ذكرى اغتيال النعمان.. يا سندباد عصر الجنون

لطفي نعمان

عقب اغتيال الأستاذ محمد أحمد نعمان ببيروت في 28 يونيو 1974م، كتب الأستاذ محمد جلال كشك، المفكر والصحافي المصري الراحل مقالاً بعنوان “يا سندباد عصر الجنون” نشرته جريدة الأنوار البيروتية تحت توقيع “جيمكاف” بتاريخ 30 يونيو 1974م:

يا سندباد عصر الجنون!

في كل مرة كنا نريد أخبار اليمن، كنا نتصل بالنعمان الكبير.
وفي كل مرة كنا نريد أن نفهم ماذا يجري في لقاءات العرب، كنا نتصل بالنعمان الصغير.
بالأمس، فعلنا نفس الشيء.. اتصلنا بالنعمان الكبير.. مضطربين خجلين..
مختلطة مشاعرنا بين الحزن والرغبة في العزاء، وبين واجبات المهنة التي تفرض السؤال..
من كان يصدق أنه سيأتي يوم تسأل فيه عن مصرع النعمان الصغير، ويجيب النعمان الكبير؟!
كان فوقما تصورنا..
رباطة جأش، ورقة حس، وتماسك القائد السياسي الذي يزن كلماته ويدرك أبعاد ما يدور حوله..
كان كما قال: “تكسرت النصالُ على النصالِ”..
تمثل ببيت الشعر الذي يقول: إن الإنسان يتبدل في لحظة، فبينما هو مُخَبِّرٌ بالأحداث، إذا هو خبرٌ من الأخبار*..
وهكذا أصبح محمد النعمان “خبراً من الأخبار”!
بادر فنفى أن يكون لليمن أو للأوضاع الجديدة، أي دَخْل في مصرع ابنه**..
وقال إن مجلسي قيادة الثورة والوزراء، المجتمعين في جلسةٍ مشتركة، اتصلا تليفونياً به، وأبلغاه العزاء، وقررا إرسال طائرة لنقل الجثمان إلى صنعاء حيث سيحتفل رسمياً وشعبياً بتشييع جنازته.
وقال إنه نصح رجال الأمن بعدم إجهاد أنفسهم في التحقيق..!
قلت لهم: “وفروا الجهد فيما هو أجدى.. نحن قد عرفنا تحقيقاتكم، وجربنا نتائجها في عشرات الذين اغتالتهم يد البطش بمستقبل هذه الأمة، ويد العبث بتاريخها..
لا أتهم أحداً.. وماذا يفيد الاتهام.. هل سيوقف الإجرام؟”..
وهكذا كان النعمان الكبير، كما عوّدنا، مصدر أخبار اليمن، حتى وهو في قلب الفاجعة الكبرى..
اعتدنا أن نميزهما بالنعمان الكبير، والنعمان الصغير، حتى بعدما أصبح الابن وزيراً للخارجية، والأب سفيراً***!
وبالأمس كانا معاً في بيروت، “التي طالما أحبها” النعمان الصغير، كما يقول الكبير..
كانا في واحدة من هجراتهما العديدة، منذ أن وهبا نفسيهما أو فرضت عليهما ثقافتهما، وإيمانهما بتاريخ اليمن، منبت العروبة.. أن يحاربا عش الزنابير.. وهو تعبير أطلقه النعمان الصغير، عندما قامت ثورة اليمن وكان للنعمانين رأيهما في أسلوب دعمها واستمرارها.
قال النعمان الصغير: “اليمن كعش الزنابير، من دس يده فيه، يجب ألا يتوقع شيئاً غير اللدغ!”****..
ولكنه قضى عمره، في عش الزنابير يحاول أن يعلمها صناعة العسل.. حتى لدغته بالأمس، زنابير “مجهولة”، خمس لدغات نفذت إلى القلب..
وأنهت رحلة اليمن التائه..
جيمكاف
جريدة الأنوار 30 يونيو 1974م

هوامش:
*بيت الشعر: بينا يُرى الانسانُ فيها مُخبِراً .. حتى يُرى خبراً من الأخبارِ
** سمو الأستاذ الأب وتسامحه وتماسكه وصلابة موقفه جعله يقول: “ماذا يفيد الاتهام هل سيوقف الإجرام” فيبادر إلى نفي الاتهام عن الحكم الجديد بصنعاء بعد حركة 13 يونيو 1974م، لا سيما والتحقيقات بلبنان لما تكن قد بدأت، مع يأس من جدواها في ظل فقدان لبنان الأمان والاستقرار،حتى قال ما قاله كما ورد في المقالة، ثم حين التقى الرئيس سليمان فرنجية في يوليو 74م “لا تعزوني في فقدان ابني محمد، بل عزوني في فقدان لبنان أمنه واستقراره”.. (لطفي نعمان).
*** لم يُعيّن الأستاذ النعمان الأب سفيراً في عهد وزارة الأستاذ النعمان الابن للخارجية، لكنه قضى أوقاته يومها خارج اليمن معتزلاً الصراع السياسي داخل الشطر الشمالي والنزاع بين الشطرين الجنوبي والشمالي. (ل. ن).
**** الاستشهاد بتشبيه الشهيد النعمان حلبة “السياسة اليمنية” بـ”عش الزنابير” الوارد في تصريح سابق منشور بمجلة الحوادث، ضمن مادة لِكشك عنوانها “مخلفات الثورة اليمنية” عام 1971م، كشف أن “جيمكاف” هو كشك نفسه.
حرر الأستاذ كشك عدة مواد عربية مهمة بمجلة الحوادث، ومنها تحقيق موسع عن اليمن عام 73م في سلسلة حلقات، مع ما كتبه من قبل في الخمسينيات والستينيات لمجلات وصحف مصرية وكتاب عن اليمن بعنوان “روسي وأميركي في اليمن”.. (ل. ن).

نشوان نيوز