أبو حيان التوحيدي.. والمجصصون!

الحياة طعمها يختلف، ويحلو فيها الحديث، لو غشيها الصدق واكتنفها النقد الصادق، وتزدان أكثر ويزداد ملحها لو لم ننس ملح الصراحة الذي يعطي الأشياء طعمها ليطيب الغذاء. والفول يحسن طعمه مع قليل من سحاوق البسباس!

و ابن مسكويه المحسوب على عضد الدولة بحالات عدة؛ كمثقف من مثقفي عصره، وخازن ماله، والمسؤول على الثقافة ومكتبة عضد الدولة التي أشاد بها المقدسي في حواراته مع أبي حيان التوحيدي حين حاول أن ينصح صديقه الفيلسوف المتصوف، نصحه نصيحة المشفق على صديقه، والخائف على مصالحه التي تبقى إلا إذا بقي النظام.. فأشار على صديقه أن يداهن ويتلون، بل ويتغاضى عن نقد الفساد والظلم، وبأسلوب عالم التربية الخبير بأحوال الحياة والدنيا، والتاجر الماهر الذي في أسوأ أحوال السوق من الركود والإنهيار لا يقبل ربحا ولا خسارة، يكتب لصديقه:

“… وبعد، فإني أرى لك إذا أحببت معايشة الناس، ومخالطتهم، وآثرت لذة العمر، وطيب الحياة، أن تسامح، أخاك، وتغالط في نفسك، حتى تفضي عن كل حق لك، وترى عليك ما لا يراه لنفسه… ومن عرف طبع الزمان وأهله، وشيمة الدهر لم يطمع في المحال، ولم يتعرض للمتنع، ولم ينتظر الصفو من معدن الكدر، ولم يطلب النعيم من دار المحنة.. ”

و لست أنكر واقعية النظرية الوصولية والبراجماتية في التعامل البشري، والسلوك العملي في الحياة التي نصح به الرجل أبا حيان التوحيدي، وربما لا ينكرها بعضكم عليه. وتظل وجهة نظر.

و لكن النقطة المفصلية والمحورية التي يجب ألا تغيب عن الكيس الفطن أن إبن مسكويه لم يكن ليقول ذلك إلا لأنه في معسكر الحاكم، وبالتالي لم يكن من رأيه نقد الفساد، والظلم، والانحطاط الأخلأقي، عند الحاكم والمحكوم على السواء، فمصالحه تدور مع الحاكم أينما دار. وهو مخالف تماما لما كان يراه الفيلسوف الذي ظلمته في المجتمع النخبة الهامة، والهوام العامة. لم يكن إبن مسكويه يرى في التغيير إلا إزالة مصالحه ومنافعه في الحياة كما ذكرها وحدد مداراتها في نصيحته لصديقه الفيلسوف المتصوف والصحفي الأول في الدنيا.

وأبو حيان التوحيدي علي بن محمد أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدبآء كما صنفه غير قليل من معاصريه أو من جاء بعدهم عاش عفيفا فقيرا ومات عفيفا فقيرا… و(كان متفننا في جميع العلوم من النحو واللغة والشعر والأدب والفقه والكلام على رأي المعتزلة، وكان جاحظيا يسلك في تصانيفه مسلكه) و(… هو كثير التحصيل…، واسع الدراية والرواية والدراسة… وكان مع ذلك محدودا محارفا يشتكي صروف زمانه ويبكي في تصانيفه على حرمانه) كما ذكر ياقوت الحموي، وقال عنه السبكي: “.. وكان إماما في النحو واللغة والتصوف.. فقيها مؤرخا ” و(.. كان فاضلا لغويا نحويا شاعرا… وكان فقيرا صابرا متدينا حسن العقيدة) كما يصفه إبن حجر العسقلاني.

الرجل والإنسان والفيلسوف والمتصوف الفقيه.. يعتبره كثير من المفكرين، والمستشرقين، من ألمع المثقفين في التاريخ العربي والإسلامي، بل من نخبة النخبة المثقفة التي ما مسحت أكتاف السلاطين والأمراء. شخصيا أعتبره عزآء الثقافة والفلسفة العربية والإسلامية، وأزعم أني لا أغالي مطلقا إذا قلت هو أول صحفي في العالم بإجمال معناها اليوم. ففي كتابه (الهوامل والشوامل) تجده الفيلسوف المتكلم في علم الكلام، وفي (البصائر والذخائر) و(الإمتاع والمؤآنسة) و(المقابسات) تجده مؤسس الصحافة بإجمال المعنى… الرجل الواسع الأفق، والرائع التنسيق والترتيب والمتنوع الثقافة، وفي رسائله (الإشارات الإلهية) تجده المتصوف الذي سلك الطريقة الصحيحة لا الدرويش الأبله. وله رسالة في الإغتراب والغربة عنده حالة فريدة وهي من أجمل ما قرأت تحت هذا العنوان، وتذكرك إلى حد كبير برسالة الأوطان التي كتبها الجاحظ الذي كتب فيه أبو حيان التوحيدي رسالة تقريظ.

والوقفة التي تستحق منا الوقوف هنيهات غير قصيرة هو الفكر الأخلاقي أو فلسفة الأخلاق عند التوحيدي. التوحيدي لم يصنف مؤلفا خاصا حول فلسفة الأخلاق، لكنه نثرها بغزارة في كل مؤلفاته ومصنفاته حتى ليكاد المرء يدركها بيسر وسهولة من بين الأسطر والعناوين ناهيك عن الترتيب والتنسيق الجميل الذي عهد عنه. ولعلي لن أبالغ لو زعمت إنه تجاوز إبن خلدون وابن صاعد الأندلسي تجاوزا بعيدا في مسألة الأخلاق وفلسفة الأخلاق. والموضوع لاتساعه ليس هنا مقامه ولكن غالب فلسفته الأخلاقية كان قد ضمنها كتابه (مثالب الوزيرين) حين تعرض بالنقد المثير للصاحب ابن عباد وابن العميد. ولعله من حسن التذكرة ونافلة الحديث أن اعرج على أهم المحاور الأساسية التي تقوم عليها فلسفته الأخلاقية أو فكره الأخلاقي أو نظريته الأخلاقية:

أولا: العقل عند التوحيدي له تقديره بفرادة واعتراف متميز بدوره.
ثانيا: الدين والأخلاق بعد العقل، والثلاثة هم محاور ارتكاز العالم وهم أركان مثلث الحياة.
وثالثا: الالتزام بتقديم البرهان والشواهد العيان. فيقول:” كيف يستحي من الحق وإن كان مرا؟ أم كيف يعتذر عن الصدق وإن كان موجعا؟ هذا ما لا يكلفه حكيم، ولا يأمر به مرشد، ولا يحث عليه ناصح “.
رابعا: إمكانية نقد الإنسان من زاوية أخلاقية صرفة دون إضافة.
وخامسا: شرعية الثلب دينيا وأخلاقيا في حق الشخصيات العامة، بل يجعله في مقام الضرورات من أجل المصلحة العليا للناس والشعب والأمة والمجتمع.

منا من سيقف مع إبن مسكويه في نظريته البراجماتية المنفعية الوصولية باعتبارها ناموس الحياة البراجماتية الوصولية المنفعية، وتبرير للبقاء بغض الطرف عن معاني النزاهة من الدناءة، سواء في معسكر السلطة رغبة في عدم توقف در الحليب من ضرع السلطة، أو خارج معسكر السلطة من النخبة المثقفة في المجتمع انكفاء على النفس، واعتزالا عن النضال ضد سلطة الفساد، والظلم، وسقوط الأخلاق في العصر، وإيثار الحياة الذليلة تحت مبررات لا تمت إلى الحياة إلا بالأنانية والخصاصة والأنا.

ومنا من سيميل ميلة العاقل المناضل الشريف، في صفوف فلسفة إبي حيان التوحيدي الأخلاقية؛ فيقف في صفوف الباحثين عن الحياة الكريمة والشريفة بحثا عن مخارج للأزمة، والتفتيش عن الحبل السري للمولود الجديد محاولا أن يمد له مصادر الأمل في الولادة الكاملة والسليمة والصحيحة، كما وقف التوحيدي لطيفا كالندى وعنيفا كالقدر في صفوف المناضلين الأوفياء لمبادئ الحياة السليمة والكريمة والشريفة بعفة الأولياء، بعيدا عن أروقة السلطان ودهاليز السلطة المظلمة بالفساد والفسق الأخلاقي، والظلم، باحثا عن موعد مع الفجر آت وإن ازور اللقاء كمواعيد الشهداء في اللقاء، ونيل أرزاقهم بعد مشقة وعناء.

وقف أبو حيان التوحيدي وقفة الفيلسوف الذي أدب الفلسفة في محاريب العقل، وفلسف الأدب معاريج النقل، فلم يكن أبدا مجهدا نفسه في دروب الحياة باحثا عن تبريرات لتكييف الواقع الحياتي في ظل السلطة الفاسدة والمفسدة. الناقد الصارخ في وجه الظلم وفساد السيف الذي تخشب عجزا وهونا، وما سكت غضاضة وانكفاء على نفسه إلا حين شاخ ببضعة وتسعين عاما، وقد شاخت النخبة والعامة قبله بعشرات السنين!

ابن مسكويه كان قد أوجد الحلول من موقع من تعسكر وتخندق مع السلطة الفاسقة، والسلطان الفاسد والمفسد للنخبة والعامة، ونظر إلى المشكلة من وجهة نظر التاجر الذي يحسب الربح قبل أي شيء آخر. والتاجر لا يأخذ من السوق إلا ما يناسب حساباته في الربح! أما التوحيدي رأى الإشكال على حقيقته، ولاقى ما لاقى من العذاب، والتعذيب باتجاه محاولات الفهم، جاهدا نفسه في أغوار الإشكال لإيجاد الحلول الحقة، لا البحث عن مجرد تكييفات للواقع، لأنه كان يعرف جيدا أن ليس كل تكييف للواقع هو النجاح الذي يؤهل البقاء، ناهيك عن أنه ليست حالة صحية سوية البتة ف ” لا تشك لشاك، ولا تبك لباك”!

لكل زمن وعصر ستجد إبن مسكويه! وماسحو الأحذية والمجصصون اللذين يحاولون جاهدين أن يجصصوا الجدران والسقف لإخفاء شقوق البيت في اليمن كثر، سدنة لأوثان الجهل في السلطة!
و التوحيدي في اليمن في حالة اغتراب مهينة في ماء اتم العقل!

أن أي فكر لا ينتقل من مجالس التنظيرات، وترهل التأطيرات إلى طاقات نبيلة تحرك الشارع، والناس لإسقاط الوثن القابع مختبئا خلف ثلاثين ألف بندقية في قصره الأحمر وفي حرمه المقدس، وتطلق عندهم أشواق مواعيد الشهداء، هو فكر ترفي لا يسمن ولا يغني من جوع، وهو فكر يثقل الحياة أكثر مما هي مثقلة فيمتهنها امتهان من مهنته لقمة أو شربة ماء، ويظل صاحبه كالحمار يحمل أسفارا، وهو فكر سلة مزابل التاريخ أولى به إذا لم تلفظه هي نفسها!

و أي مفكر لا يحسن النزول إلى الناس ليتحسس ألآمهم، وآمالهم لتتألمس أشواقهم على حبر كلماته دما يراق ليدق أبواب الفجر المثير، وتتجوهر أناتهم المرهقة أحجارا لانتفاضة تعانق الشموس، وآفاق الإنسان الكريم العفيف والشريف في أرض الجنتين، والسد، وأقدم نظام ديموقراطي فيدرالي في الدنيا.. أي مفكر لا يحسن ذلك فلينكفئ ويخرس ولا يدعي النبوة والسماحة والنقاء.. فدوره لا يقل عن دور الجبل الذي تمخض فولد فأرا!

وإذا علمنا أنه لما تولى عمر بن عبدالعزيز كتب إلى الحسن البصري أن “أعني بأصحابك”.. فكتب الحسن إليه:

“… فأما طالب الدنيا فلا ينصح لك، وأما طالب الآخرة فلا يرغب فيك… ولا يجوز للسلطان أن يسلم وزارته، ولا عملا من أعماله إلى من ليس بأهل.. فإن سلم الأعمال إلى ذلك الرجل، فقد أفسد(الرئاسة)، وظهر له الخلل الوافر من كل وجه، ومن كل جانب.. وقد قال الشاعر:

البيت إذا ما حان خرابه .. ظهر التخلخل من أساس الحائط
و إذا تولى الملك غير رجاله .. ولوا الأمور لكل فدم ساقط

وإذا ما علمنا ما كتبه عمر بن الخطاب لأبى موسى الأشعري:
“… أما فإن أسعد الولاة من سعدت به رعيته، وإن أشقى الولاة من شقيت به رعيته.. وإياك والتبسط فإن عمالك يقتدون بك..”

و أنا هنا لا أعظ بل أذكر بأيام الله، عسى الذكرى تنفع المؤمنين، إذا علمنا ذاك.. فسنعلم أن تلك الشريحة من شرائح النخبة النكبة في اليمن وتحت ظروفنا هذه التي أنهت على ما بقي في الناس من رمق وكرامة وشرف للأرض والعرض، لما تقم بدورها في استنهاض همم الناس في كل شوارع الحياة، ويلزمها موقفها ووضعها هذا المشين أن تفسح الطريق أمام الدمآء الجديدة من باب القانون الديموقراطي العمري (هلا وسعت المشورة)، وأمام الناس لتخوض الطريق وإن تعثرت خطواتهم نحو الفجر فسيتحملوا كامل المسؤولية الانسانية والتاريخية في سقوط الإنسان اليمني.

وإن من يدعي الرقص على رؤوس الثعابين والأفاعي هو المسؤول الأول والأخير أمام الله والناس والتاريخ. ولست معفيه لو أرتفع سعر الطماطيس على تهكمه على ناسه بل حتى سعر البسابيس الذي أضحى سعره أغلى من جيب المواطن!

وإذا كانت قامات فكرية كتلك القامات التي لا أحب أن أسميها تبحث عن حل الإشكال بتكييف الواقع.. فمسكين هذا الشعب! ولهذا قلت، وأقول، وسأظل أقول أن الحل لإشكالية الأزمة التي أوصلنا علي إلى حافة هاويتها هو حل بيد الشعب، لا النخبة المثقفة المسيسة، ولا الأحزاب التنظيرية.. بل مسيرات شعبية سلمية.. وعصيان مدني سامي وسلمي.. وإضرابات شاملة عن العمل لضرب النظام الفاسد فيما تبقى له من رمق! و”افجعه بالموت يرضى بالحمى”..

ولقد أحزنني أيما حزن أن أر قامة طالما عملقتها الناس ما يزيد عن ربع قرن، ورأسا طالما عممتها الطبقة الوسطى بشال من كبرياء.. أحزنني أن أر تلك القامة، والرأس تنكفئ تحت جدران الصمت العاجز والمهين، حتى عن الإشارة بإصبع الخنصر لا السبابة باتجاه المتهم الحقيقي الذي أفقر الشعب، والوقوف بصراحة التوحيدي، وصدقه، لا تكييف وتبرير ابن مسكويه، ضد الفساد وفسق الأخلاق في العبث بأقدار الناس، ومقدرات الأمة وموارد الأجيال. والأشقاء والجيران ليسوا هم من ضيع البلاد والعباد.. وما في البيت إلا أصحابه!

قامة كتلك ترى الأشياء تقفز فوق ألوانها، وعيونه ترى الفجر قد أظلم فجرا ولا يعلنها مدوية بصراحة وصدق… لهي عيون حق لها أن تفقأ، ورأس آن أن يحجر عليه أن يفكر ويكتب.. وهي قامة بدت قزما هزيلا ذليلا!

تلك القامة التي قرأت فكر الثوار الأوائل، وكتبت كثيرا، ونظرت عن الثورة اليمنية… فكتبت عن الفضول، والنعمان، والزبيري وغيرهم من قامات وسقت الشموس… ولا أسمعه يلوم النظام الفاسد والهاتك بحقوق الناس في العيش الكريم والشريف، ولا يتجرأ في العتب واللوم إلا الأشقاء والجيران والأحبة ويعتب عليهم التأخير في دفع الإتاوات – أقصد المساعدات – لعلي ونظامه.. ولا يتساءل أين ضاعت موارد السعيدة.. ونفطها، وغازها، وخضرتها وشبابها؟..

إن ما يقوم به ذلك المفكر، والكاتب، والموظف، هو نفس ما قام به إبن مسكويه. وهنا نستطيع أن ندرك أين تقف قامات بعيار عبد الباري طاهر وعبدالكريم الرازحي، وأين يقف ذلك إبن مسكويه في اليمن!

حقيقة ذهلت.. وأنا اقرأ ما كتب معاتبا إخوتنا واشقائنا وجيراننا ويحاول – كما فعل ابن مسكويه من قبل – من تكييف للواقع لنفسه وللنظام، وتبرير الضعف، وتسبيب طرائف طرق البقاء على نظام فاسد أرهق الناس سوءا، وعذابا، وغربة، وضياعا.

قامات كتلك تفعل ذلك في حال كمثل ما نحن فيه من هذه اللحظات التاريخية المفصلية، هي قامات مجصصين، يجهدون أنفسهم في تجصيص الوجه الذي تشقق، والجدار الذي بانت على كل اتجاهاته ومساحاته وأنحائه الشقوق والحفر والجروف التي تهدد بالسقوط والإنهيار؟!.. وكأني به أسوأ من ابن مسكويه. لان إبن مسكويه حلل القضية، وحل الأشكال بوجهة نظر التاجر لسلطان فاجر. أما صاحبنا فلا كتب في الإشكال، أو حاول أن يحله، بل ذهب في غير القضية شططا ليلوم غيرنا، ويعاتبهم بأنهم قد تأخروا في دفع الاتاوات لنظام الحرب والفساد. والحمدلله أنهم لم يفعلوا ذلك وإلا لرأينا أسلحة بوتين في شوارع المدن، وساحاتها في اليمن الذي كان سعيدا فأضحى عصيدا!

فكيف لمفكر بحجمه وقامته أن يرض برؤية السعيدة عصيدة! أما قلت أن إبن مسكويه لا يقارن به والحالة كتلك التي أمامنا!.

هنيئا لك يا أبا حيان اليمن التوحيدي يا عبد الباري طاهر وعبدالكريم الرازحي ليس لسبب إلا لأنهما أعلنا موقفا بلا مواربة وتكييف للواقع. وما هو الإنسان غير موقف؟!

وآ أسفي عليك يا ابن مسكويه من كاتب للبلاط، وخازن لمكتبة السلطان إلى مجصص لا يدرك الفرق بين اليمن السعيد واليمن العصيد!

وبقدر أسفي على مسكويه، فإني أغبط أبا حيان التوحيدي على نضاله ضد الظلم، والفساد لما يزيد عن خمسين عاما إن لم أخطئ ووقوفه في كل تلك المدة تلك الوقفة الشريفة كإنسان سوي النفس مهما قيل عنه وعن معاناته النفسية. ولست لآئما أبا حيان التوحيدي على تصوفه في أواخر سني حياته بعد التسعين حين وجد ملاذه الأخير وعزاءه الوفير في مناجاة الله بديلا عن حياة ممضة كانت تريده أن يكون سادنا لأوثان الجهل والفساد والفسق عند السلطان. بيد أني قد لا أتردد في معاتبته حين أحرق بعض كتبه.. ولكنه بالتأكيد كان لديه ما يقوله بعد أن أكل من عفة نفسه الحشائش، واغترب في عالم يضج بصيته.. وهو يقول:
” وأغرب الغربآء من صار غريبا في وطنه “!
و يقول
ما تركت الحضور سهوا ولكن.. أنت بحر ولست أدري السباحه

عجبا لابن مسكويه! الذي عاش ضيفا وهو الغريب، فاستغرب إبن وطنه وتوطن الغريب.. و(ضعف الطالب والمطلوب)!

ابك.. فأنت في رحاب سلطان خازنه وأمين مكتبته إبن مسكويه! وابتسم.. فأنت في وطن به أبي حيان التوحيدي..
عبدالباري طاهر وعبدالكريم الرازحي
اعطني عشرة من معيارهما أعطيك وطنا بحجم اليمن.. وحينها سأقول لك يا صديقي:

” الساعة الخامسة صباحا ولقد وصلنا.. ابتسم أنت في صنعاء ”

غير مصنف