مناقشة مبادرة الرئيس علي ناصر محمد

مناقشة مبادرة الرئيس علي ناصر محمد
لطفي نعمان

مناقشة مبادرة الرئيس علي ناصر محمد

فخامة الرئيس الأسبق الوالد العزيز علي ناصر محمد ، يبعث حضورك ونشاطك وتجوابك الآفاق من حين لآخر، أملاً في ديمومة العطاء الخلاق، مهما جابه هذا العطاء اختلاف وما لَفيَ الاتفاق.

ومبادرتك الأخيرة -بتكرار عرضها في غير محفل- جديرةٌ بالاهتمام والنقاش أكثر من الاحتفاء بها والتهليل لها. ويُستجاز مناقشتها بما يثري دون انتقاص من قيمة ما تطرحه كقامة وطنية وتاريخية، يُلتقَط من حكمتها بكل اطمئنان.

موجز المبادرة

مبادرتك تبحث سبل تقليص ظاهرة “اليمننة” من ظواهر العرب المؤسفة، وذلك بما تهدف إليه من:

– “وقف الحرب وتوفير المناخ السياسي الملائم للحل”

– وكذلك “استعادة الثقة بين المتصارعين (…)”

من خلال خطوات تتضمن إدارة المرحلة الانتقالية عبر (مجلس رئاسة وحكومة توافقية) بمهامها العسكرية والسياسية المحددة عبر لجان عسكرية ودستورية وانتخابية (تقنين السلاح، والحوار حول شكل الدولة الفيدرالية الاتحادية والوحدة، وتحضير الانتخابات)، مع الدعم الدولي للإعمار والمبادرة المطروحة.

الوحدة.. هدفٌ مُعلَن

لا ريب في دوافع إطلاقك المبادرة بنوايا مخلصة نتيجة مكتسباتك من الخبرة والتجربة الطويلة عبر سنوات حكمٍ، بعد -وأثناء- نضالٍ وطني مشبوب بالصراعات ومشحون بدورات تصفية خنقت فرص البناء والوحدة، حتى بلوغكم خلاصةً خلقت دعوات “التصالح والتسامح”.. و”التغيير قبل التشطير”.

غير أنها بما تضمنت من مراعاة دبلوماسية لبقة “للكائن” من الكيانات السياسية، تبعاً لذكائك المعهود، لم تأتِ على وجوب الانطلاق مما هو “كائن” تاريخياً وسياسياً كوحدة قائمة، بتلافي ومعالجة الراهن من مشكلات والبادي من أوجه قصور شابت –سواءٌ عن قصد أو غيره- وشاخت بها تجربة الوحدة اليمنية الحتمية.. والمثبتة جغرافياً -بحكم الطبيعة الجلية على الأقل- وليس تاريخياً وسياسياً بحكم هواء السياسة المضطرب وأهواء الساسة الجدد من ناشطين بغير علمٍ باعتبارات التاريخ وحتى معطيات الجغرافيا بأن “كل اليمن جنوب، وكل الجنوب يمن”!

زادت المبادرة –فخامة الرئيس- باب الوحدة انفتاحاً على مصراعيه لاحتمالات إعادة التشطير في ظل أجواء مشوبة وأهواء مشحونة بفيروس “الفرقة والتشرذم و(باعد بين أسفارنا)” (…). أ ليس من باب أولى أن يعمل المتضررون من الحرب، ومن استمرار الوحدة على هذا النحو –المؤذي لهم- أن ينحوا جميعاً باتجاه السلام والحوار على تصحيح مسار الوحدة وتقوية بنائها وتخلية مسامها من جراثيم وأدواء الانشطار.

الفيدرالية، بدون شك، صيغة مناسبة وملائمة.. لبلدان لن يقال: “لأنها متطورة ومتقدمة”، وربما كان سر تطورها وتقدمها هذه الصيغة؛ بل لبلدان نجحت في تطبيقها نتيجة وجود قوة مركزية خططت ونفذت، وعنّ لها تعميم نموذجها المنفذ مركزياً، عبر تطبيق اللا مركزية أو الفيدرالية، وقد كفلت السيطرة على عوامل الانقسام وترويض التنوع والتعدد بما يعزز التوحد الوطني، فرسخت هيبة الدولة وكرست احترام النظام والقانون وجذرت الشعور بالوحدة القومية والوطنية. أما أن يذهب الضعفُ إلى تعميمِ “فيدرالية الشتات المتناحر والفتات المتنافر” فعلى البلد “المُفدرَل” تُتلَى تراتيل العزاء.

ولئن ظل، خلال مراحل تاريخية معينة، كابوس الانشطار وفوضى الصراع يلازم اليمن، فلا يعني بالضرورة أنه يلائم اليمن أبداً، فحاجة اليمن واليمنيين إلى الاستقرار أشد من استمرار “بجاحة” الفوضى. ورغبة اليمن واليمنيين إلى ترسيخ الوحدة أقوى من إشاعة الانفصال.

لا سيما أن الظاهر المعلن عن “الآخرين” الحرص على وحدة اليمن. فيما استمرار الحرب يكرس صيغة “اليمنات” -كما يدرك الجميع، وتقول مبادرتك- على عكس ما يعلنه “كل المتصارعين”. وهذا يغض قيمة اقتراح الفيدرالية والاتحادية، لأنها مع الحرب وتوابعها تودي بالوحدة خطوة.. خطوة!

لا جدوى إذاً من القول بالفيدرالية والدولة الاتحادية، بينما حس الوحدة الوطنية مفقود. ونموذج السلطة المركزية الواعية والقوية غير موجود.

السلاح للدولة… أي دولة؟

ناقشَت مبادرتُك نقطةً مهمة يناقشها كل من يتفهم جوهر بناء الدولة، وهو: السلاح..

أنى يكون جمع السلاح من المسلحين، ولا قوة وقدرة جلية على هذا!

ثم لا قدوة بين المسلحين -أصلاً- باحترام القانون والدستور الذي حظر من قبل، ثم من بعد -عبر كل المشاريع الدستورية- إنشاء تشكيلات مسلحة موازية لمؤسسات الدولة.

تلك مُعضلةٌ تفُتُّ عضلات كل نظامٍ طامح إلى خدمة المواطنين وحمايتهم عبر مؤسسات الدولة المختصة. خصوصاً والكل يدرك مدى سماحة وطيبة مسئولي مؤسسات الدولة اليمنية المُعتزين بعصبياتهم القبلية والمناطقية، وكرم نفسهم إزاء مسألة التسليح الذاتي والجماعي، ويقابل ذلك غيرة شديدة لدى المسلحين، فرادى وجماعات، على سلاحهم.. فلن تُضعِفَ أي لجنةٍ “غيرتهم المسلحة” طالما وكل القرارات والمخرجات تَعِدهم وتَعُدهُم وتُعِدهم لكي يكونوا شركاء “مرحلة ما بعد الحرب”!

ثقة سادة الحرب!

دع عنك إذاً السلاح –يا فخامة الرئيس الأسبق- وانظر صوب حَمَلَةِ السلاح من “المتصارعين” وقد استهدفت مبادرتك “استعادة الثقة (المفقودة) بينهم” بإدارتهم مرحلة ما بعد الحرب. والسؤال هنا: أ ينتفع من ساءته الحرب باتفاق سادة الحرب.. أم ينتفع سادة الحرب فقط؟!

.. هلا تعلم –ويعلم الجميع- أن “لا عدو للناس إلا الحرب”.. فالحرب ساءت الجميع وأساءت إليهم –حتى المتصارعين أنفسهم، يهديهم الله إلى وقف الحرب (…)- وما يهم الناس ويعنيهم هو “إنهاء الحرب” وليس يهم أو يريح أحداً “إنهاء أطراف الحرب” وإجهازهم على بعضهم –لا سمح الله-..

فليذهب أطراف الحرب بثقتهم وشكوكهم حيث يشاؤون، ولا يبقون متحكمين في مصائر الناس وقد جربوهم سلماً وحرباً.

أليس تجريب المجرَب –بعدما خرب- خرابٌ وخبلٌ وخللٌ في العقل..

ألا فليُعفَى المتصارعون من “المسئولية بعد الحرب” كما يُعفون أنفسهم من “المسئولية في الحرب”، وليقال لهم:

لا يلُم بعضكم على “الحرب” بعضاً أيها القوم كلكم أبرياءُ (…)

اليمنيون الجدد

ليدع “الأبرياءُ من المسئولية” الأبرياءَ الحقيقيين يعيشون ويختارون “مسئولين حقيقيين وجادين” يعتنون بما استهدفته مبادرتك: “تهيئة المناخ السياسي الملائم للحل”.

ولكن بعدما يوقف المتصارعون حربهم، فهذا دورهم الأساسي الفريد والمطلوب الوحيد قبيل بناء اليمن الجديد.

و”اليمن الجديد” الموحد والقوي يبنيه “اليمنيون الجدد” بمشورة حكماء اليمن –إن نطقوا- وسُمح لهم العمل على ذلك دون تشويش.. كما شوش “حماس” الشباب وشوه “حكمة” الشيوخ يوم تصالحوا أثناء التشطير وغياب التفكير في “التسامح والتصالح” وسَن دستور التعايش بين حكمة الشيوخ وحماس الشباب.

الدستور سقف حوار

أما الدستور في اليمن، يا فخامة الرئيس الأسبق، فهو الصريع منذ “مصرع الابتسامة” 1948م، أي سقوط أول ثورة يمنية أسالت دماً فسالت بعدها الدماء، وإن أتت بحكم مقيد بدستور قليل المواد.. حتى مشروعه المؤود منذ وُلِد عام 2014م بضمانات مثقلة بنواقض الدستور!

من البديهي أن عدم الاكتراث بتطبيق 162 مادة دستورية عُدلت غير مرة، يَلِدُ -قطعاً- اللا مبالاة بعدد 446 مادة دستورية لما تقرأ بالمرة (…).

إنما تظل مبادرتك هنا محل إكبار، كونها وضعت هذه المسألة بنداً أساسياً وسقفاً محدداً للحوار “المُنتَظَر” متزامناً مع إحلال السلام “المُنتَظَر”.

الضمان يمني

وفيما يخص “إعادة الإعمار” و”رعاية مجلس الأمن الدولي”، فلا خلاف يطرأ على وجوب الأولى فمثلما كانت الحرب بآليات الدمار استثماراً لبعض المنتفعين، فإن “إعادة الإعمار” استثمارٌ واجب.. لن يتأخر عنه منتفعون آخرون.

أما “رعاية مجلس الأمن الدولي” فغير خافٍ على فخامتك، كيف بات المجلس الدولي يُعنى بشؤون اليمن حتى صار “مجلس (اليمن) الدولي”، لكن الرعاية الناقصة (الناقضة) للمبادرة الخليجية تأبى الركون إلى إمكان ضمان أي كان نجاح هذا الأمر عدا ضمان اليمنيين أنفسهم.

وشارة الضمان هي مبادرة المتصارعين بأنفسهم -بتشجيع كل المبادرات لهم- إلى التبرؤ التام من مسئوليات ما بعد الحرب، على غرار تبرئتهم لأنفسهم من مسئوليات الحرب. حتى ييسر المجتمع الدولي انتقال المجتمع اليمني إلى تحقيق أهداف مبادرتك، وغاية السلام وتعزيز الوحدة وصون أمن واستقرار المنطقة. إذا شاء الله واليمنيون –والآخرون طبعاً- ذلك.

التكنوقراط هو المطلوب

لن يطول المقول عليك أكثر من ذلك، وأنت للفكرة أوعى، وبنبل غاية السلام أدرى.. إنما تفضل بمواصلة المبادرة على حث الأطراف للحوار ووقف الحرب تمهيداً لإحلال السلام بشخصيات جديرة بمسئوليات ما بعد الحرب، بدءً “بشخصية كفؤة قوية وسوية ذات مقدرة” على تحمل مسئولية الرئاسة، يتوافق عليها الجميع دون تدخل في إدارته طالما بقيت سوية.

هذا إن توافقت المكونات على عدم التدخل، وقررت دخول الرئاسة من بوابة “الانتخابات الديمقراطية التنافسية” التي غيبتها الأزمة السياسية والحرب العبثية مع كل ما طال غيابه القاسي من أمان نفسي ومرتبات ويسر معيشة.. وضمان مستقبل الأجيال القادمة.

وكذا: توافق المكونات السياسية على عدم الدخول في “حكومة تكنوقراط انتقالية غير سياسية”. فتجربة الرؤوس المتعددة، والحكومات التوافقية أثبتت صحة المقولة: “التوافق دسمٌ مسموم”.

والناس قد ذاقوا سموم الحرب وضاقوا من سوء السياسة.. وتاقوا لترياق السلام وحُسن السياسة.

وفق الله الجميع لتنفيذ كل مبادرة تصون وحدة اليمن وتضمن أمن المنطقة وتكفل سلام العالم.

للاطلاع على مبادرة الرئيس علي ناصر محمد هنا

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية