الأحد 8 نوفمبر 2026
  • الرئيسية
  • لهذه الأسباب نرفض خطاب الكراهية القائم على الوصم النمطي

لهذه الأسباب نرفض خطاب الكراهية القائم على الوصم النمطي

لهذه الأسباب نرفض خطاب الكراهية القائم على الوصم النمطي

مجيب الحميدي يكتب: لهذه الأسباب نرفض خطاب الكراهية القائم على الوصم النمطي


من الظواهر الخطيرة التي يتساهل فيها الكثيرون في ظروف الحرب: انتشار خطاب الكراهية القائم على تعميمات الوصم النمطية؛ وفي سياقنا اليمني كثيرًا ما يقال: جميع أبناء الهضبة كذا.. وأبناء قبيلة كذا هم كذا.. والجنوبيون أو الشماليون، أو أبناء صنعاء أو تعز أو صعدة أو الضالع أو حضرموت هم كذا وكذا.. والهاشميون كلهم سلاليون.. والزيدية كلهم جارودية بمن في ذلك من اعتبر مسألة البطنين اجتهاداً غير قطعي لا يوجب سفك الدماء والفساد في الأرض، ولا يبيح فرضها بالقوة على من لا يؤمن بها، وكل أعضاء الحزب الفلاني كذا وكذا. وجميع أمثال هذه التعميمات.

لماذا نرفض هذا الخطاب؟

نرفض هذا الخطاب انطلاقاً من ثوابت قطعية لا مجال للمساومة فيها:

أولاً: المرجعية الشرعية الصارمة

- المسؤولية الفردية: أصل قرآني حاسم ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾،

- منهج التبعيض والإنصاف: حرص القرآن حتى مع المخالفين في أصل العقيدة على التمييز والعدل؛ فاستعمل مفردات التبعيض: ﴿وَدَّت طَّائِفَةٌ﴾، ﴿إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا﴾

و من الملفت ان النص القرآني كان يقدم الصورة الايجابية على السلبية كما في قوله تعالى ".وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۝ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ"

وقرر البر للمسالمين قبل الحديث عن الذين يقاتلوننا ويريدون إخراجنا من مدننا يقول تعالى : " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين".

- النهي الصريح عن السخرية والازدراء الجماعي: قطع القرآن الطريق على استعلاء فئة على أخرى أو وصمها بالدون والرداءة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ"؛ فالمعيار عند الله هو التقوى والعمل لا الجغرافيا والقبيلة.

- الوعيد النبوي الشديد من الهجاء الجمعي: فقد قرنت الأحاديث النبوية التعدي على المجموع بأشد العذاب يوم القيامة وأقبح الكبائر كالزنا بالأم؛ ففي الحديث المروي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "أكثر الناس عذاباً يوم القيامة رجل هجا رجلاً فهجا القبيلة بأسرها» -رواه الطحاوي بإسناد صحيح على شرط الشيخين وصححه الألباني،

وفي رواية أخرى: «إنَّ أعظمَ النَّاسِ فِريةً لَرجُلٌ هَاجى رجُلًا فَهَجا القبيلةَ بأسرِها، ورجُلٌ انتفى من أبيهِ وزنَّى أمَّهُ» -صحيح ابن ماجه- صححه الألباني.

ثانياً: المخاطر الواقعية والمجتمعية

- نزع الطابع الإنساني وشرعنة العنف: تصوير المجتمع المقابل ككتلة شر مصمتة يمهد لاستباحة الدماء والحقوق بتفويض جمعي متوحش.

- تدمير السلم الأهلي وتخليد الثارات: تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات مناطقية وقبلية يزرع أحقاداً تستعصي على الحل لعقود قادمة.

- تخلية سبيل الجناة الفعليين: حين تتجه التهمة إلى القبيلة أو المحافظة بأكملها، يذوب الجاني الحقيقي ويفلت من جريرته ليتحمل وزرها الأبرياء.

- إجبار المعتدلين على التخندق: دفع الأصوات العقلانية والمستضعفين إلى الارتماء الاضطراري في أحضان قوى الأمر الواقع ومراكز التطرف، بعدما أُدينوا لمجرد انتمائهم وجغرافيتهم.

- تقويض دعائم الدولة والمواطنة: تعذر قيام أي مشروع للعدالة والقانون ما دامت العصبية تصنف المواطنين إلى طوائف خائنة وأخرى تحتكر الوطنية.

- إن الإنصاف في الخصومة محك التدين والمروءة؛ والذين يستسهلون إطلاق النار الكلامي على العشائر والمدن والمذاهب، إنما يشاركون -شعروا أم لم يشعروا- في تغذية محارق الفتنة وتمزيق ما تبقى من نسيج الوطن.