني دولة الجنوب التي وضعته على خارطة العالم، وهي تجسد مشروع الوحدة، وهي تقود معركة بناء دولة الوحدة، وهي تعبر عن إصلاح مسار الوحدة قبل الحرب وبعدها، وهي تدعو الى حق تقرير المصير، وهي تتصدى للمشرع الحوثي الايراني في إطار الاجماع الوطني اليمني. إن كل الذين حاولوا كسرها أو توظيفها خارج هذا الهدف المتمثل في استقرار اليمن (موحداً أو بدولتيه السابقتين) خسروا الرهان سابقاً وسيخسرونه لاحقاً.

لم تكن هذه القضية نخبوية في كل المراحل التي مرت بها.. لقد كانت تاريخ الجنوب السياسي، وكانت ضمير وصوت الشعب في الجنوب، وعنوان كفاحه من أجل الحاضر والمستقبل، ويخطئ من يعتقد أن نخبة ما أو جماعة بعينها هي من صنعها..

بالعكس، هي من صنَعَ الجميع، وهي التي أطاحت بكل من أراد أن يوظفها لصالحه وعلى نحو مناهض لدورها في توفير شروط الاستقرار، ولذلك فإن القوى المقاومة للمشروع الحوثي الايراني لا بد أن تعيد ترتيب نفسها على قاعدة التعاطي المسئول مع هذه القضية التي كانت دائماً تعبيراً عن الحالة السياسية للجنوب في الظرف المعاش. وهي اليوم تعبر موضوعياً عن حالة الجنوب الراهنة كما يراها قطاع واسع من الشعب الذي سئم إملاءات النخب، وتعب من مغامراتها وما ترتب على ذلك من اخفاقات.

يمكننا اليوم تتبع حالة النضج لدى هذا القطاع الواسع من الشعب فيما أخذ يتوافق عليه بشأن هذه الحقيقة، رغم ممانعة النخب التي باتت تتحرك في فراغ هائل تحاول شحنه بمشاحنات يتم استدعاؤها من صراعات الماضي التي لا صلة لها بالعمل السياسي الرشيد. وكثيراً ما نجد هذا التوافق الشعبي يرد بقوة على الأخطاء السياسية للنخب والتي أوصلت البلد إلى هذا الوضع الذي وصلت إليه.

لا يمكن تجاهل حقيقة أن هذا التوافق الشعبي قد انعكس في مسائل مترابطة وذات أهمية في الخروج من المأزق الذي دخلت فيه البلاد، والتي تتضمن أولوية التصدي للمشروع العنصري الحوثي الإيراني، والتعاطي الإيجابي مع اختيارات الجنوبيين السياسية لمستقبلهم وفقاً لإرادة شعبية مسئولة.

بات الجميع اليوم يفهم “القضية” في هذا السياق الذي ينسجم مع تطورات الأوضاع السياسية، غير أن الاشتباك مع حسابات الماضي يضع جملة من التحديات التي طالما اختبرت في صلتها بحراك الواقع ولم تنتج سوى المزيد من التعقيدات أمام الجميع لمواجهة التحدي الرئيسي.

إن الإلتزام بوضع صيغة تقوم على الاستجابة لهذين المرتكزين سيكون ضرورياً لخلق المسار الذي من شأنه أن يعزز الثقة بين الأطراف المختلفة، ويمكنهم من وضع خارطة استقطاب كفاحي واسع يتجاوز حالة الشك التي تحكم العلاقة الداخلية بين هذه الأطراف.

ولا شك أن إشراك الناس في تقرير خياراتهم السياسية يضع النخب السياسية كلها أمام حقيقة أن التاريخ السياسي لليمن لم يكن غير تاريخ هذه النخب التي ظلت تتخذ القرارات نيابة عن الناس، وأن هذا المشروع العنصري الذي يدمر اليمن اليوم هو المحصلة للطريقة التي أدارت بها النخب شئون هذا البلد بمعزل عن الشعب، وأن اقتران مقاومة هذا المشروع التدميري بالاعتراف بحق الناس في تقرير خياراتهم السياسية شرط ضروري لتحقيق الانتصار عليه.

انتهى.

الحلقات السابقة:

القضية الجنوبية إلى أين؟ (6+7)

القضية الجنوبية وعلاقتها باستقرار اليمن في ذكرى الاستقلال (3+4+5)

القضية الجنوبية وعلاقتها باستقرار اليمن في ذكرى الاستقلال (1+2)