رواندا بين التصفية العرقية والمصالحة الوطنية

رواندا بين التصفية العرقية والمصالحة الوطنية
مصطفى أحمد النعمان

رواندا بعد مفاوضات استمرت ثلاث سنوات تم التوقيع في 4 أغسطس 1993 على اتفاق شراكة بين (الحكومة) و(الجبهة الوطنية الرواندية) لإنهاء حرب أهلية استمرت ثلاث سنوات، لكن الرئيس (جوفينال هابياريمانا) لم يكن مقتنعا به لأنه سحب الكثير من اختصاصاته لصالح الحكومة الانتقالية المشكلة بموجب الاتفاق، وسانده في موقفه قادة الجيش المتشددون من جماعة الهوتو التي تمثل الأغلبية السكانية في البلاد.

في 6 أبريل 1994 أسقطت الطائرة التي كانت تقل (هابياريمانا) وقتل في الحال (كان ينتمي إلى قبائل الهوتو)، وهي حادثة انتظرتها القيادات العسكرية المتطرفة من الهوتو – يقال أيضا إنها دبرتها – فبدأت بعدها بأربع عشرين ساعة ما صار يعرف بأنه أسوأ عملية تصفية عرقية في العصر الحديث انتهت بمقتل ما يقارب 800 ألف من أقلية التوتسي وكثيرين من الهوتو المعتدلين وحو إلى 30% من الباتوا، ولم تتوقف المجازر إلا بعد سيطرة الجبهة الوطنية على العاصمة في 15 يوليو 1994، وبعدها تمت اعتقالات لعشرات الآلاف من الذين شاركوا في عمليات القتل والاغتصاب، وفر من البلاد ما يقارب مليونين من الهوتو خوفا من الانتقام، وقامت (الجبهة) بتسليح العديد من التوتسي في زائير المجاورة (الكونجو الديموقراطية حاليا) لمهاجمة مخيمات اللاجئين الهوتو انتقاما لما حدث للأقلية التوتسي.

عند نهاية الحرب الأهلية في رواندا كانت البنية التحتية قد توقفت عن العمل وانهار الاقتصاد بفعل الدمار الهائل، كما أن الحكومة السابقة نهبت كل الأموال من البنوك وكل ما يمكن نقله، وتناقصت القوى العاملة بفعل مقتل 40% من السكان (صارت النساء يمثلن 70% من عدد السكان البالغ 12 مليون نسمة)، وتعرض الذين تبقوا في البلاد إلى صدمات نفسية مروعة، وتفشت الأمراض المعدية والأطفال غير الشرعيين نتيجة عمليات الاغتصاب، وحرقت قرى بأكملها وتمزق النسيج الاجتماعي، لكن السلطة الجديدة تمكنت من التحكم بمجريات الأمور، وبدأت محاكمات وسجن الكثير من المشاركين في المجزرة ونقل عدد منهم إلى محكمة الجنايات الدولية، ثم انطلقت عملية إعادة بناء للخدمات الأساسية والمباني الحكومية، وقامت بعملية توعية داخل المجتمع لتجاوز آثار السنوات الثلاث مع الاحتفاظ بالتذكير بما جرى خلالها.

اليوم تحولت رواندا إلى نموذج لعملية المصالحة الوطنية في المجتمعات التي مزقتها الحرب الأهلية المبنية على العرق والدين، وصار اقتصادها بين الأكثر نموا في القارة الأفريقية وأصبحت معبرا مهما للتجارة البينية وتقديم الخدمات والابتكارات في مجال تخطيط المدن، وتمكنت بعد كل الدمار الذي لحق بها أن تكون موقعا جاذبا للاستثمارات الأجنبية، ولكن كل هذه النجاحات لا تعني أن التحديات قد غابت، فالرئيس الحالي بول كاجاما يدير البلاد بقبضة حديدية ولا يسمح بنشوء معارضة لحكمه، كما يشعر الهوتو بأن سقف تطلعاتهم قد انخفض بدرجة كبيرة؛ إذ يحتكر المنتمون إلى التوتسي الذين لا يمثلون أكثر من 15% من عدد السكان معظم المواقع العليا في الدولة، وتم تعديل الدستور بما يسمح للرئيس الحالي بتمديد فترة حكمه حتى العام 2034 في حال فوزه بالانتخابات.

من مظاهر نجاح التجربة الرواندية في المصالحة الوطنية أنها لم تتوقف عند المشاركة السياسية لكنها انعكست في عملية تصالح محلية في القرى التي تعرض سكانها للترويع والاغتصاب، وقد حققت تقدما يمكن تكراره في المجتمعات التي عانت أو ما زالت تعاني من حروب أهلية، ويتم حاليا دفع الناس للقيام بأعمال مجتمعية مشتركة تساهم في تجاوز آثار ما حدث.

في كلمة ألقاها الأستاذ أحمد محمد النعمان عضو المجلس الجمهوري في 26 أكتوبر 1970 أمام قادة القوات المسلحة اليمنية، قال (قد تكون مشكلات السلام أعظم من مشكلات الحرب؛ لأنه وفي ظل الحرب هناك من يجدون في ظروفها الملاذ من متطلبات السلام)، ويقيني أن الذين يدفعون لاستمرار الحروب في بلدانهم يدركون أن استمرارها يمثل مصدرا ثمينا لجني الفائدة الشخصية لهم، ويخليهم من مسؤوليات السلام.

 

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية