الحوثيون بين الانكشاف الداخلي وتصدير الأزمة إلى الخارج

في اليمن، استنفد الحوثيون كل الوقت، واستنفدوا معه كل الأعذار والحجج، بدءًا من أسطوانة “العدوان” التي جرّوا اليمن إليها بإصرار، مرورًا برحلات ماهان، واجتياح عدن، والزحف نحو الحدود الجنوبية، ثم المتاجرة بقضية غزة، ووحدة الساحات، والانقياد الأعمى لغرفة العمليات في الضاحية الجنوبية.
واليوم يجد الحوثيون أنفسهم أمام انكشاف شعبي وقبلي واسع، بعدما ضاق الناس ذرعًا بتدهور المعيشة، وسوء الإدارة، وسلطة أمر واقع فاشلة ومنبوذة إقليميًا ودوليًا. وأصبح الحبل يلتف حول عنق سلطتهم الجبرية في صنعاء وبقية مناطق سيطرتهم.
لذلك لم يعد أمامهم سوى تصدير أزمتهم إلى الخارج، عبر محاولات إقلاق السعودية، ورفع منسوب التهديد والضجيج الإعلامي، والبحث عن بطولات وفتوحات في الداخل عجزوا عن تحقيقها في ذروة قوتهم، فكيف وهم اليوم أضعف مما كانوا؟
وبقدر الأهمية الكبيرة لرسائل القيادة السياسية، وفي مقدمتها رسائل فخامة الرئيس القائد الدكتور رشاد العليمي، وما حملته من وضوح في مخاطبة الداخل اليمني والمجتمعين الإقليمي والدولي، فإن هناك رسالة أخرى ربما لا تقل أهمية في هذا التوقيت الدقيق، موجهة إلى الشرعية والتحالف، مفادها أن المليشيا الحوثية ربما لم تعد تملك القدرة على تمرير أي تسوية كما كان الحال في السابق؛ فواقعها الداخلي لم يعد يسمح بذلك في ظل الاختناق الاقتصادي والاحتقان الشعبي، كما أن القرار الإيراني لم يعد يترك لها مساحة واسعة للمناورة، إذ إن الإيرانيين ينظرون إلى حلفائهم بوصفهم أذرع استثمار سياسي، ويعرفون كيف يوظفون هذا الاستثمار بما يخدم مصالحهم ويحميها.
ثم إن المشكلة لا تقف عند المطالب الحالية التي يقدر الحوثيون أنها تبلغ نحو 20 مليار دولار تحت عناوين المرتبات والحقوق وغيرها، فحتى لو افترضنا جدلًا إمكانية توفير هذا الرقم، فإنهم يطرحون في الوقت نفسه رقمًا آخر يصل إلى 200 مليار دولار تحت عنوان إعادة الإعمار. وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن بناء تسوية مع طرف يرتفع سقف مطالبه باستمرار، ويحوّل كل اتفاق إلى مقدمة لمطالب أكبر؟
ومن هنا، فإن المصلحة الوطنية والقومية تقتضي حسم الموقف وإنقاذ الشعب اليمني الواقع تحتً سلطة الحوثيين، وإنهاء حالة الابتزاز المستمرة التي عطلت فرص السلام الحقيقي. فالوقت لا يعمل لصالح أحد، وكل تأخير يجعل كلفة الحل أعلى، ويضيق مساحة الخيارات المتاحة.




